الفصل الخامس والأربعون
" the writer Aridj "
.
.
.
وصل رسيم إلى باب بيت رعد، والليل يفرش سكونه الثقيل على المكان. وقعت عيناه فورًا على سيارتھ التي كانت بحوزت أماني، مركونة بإهمالها المعتاد. تنهد بامتعاض خافت وتمتم بابتسامة لا تخلو من حنين ساخر /آه يا أماني… حتى سيارتي ومرحمتيھا.
أدخل سيارة رعد التي استقلھا إلى الفناء الداخلي، ثم عاد بخطوات مترددة نحو سيارتھ. ألقى نظرة داخلها، لعلها يجد اماني تجلس ھناك ، لكن المقعد كان خاليًا، والصمت أشد قسوة. ارتفع حاجباه بدهشة، وأخرج هاتفه.
اتصال… لا إجابة.
ثانٍ…وثالث… ولا شيء.
انقبض صدره....... ما الذي أصابها؟
تقدم نحو الباب، فوجده موصدًا بإحكام. تراجع خطوتين، وعقله يشتعل بالاحتمالات. هل ينادي بصوت مرتفع؟ لكن الوقت متأخر، والحي نائم، والفضول يولد الشبهات...... هل يتصل بأحد من المستشفى ليحضر المفتاح؟ لا… هم مثقلون بما يكفي، والحزن لا يحتمل مزيدًا من الإزعاج.
وفي لحظة شرود، سقط بصره على سلسلة مفاتيح سيارة رعد. وبينها… مفتاح غريب، لا يشبه البقية. أمسكه كمن يتمسك بخيط أمل أخير، وهمس /أتمنى يكون هو… وش سويتي فيني يا أماني؟
أدخل المفتاح في القفل وأداره. انفتح الباب.
دخل… فاستقبلته عتمة كثيفة، كأن البيت قرر أن يحبس أنفاسه.
ابتسم رغم القلق /من قوة نظرھا مشاء الله تمشي فظلام .
لكنھ تذكر فورا ؛ أماني لن تشعل الأنوار إن شعرت بوجود خطر. تلك الغريزة… غريزة التحقيق التي تجري في دمائھم .....فقرر ان يترك الأنوار على ماھي عليھ .
تحرك بخطوات هادئة، يحصي أنفاسه، مستعدًا لكل احتمال. صعد إلى الطابق العلوي، وهناك… حقيبة أماني ملقاة عند أول الممر .حملها، وتقدم أكثر.
وفجأة، شقّ ضوء هاتفه العتمة، ليقع على جسد أماني المستلقي على الأرض.
ركض إليها، قلبه يسبقه، وانحنى محاولًا إفاقتها. اقترب… فداهمه عبق غريب، نفّاذ....إنھا رائحة مادة منومة
تجمدت ملامحه.
ما الذي جاء بالمادة المنومة إلى أماني؟
إذًا… لم يكن شكه في غير محله. كان هناك أحد، أو كان… ثم غادر.
حملها بين ذراعيه، خفيفة على غير عادتها، وكأن الحياة انسحبت منها مؤقتًا. نزل بها إلى الأسفل، وضعها برفق على الأريكة في الصالة، ثم أضاء الأنوار. بدا البيت فجأة عاريًا، مكشوفًا، لا يحمل أثر اقتحام ولا فوضى سرقة.
بدأ البحث.
غرفة… تلو الأخرى.لم يجد سوى زوايا صامتة وكأن البيت نفسة يتستر عن حقيقة من اقتحمھ .
مرّت ساعة كاملة، عاد بعدها إليها خالي الوفاض. لا شيء.
جلس قربها، وبدأ إسعافه البسيط، يراقب أنفاسها، ينتظر إشارة حياة أوضح. وإن لم تستفق… فالمستشفى أقرب قرار.
وبعد لحظات ثقيلة، تحركت جفونها ببطء.
اقترب منها، وقال /أماني… حبيبتي، وش صار لك؟ مين سوا فيك كذا؟
تأوهت، وضعت يدها على رأسها، وقالت بضعف متصنع /أوف يا رسيم… راسي بينفجر. فكّني من تحقيقاتك. أنا بخير… ما صار شي. راح أطلع أجيب أغراض لوعد، وبعدها عندي مشوار مهم.
اشتعل صوته بحدّة مكبوتة /تحسبيني أصغر عيالك؟! انتي استنشقتي مادة منوّمة، وأكيد مو بإرادتك!
نهضت ببطء، متجاهلة صداع رأسها، ورسيم الذي يكلمھ .اما هو فقد نهض خلفها، يلحق بها بالكلمات /أماني، جاوبيني… وش صار؟
استدارت نحوه بغضب مفاجئ، عيناها تلمعان بارتباك مكبوح /مثل ما تشوف! لقيتني مرمية، واستنشقت مادة منومة، وما أعرف مين خلاني أستنشقها. ارتحت لحين، وبس.
ضيّق عينيه. لم يكن غبيًا ليبتلع القصة بسهولة. أماني لا تنفعل هكذا إن كانت بريئة من الخوف. خلف غضبها شيء… شيء تخفيه.
قال بهدوء متعمد /إذا كذا، بنطلع للبيت. ما في طلعات هالليل. ارتاحي أحسنلك .
استدار ليغادر، ثم تذكر، فعاد /نسيت… عطيني مفتاح سيارتي.
قالت بلا اكتراث /شوفه في حقيبتي.
ثم صعدت إلى غرفة وعد، تجمع ما تحتاجه، وعقلها في مكان آخر… عند ذلك السلطان تفكر كيف ستجدھ وتنتقم منھ لن يفلت بفعلتھ بھذھ السھولة .ستحرقك النار التي حذرتني منھا يا سلطان .
بعد وقت قصير، نزلت، أطفأت الأنوار، وأغلقت الباب بإحكام. ابتسمت بسخرية وهمست/ حتى لو جا و ودو يدخل… القفل ما راح يمنعه.
ركبت السيارة بجانب رسيم، حقيبتها في يدها، وأخرى وضعتها في الخلف. قالت بهدوء مصطنع /ودّيھا لوعد بطريقك. قُل لها إني تعبانة، وباجيها الصبح.
أومأ برأسه دون كلمة.لكن داخله… كان يعج بالأسئلة.
غرابة شقيقته لم تعد خافية.وسيعرف، عاجلًا أم آجلًا، ما الذي تنويه أماني…
.....حتى لو احترق الليل كله سيكشفھا.