الفصل الثالث
كانت كاريلا قاعدة في مقصورة القطار اللي ماشي بسرعة ناحية جنيف.
القطر كان هادي كراسي قماش تقيل لونها نبيتي غامق زي قطارات الدرجة التالتة اللي متعودة عليها. كاريلا قاعدة جنب الشباك، حاسة إنها بتدخل عالم تاني خالص.
برّا الشباك، الجو اتغير تمامًا.
الخضرة والبيوت الصغيرة بدأت تختفي، وبدأ يظهر صقيع سويسرا. الهوا كان تقيل، والجو بارد جدًا لدرجة إن البخار كان بيطلع من أنفاسها وهي بتتفرج. البيوت شكلها بقى أرقى وأكثر تنظيمًا، زي ما تكون مرسومة بالمسطرة، وظهرت جبال الألب من بعيد، شامخة ومغطية بالثلج الأبيض. كل ده كان بيديها إحساس إنها داخلة على مكان فخم، بارد، وغامض... مكان بيخبي أسرار كتير تحت هدوئه.
كاريلا كانت ماسكة موبايلها، الإضاءة بتاعته هي مصدر الضوء الوحيد في وشها المنهك. كانت بتدور على "فؤاد الغريري"، الاسم اللي سمعته لأول مرة في حياتها.
لما كتبت الاسم، نتائج البحث طلعت كتيرة بشكل مرعب.
كان بيظهر في كل حتة: أخبار اقتصادية، مقابلات نادرة، صور لمشاريع ضخمة. كاريلا طول عمرها راسها في كتبها ودراستها، عمرها ما اهتمت بـ "أخبار البيزنس الثقيلة"، عشان كده الاسم ده كان جديد عليها تمامًا.
لقيت أول معلومة: "رجل أعمال مصري، مقيم في سويسرا منذ صغره، يملك سلسلة فنادق ومنتجعات باسم 'الغريري'".
قعدت تتفرج على صور المقابلات بتاعته.
الراجل كان في أواخر الخمسينات وسيم بشكل صارم. بدلة غالية، تصفيفة شعر كلاسيكية، ونظرة عين حادة بتوحي بالذكاء والقوة، مش مجرد ثراء عادي. كان شكله مش بتاع لعب خالص، فيه ثقل ومهابة بتحسس اللي قدامه إنه شخص مهم بيتحكم في حاجات كتير.
بدأت كاريلا تدور في عمق الروابط العائلية:
ظهرت مقالات بتتكلم عن "أبناء الغريري الستة". ستة ولاد! كاريلا حست بدوار خفيف. ستة أشقاء! كلهم تقريبًا في نفس رينج السن (الشباب). دي كانت صدمة مضاعفة. هل دول إخواتها؟ هل بيعرفوا عنها؟
لقت صور لزوجة فؤاد الغريري، ست أجنبية، شكلها راقي ومحافظ، واضح إنها مش مصرية خالص. ده خلّى سؤال تاني يظهر: هل مامتها كانت مراته الأولى او الثانية ؟ لااكيد الثانية اخوتها دول أكبر منها ...طب ازاي ؟
بعد شوية بحث، لقت مقابلة قديمة لفؤاد في قناة إخبارية أجنبية. سأله المذيع بفضول:
"حضرتك مقيم في سويسرا ومواطن سويسري، لكنك احتفظت باسمك العربي الكامل. لماذا لم تقم بتغيير الاسم ليناسب السوق الأوروبي؟"
فؤاد الغريري صوته هادئ وثقيل
"مهما بعدت عن بلدي، ومهما كبرت الإمبراطورية، فؤاد اسم أعتز بيه. هو اسم عربي ومش محتاج أغيّره عشان أكون قوي."
كاريلا قفلت الموبايل.
أبوها عايش، غني جدًا، قوي جدًا، بيعتز بأصله، وعنده ستة ولاد.
حست إنها مسكت طرف الخيط، بس الخيط ده طلع سلسلة حديد تقيلة. القوة اللي كانت بتتمناها عشان تقف قدام ظلم والد ليز موجودة دلوقتي بين إيديها، لكنها قوة مخيفة ومجهولة.
نظرت كاريلا مرة تانية للشباك. انعكاس وشها في زجاج القطار البارد كان بيبص على جبال الألب.
جنيف. وصلت خلاص.
_____
كاريلا نزلت من القطار وهي بتجر الشنطة الكبيرة والتقيلة بتاعتها.
جنيف!
الدنيا هنا كانت مختلفة خالص عن أي حاجة شافتها قبل كده. الجو كان قارص، برد ناشف، والناس كلها ماشية بسرعة وهدوء، مفيش الدوشة ولا الزحمة اللي متعودة عليها. حتى ريحة الهوا مختلفة، ريحة نضيفة فيها شوية رطوبة.
على الرغم إنها مصرية ومتربية على الثقافة المصرية، لكنها طول عمرها عايشة في سويسرا، يعني فاهمة الأجواء دي
هي دلوقت عندها 18 سنة، خلاص بقت بالغة، ومحدش ليه عليها كلمة. هتتصرف وهتعتمد على نفسها.
شدّت الشنطة، وحست إن البرد لسع وشها. بصّت حواليها، الشوارع واسعة ونضيفة، المباني كلها حجر ولونها بيج فاتح، والزجاج بيلمع.
وقفت جنب عمود عشان تفتح الشنطة وتطلع جاكيت تقيل. لبسته بسرعة فوق الهدوم الرقيقة اللي كانت لابساها، وقفلت الشنطة ورجعت تجرها.
دلوقتي لازم تلاقي تاكسي عشان تروح للعنوان اللي لقته في النت .
فتحت محفظتها، بصّت على الفلوس القليلة اللي كانت مدّخراها من زمان، المبلغ يكفي تاكسي و حاجات تانية
بطنها قرقرت، افتكرت إنها من إمبارح ما أكلتش حاجة . شافت محل صغير جنب المحطة، قالت لنفسها
"آكل أي حاجة سريعة وبعدين أتصرف."
بدأت تجر الشنطة ناحية المحل، لكن وهي طالعة على الرصيف، عجلة الشنطة علقت في الدرجة. الشنطة كانت تقيلة جدًا، وبدأت تحاول تسحبها بكل قوتها.
وفجأة، اصطدم بيها حد.
الاصطدام كان عنيف، الراجل كان طالع من المتجر ومش شايف قدامه . كاريلا وقعت على الأرض، وشنطتها اتقلبت، والراجل وقع هو كمان.
فوضى غريبة سادت للحظة. الناس بصّت عليهم للحظة، وبعدين رجعت كملت طريقها بهدوء، كأنه دي حاجة عادية في شوارع جنيف.
الراجل قام بسرعة، عمال يلمّ في الحاجات اللي وقعت منه على الأرض. كان شكله غريب، هالات سودا تحت عينيه، هدومه ريحتها مش حلوة، وواضح إنه مرهق أو مدمن.
وهو بيلمّ حاجاته، لمّ محفظة كاريلا بالغلط، وحطها في جيبه من غير ما ياخد باله!
بصّ لها بسرعة وهو متلخبط، اعتذر منها بسرعة بالفرنساوي، وهي هزّت راسها بتفهم رغم الوجع. كانت مشغولة إنها تقوم الشنطة المقلوبة.
الراجل بصّ حواليه في الشارع بقلق شديد، وكأنه بيشوف حد بيطارده. وبعدين، مشي بسرعة.
كاريلا سندت الشنطة، وعدلت الجاكيت بتاعها، وأخيرًا حست على دماغها.
المحفظة!
مدّت إيدها تدور عليها في شنطة إيديها، مفيش. بصّت على الأرض. مفيش.
الدم جمد في عروقها.
"يا نهار أبيض! فلوسي كلها!"
بصّت على الراجل، كان لسه ما بعدش كتير.
"مستحيل يكون سرقها؟ لأ، مش مصدقة!"
من غير ما تفكر، راحت بسرعة تجري وراه وهي بتشد في شنطتها الكبيرة اللي بتعطّل حركتها.
“يااخ ! استنى!” صرخت كاريلا، بس صوتها كان ضعيف في زحمة الشارع.
الراجل ما التفتش في الأول ، يمكن علشان مافكرش انها بتنادي عليه !
لكن فجأة، بصّ على جانب الشارع. عينه وسعت برعب.
ثلاثة رجال.
بدل سودا، ماشيين بهدوء، بس نظراتهم حادة ومركزة.
كانوا زي الأشباح اللي بتظهر فجأة في شارع هادي.
لما شافهم، الراجل انطلق يجري فجأة زي المجنون!
“أكيد سرقني! أكيد سرقني!” كاريلا صرخت وهي بتجري ورا الشنطة اللي بتخبط في رجليها.
من الناحية التانية، الرجالة اللي بالبدل السودا شافوا الراجل اللي بيجري، وبدأوا هم كمان يجروا بهدوء بس بخطوات واسعة وسريعة.
كاريلا بتجري ورا الراجل الحرامي اللي أخد مدخراتها الوحيدة. والرجالة اللي بالبدل السودا بيجروا ورا الراجل الحرامي.
الفوضى بدأت لتوها...
_______
المطاردة كانت قاسية. كاريلا ما كانتش متعودة على الحركة دي، طول حياتها قضيته على المكتب والكتب.
الشنطة التقيلة كانت بتخبط في رجليها وتعرقلها، وهي مش قادرة تاخد نفسها.
اصطدمت بأكتر من حد في الزحمة، بس ما اهتمتش. كل اللي في دماغها هو المحفظة.
الدموع بدأت تتجمع في عينيها، بتعمل زي الضباب اللي بيعطّل رؤيتها. الراجل اللي سرقها كان بيجري بسرعة جنونية، كأنه بيجري عشان مسألة حياة أو موت
و فعلاً دي الحقيقة !
كان بيختفي بين الأزقة الضيقة، ورجالة البدل السودا جاريين وراه بهدوء مرعب، وبعدين افترقوا، واحد راح يمين والتاني كمل والثالث إختفى
كاريلا دخلت وراه في زقاق ضيق
أخيرًا، الراجل وقف. كان فاكر إن الرجالة بعدوا عنه.
كاريلا وقفت هي كمان. حطت إيديها على ركبتيها، جسمها كله متشنج، بتحاول تاخد نفس بالعافية، حاسة إن روحها بتطلع
كانت كلماتها بتخرج بصعوبة، وصوتها متقطع
“أ… أرجوك… وقف! محفظتي! "
سابت الشنطة على الأرض، وقربت منه بخطوات مترددة، سايبة مسافة بسيطة.
“رجع لي المحفظة. أنا… أنا معنديش فلوس غيرها.”
الراجل اللي كان متوتر ومخضوض، عقد حاجبيه، مش فاهم الست دي بتعمل إيه ولا عايزة إيه.
كاريلا صرخت بحدة، وهي لسه بتنهج
“أنت خدتها! خدت المحفظة بتاعتي! رجعها! لو فاكر إن فيها فلوس كتير، تبقى غلطان! هما شوية مدخرات وخلاص!”
كان هيحط ايده في جيب البنطلون يتأكد لكن في اللحظة دي بالظبط، حصلت الفوضى.
ظهر راجل من رجالة البدل السودا من آخر الزقاق. كان واقف ثابت، وبصّته قاسية وباردة.
الراجل اللي معاه المحفظة ارتعب فورًا. وشه اتقلب، فهم إن اللعبة خلصت. حاول يجري من الجهة التانية، وكاريلا افتكرته بيهرب منها هي، فصرخت فيه وهي تحاول تمسكه
" انت استنى!"
لكنه ما قدرش يهرب . ظهر راجل تاني من الناحية التانية من الزقاق، وسدّ عليه الطريق.
كاريلا حست بالخطر لأول مرة. مين دول؟
فجأة، شافت ظل بيقع قدامها. راجل تالت نطّ من فوق سور السطح اللي جنبهم، ونزل بهدوء ودقة متناهية على الأرض الترابية بينها وبين الراجل.
الراجل الحرامي تمت إحاطته بثلاثة رجال.
“بسببك! كله بسببك!” الراجل صرخ بعصبية بالفرنساوي على كاريلا، وهو فاهم إن وقوفه عشانها هو اللي خلّاهم يمسكوه.
كاريلا ما فهمتش قصده بانها السبب بس الرعب خلاها تشهق.
الثلاثة تحركوا بسرعة فائقة، في نفس اللحظة. واحد منهم مسك الراجل من دراعه، والتاني ضربه بقبضة المسدس على رأسه. الضربة كانت قوية ومفاجئة.
الراجل سقط على الأرض فجأة، ووشه اتلصق في التراب. مفيش مقاومة، مفيش فرصة للكلام.
ساد صمت مطلق
واحد من الرجالة، الطويل واللي كان بيتحرك بدقة، بصّ عليها ببطء. نظرة باردة ومركزة.
كاريلا كانت على وشك تتراجع لورا، بتمد إيدها بتلقائية ناحية شنطتها عشان تحس بالأمان.
لكن صوت الراجل كان حاد وقليل الكلمات، نبرة إنجليزية قوية
“Stop. Don't move.” (توقفي. ما تتحركيش).
كاريلا اتسمّرت مكانها ...
______
كاريلا كانت بتتنفس بالعافية، حاسة إن الهوا تقيل زي الرصاص. كل اللي حصل من أول ما وصلت جنيف لحد اللحظة دي كان زي كابوس. دلوقتي هي قاعدة في مؤخرة عربية سودا فخمة، ضهرها لازق في الكنبة، جسمها كله متشنج.
الراجل اللي كان ماسكها في الزقاق، الطويل البارد اللي صوته حاد، قاعد جنبها على طول. مسدسه كان محطوط بهدوء على حجره، بس بطريقة تضمن إنه يلمس خصر كاريلا لو اتشدّت. مش بيحرك عينه، وكأنه تمثال من اللحم والقوة.
على الناحية التانية، قاعد الحرامي. وشه مليان تراب من ضربة المسدس، الدم ناشف على طرف شفايفه، وعينيه بتلمع خوفًا من الموت. كل شوية كان بيبص لكاريلا نظرة مليانة حقد، كأنه بيقول لها: "إنتِ السبب في المصيبة دي كلها."
“أنا ماليش دعوة بيكوا!” الكلمات طلعت من كاريلا بصعوبة، صوتها واطي زي الهمس، لكن الراجل اللي جنبها ما ردش، فضل باصص قدّامه.
الظلام كان بدأ يطبق على المدينة. الأنوار بدأت تنور في الشوارع، بس العربية كانت ماشية في حتة مفيهاش نور كتير، كأنهم بيبعدوا عن الحياة.
الطريق بدأ يطلع لفوق، العربية بتشق طريقها بين أشجار كثيفة وضخمة، ضلها الأسود كان بيغطّي على أي نور. كاريلا بدأت تحس بالبرد بيتسرب من فتحات التكييف.
وفجأة، العربية وقفت.
الراجل اللي سايق، نزل وفتح الباب بهدوء مريب. الراجل اللي جنب كاريلا، حط إيده على ضهرها كأنه بيزقها بنعومة، بس ضغط إيده كان بيقول
"انزلي "
كاريلا نزلت، سحبت نفسها من العربية، وحست إن رجلها مش قادرة تشيلها.
بصّت حواليها، وقلبها وقع.
قدّامها، كان المنظر مذهل ومرعب في نفس الوقت.
دي مش فيلا، دي قصر!
المنظر كان زي الأفلام بالظبط، بس على أضخم وأفخم. قصر قديم وضخم، لونه غامق زي حجر الكهرمان اللي متغطّي بالليل.
في وسط الظلام، القصر كان باين كأنه كيان ضخم ومهيب طالع من الأرض. التصميم بتاعه ميكس بين الطراز القديم الأوروبي والحداثة الفخمة. أبراج طويلة مدببة طالعة في السما، وواجهات حجرية غامقة مفرّغة بنوافذ كتيرة.
الإضاءة كانت خفيفة جدًا ومحسوبة، أغلبها جاي من نوافذ القصر الداخلية، اللي كانت بتدي لون دهبي خافت، وكأنه القلب اللي بيدق جوّا الكيان الضخم ده. النور ده كان بيخلي ضلّ القصر أكبر وأعمق، بيخلق إحساس إن المكان ده له أسراره القديمة.
قدّام القصر كان فيه مجرى مائي طويل (زي بحيرة صناعية صغيرة) المية فيه كانت ساكنة ولونها أسود زي الحبر، وبتعكس صورة القصر الباهتة والمشوهة، كأنها مراية بتورّي وجه المكان الحقيقي المخفي. الطريق اللي حوالين المجرى كان مرصوف بدقة، لكن العشب والأشجار اللي حواليه كانت كثيفة ومهملة نسبيًا، مما أضاف جوًا من المهابة والعزلة.
الصمت كان مُطبق. مافيش صوت أي عربية، مافيش أي دوشة. بس صوت خطواتهم على الحصى تحت رجليهم هو اللي كان بيقطع الهدوء ده.
الراجل اللي كان جنب كاريلا، مسك دراعها بقبضة قاسية، سحبها بعيد عن مدخل القصر الرئيسي الضخم.
"مش من هنا." همس الراجل وهو بيزقها بخطوات سريعة.
بدأوا يمشوا على الجنب. بعيد عن الأضواء الذهبية الخافتة بتاعة النوافذ، المكان كان بيغرق في عتمة سودة. القصر الضخم اتحوّل لكتلة حجرية مخيفة، مجرد ظل عملاق بيبلعهم جواه.
الراجل الحرامي كان ماشي قدّامها، بيتهزّ في مشيته، محاط بالراجلين التانيين. الأشباح التلاتة اللي بالبدل السودا كانوا ماشيين في توازن مرعب، وكأنهم عاملين درع بشري حواليهم
لما العتمة زادت، لدرجة إنهم مابقوش شايفين الأرض تحت رجليهم، الراجل اللي كان ماشي في المقدّمة طلع ولاعة من جيبه، وشغلها. الضوء البرتقالي الصغير بتاع الولاعة كشف ملامحه الحادة للحظة، قبل ما يرجع يمشي بيهدوء.
الضوء الخفيف ده كان بيخلّي كاريلا تشوف الأبراج الضخمة بتاعة القصر بتختفي في السما الغامقة.
كانوا ماشيين في طريق جانبي، ضيق ومليان حفر. الرطوبة اللي كانت في هوا جنيف بدأت تعمل ريحة تراب مبلول وأعشاب قديمة.
كاريلا حست بالمسدس بيلمس ضهرها بخفة مع كل خطوة. ده كان تحذير كافي عشان تفهم إن أي حركة غلط هتبقى الأخيرة. الخوف خنقها لدرجة إنها حست إنها بتتنفس من زورها بس.
ما قدرتش تسكت أكتر من كده.
استجمعت شجاعتها، وبصّت على الراجل اللي على يمينها، واللي كان ماسكها من دراعها.
"لو سمحت... إحنا رايحين فين؟" سألت كاريلا بصوت ضعيف، كأنها خايفة إن صوتها يكسر الصمت.
الراجل ما علّقش. ولا حتى بصّلها. كأنه ما سمعش حاجة، أو كأنها مش موجودة أصلًا. عينه كانت متثبتة على الضلمة قدّامه.
الصمت ده زاد رعبها. كأنها بتتعامل مع روبوتات مش بشر.
بعد ما مشيوا حوالي خمس دقايق، بعيد عن القصر لدرجة إن نوره الذهبي بقى يا دوب نقطة بعيدة، وصلوا لمكان تاني.
كانت مبنى حجري صغير ومنعزل، كأنه بيت قديم أو مخزن مهجور. جزء منه كان نازل تحت الأرض، شبه القبور القديمة، محاط بأشجار ضخمة ضمتّه تمامًا في ضلها.
المكان ده كان مخفي بعناية، كأنه مش عايز حد يشوفه أو يعرف إنه موجود.
الراجل القائد طفى الولاعة، واستعمل إيده عشان يفتح باب حديدي قديم كان متداري ورا شجرة. الباب طلع صوت صرير مزعج، وكشف عن فتحة سودة وضيقة بتنزل لتحت.
الراجل اللي كان جنب كاريلا، زقّها بعنف ناحية الفتحة.
"انزلي."
الدفع كان مفاجئ. كاريلا فقدت توازنها، وهي بتنزل في الضلمة دي، خبطت في الراجل الحرامي اللي كان بيحاول يقاوم. الاتنين وقعوا على بعض على أرضية صلبة تحت.
"آآآه!" كاريلا أطلقت تأوّه مكتوم، وهي بتحاول تقوم.
حست بلسعة نار في ركبتها الشمال. لما مدّت إيدها تحسس عليها، لقت إيديها رجعت بدم. جرحت نفسها في الوقعة.
الألم خلاها تدمع غصب عنها. نزلت دموع ساخنة على خدّها البارد.
بس بمجرد ما رفعت راسها عشان تشوف المكان اللي وقعت فيه، الدموع اتجمدت في عينيها. نفسها اتقطع.
هي ماكانتش في بدروم.
المدخل ده كان بيؤدي لـ... غرفة تحقيق/تعذيب.
المكان كان واسع، على الرغم من إنه تحت الأرض. ريحة صدا حديد وعفن خفيف ومليّان رطوبة كانت بتضرب في وشها. النور الوحيد كان جاي من لمبة عريانة متدلية من السقف، بتدي ضوء أصفر باهت بيخلّي الظلال تتحرك بشكل مخيف على الحيطان.
الأرض كانت خرسانية باهتة ومُتّسخة. في النص، كان فيه كرسي حديدي قديم متثبت في الأرض بسلاسل تقيلة، وشكله بيوحي إنه شاف حاجات كتير. على الجناب، كانت فيه أدوات غريبة متعلّقة على الحيطة، كلها من الحديد: كلبشات، خطاطيف، وأدوات شكلها مرعب، كأنها بتاعة ورشة بس مش بتاعت شغل نجارين. كان فيه حوض في زاوية، شكله بيستعملوه في غسيل حاجات كتير.
الجو كله كان بيصرخ بكلمة واحدة: "عنف."
كاريلا حست إنها ما بقتش قادرة تتنفس. كل اللي شافته في حياتها من وحشية كان في روايات وقصص. دلوقتي هي جوّا القصة.
ازاي تورطت في كل هذا؟ السؤال الوحيد اللي كان بيصرخ في عقلها.
_______
الرجالة التلاتة اللي كانوا محاوطين كاريلا والحرامي، فجأة اتحركوا. خطوا خطوتين لورا، ووقفوا في صف مستقيم، كأنهم تماثيل. المسدسات بتاعتهم كانت لسه في إيديهم، بس متجهة للأرض، في وضع استعداد.
كاريلا ما فهمتش حاجة. بصّت للراجل الحرامي اللي كان قاعد على الأرض جنبها، وشه متجمد من الرعب. هي حست إنها لازم تعرف أي حاجة، أي معلومة قبل ما نهاية اللعبة تبدأ.
"إيه ده؟" سألت كاريلا بصوت يرتعش. "احنا فين ؟ اللي بيحصل بالظبط؟ هما جابونا هنا ليه؟ مين الناس دول؟"
الراجل الحرامي، اللي كانت ملامحه بتصرخ باليأس، بصّلها نظرة أخيرة. نظرة بتقول بوضوح: "انتهى الأمر."
همس وهو نفسه متقطع
"اسكتي. اتلي أدعيتك... وخلاص."
كاريلا كانت هتتكلم تاني، هتشرح إنها طالبة، إنها بريئة، إنها بس كانت بتجري ورا محفظتها ...
في اللحظة دي بالظبط، الباب الحديدي اللي كانوا دخلوا منه انفتح بعنف شديد. صوت خبطه في الحيطة كان قوي ومفاجئ، كأنه قذيفة.
دخل راجل.
مش أي راجل.
كان لابس بالطو أسود طويل، تحتيه بدلة كلاسيك متفصّلة بدقة، وفي إيده قفازات جلد سودة. شعره مسرّح للخلف بعناية، بيبرز ملامح وشه الحادة والمحددة. كانت فيه هالة من العنف البارد حواليه. وجوده في المكان المظلم والوحشي ده كان مناسب تمامًا.
مجرد ما دخل، الرجالة التلاتة حنّوا رؤوسهم في نفس اللحظة، احترام عميق بيوحي بأنه سيدهم المطلق.
سار بخطوات واثقة وهادية، صوت جزمتة على الأرضية الخرسانية كان واضح ومتردد في الصمت.
وقف.
بسرعة فائقة، تقدم واحد من الرجال وسحب كرسي معدني من الزاوية، حطه خلفه تمامًا عشان يقعد عليه.
الراجل قعد بهدوء، حط قدم فوق التانية، وشبّك أصابعه اللي بتلمع بالقفازات السودا.
راجل تاني من الحراس وقف قدّامه وبدأ يهمس له بسرعة، صوته واطي ومفهوم
"الراجل ده، يا سيد ديمتري ، هو عامل كاميرات المراقبة اللي كنا بندوّر عليه. مسكناه وهو بيحاول يهرب والمراة دي كانت معاه"
عيون ديمتري الضيقة والمحددة اتحولت ببطء لكاريلا.
لأول مرة، ديمتري بصّلها مباشرة وكأنه انتبه على وجودها. نظرة باردة، بتحليل، مفيهاش أي تعبير. كانت نظرة بتقول إنه شايفها، بس لسه ما قررش هي إيه بالظبط في المعادلة.
كاريلا حست بالخوف بيشل حركتها. قلبها بيدق لدرجة إنها حست إن صوت ضرباته هيوصل لحد عنده. دي مش نظرة غضب، دي نظرة سيكوباتية، باردة لدرجة تخليك تحس إنك مش إنسان، مجرد شيء بيتم تقييمه قبل إزالته.
ديمتري ما فتحش بقه ولا ثانية. ميل راسه بحركة بسيطة، وكلمة واحدة خرجت بصوت عميق ومقتضب
" جيبوه "
بسرعة البرق، اندفع واحد منهم ناحية الحرامي، سحبه من هدومه، وأسقطه بعنف تحت رجل ديمتري.
ديمتري أنزل نظراته الثاقبة على الراجل اللي كان بيترعش من الخوف والوجع تحتيه.
"كنت فاكر إنك هتهرب باللي شفته؟" سأله بصوت هادي جدًا، فيه نبرة سخرية مميتة.
الراجل هزّ راسه بخوف شديد وهو بيحاول يتراجع لورا.
"لأ يا سيدي ! و... والله ما شفت حاجة! أنا ما افتكرش أي تفاصيل! "
ديمتري ميل راسه أكتر، كأنه بيفكر في حاجة مضحكة جدًا. "وهل تتوقع إني هصدقك؟"
الراجل بدأ يتوسل، صوته بيبكي.
"اه كنت ناوي أروح للشرطة... بس بعدين خوفت! خوفت منكم! و... ورجعت! ماحدش يعرف حاجة عن اللي شفته! أنا ما بلّغتش الشرطة، أقسم لك!"
ديمتري استقام في قعدته، وابتسامة خفيفة، باردة زي السكين، ظهرت على وشه.
"بس ده بيخليك خاين، صح؟" سأله ببطء. "لأنك كنت ناوي تبيعنا. وده شيء ممنوع في عالمنا."
عيون الحرامي بدأت تتسع من الفهم.
ديمتري تابع بابتسامته القاتلة
"للأسف، إنت مش محظوظ. لو كنت روحت للشرطة وبلّغت، كنا هنضطر نسيبك عشان ما نلفتش الانتباه لينا. لكن بما إن الشرطة ما تعرفش حاجة عنك، ومحدش غيرنا عارف إنك شفت... فـ لابأس، مش كده؟"
صمت مُطبق.
"إنك تختفي... من غير ما حد يعرف."
الحرامي فهم مصيره. وقف فجأة، بجنون شخص بيواجه الموت، ولفّ عشان يجري ناحية الباب.
لكن قبل ما ييبعد اكثر من خطوة واحدة...
بوم!
صوت الطلقة كان صمّ. ضوء أزرق خرج من المسدس.
ديمتري أطلق النار عليه وهو قاعد من مكانه، بكل هدوء.
جسد الحرامي الضخم سقط بعنف على الأرض الخرسانية جنب كاريلا، زي الشوال.
صرخة مكتومة خرجت منها مش مجرد صرخة خوف، صرخة رعب خالص. حطت إيديها على بوقها عشان تكتم أي صوت تاني.
الدم الأحمر الداكن بدأ ينتشر ببطء من جسد الراجل على الأرض الباهتة، بيعمل بركة صغيرة جنب رجل كاريلا وهي قاعدة.
عينيها وسعت لدرجة إنها حست إنها هتنطّ من مكانها. الدموع جفت على وشها. هي شافت جريمة قتل بدم بارد، على بعد خطوة واحدة منها.
الرجال التلاتة ما اتحركوش. ديمتري ما اتغيرتش أي ملامح من وشه.
ساد صمت مميت تاني، بس المرة دي، كان في وسط الصمت ده ريحة بارود ودم.