حين يعود الماضي
لم أكن أتوقع أن يعود الماضي بهذه السرعة، ولا بهذه القسوة.
كنت أظن أن الذكريات مثل النار، تخبؤ مع الوقت، لكنني اكتشفت أنها تشبه الجمر… تختبئ تحت الرماد حتى تهبّ ريح صغيرة لتشعلها من جديد.
خرجت من المقهى بخطوات بطيئة، كأن الشارع صار أضيق مما كان.
المدينة نفسها، لكنني لم أعد أنا نفسها.
كل زاوية مررت بها كانت تهمس باسمه، وكل نافذة تعكس صورة امرأة لم تعد تعرف إن كانت ما زالت تلك الفتاة التي حلمت يومًا دون خوف.
في الطريق إلى البيت، سمعت ضحكة تشبه ضحكته…
فتوقفت.
لم ألتفت، لأنني كنت أعرف أن بعض الوجوه لا تُرى مرتين دون أن ينهار شيء في الداخل.
دخلت غرفتي وأغلقت الباب، لا هربًا من الناس… بل هربًا من نفسي.
جلست قرب النافذة كما كنت أفعل دائمًا، ووضعت رأسي بين يديّ.
لم يكن الألم جديدًا…
الجديد فقط أنني بدأت أفهمه.
كنت أظن أن القوة تعني أن أنسى،
ثم أدركت أن القوة الحقيقية هي أن أتذكر… دون أن أنكسر.
تحت جلد النار، لم تكن هناك امرأة ضعيفة،
بل فتاة تعلمت أن تحترق بصمت،
أن تبتسم وهي تتفكك،
وأن تمشي مستقيمة بينما قلبها يعرج خلفها.
قالوا لي يومًا:
«الوقت يداوي كل شيء.»
لكنهم لم يقولوا إن بعض الجروح لا تريد أن تُشفى…
بل تريد فقط أن تُفهَم.
وفي تلك الليلة،
كتبت لأول مرة دون خوف:
لم أعد أريد أن أطفئ النار…
أريد أن أتعلم كيف أعيش معها.
لأنني إن أطفأتها…
سأطفئ نفسي معها.