الفصل الثاني
لكن حياة ما ردّتش.
بصّت لكاريلا نظرة أخيرة…
نظرة كانت مليانة حاجات كتير، خوف، وجع، وقرار قديم متاخد من زمان.
نظرة ما اتفهمتش.
كاريلا اتسعت شفايفها شوية، وعينيها وسعت وهي شايفة أمها بتلف ضهرها وتمشي.
ولا كلمة.
ولا تفسير.
خطوات حياة كانت تقيلة وهي خارجة من الصالة، باب الأوضة اتقفل وراها بهدوء جارح.
كاريلا ما كانتش تعرف إن الصمت ده…
مش قسوة.
ده حماية.
حياة، رغم وجع قلبها على بنتها، ورغم إنها كانت متأكدة إن كاريلا هتشوفها دلوقتي أم ظالمة، ست بتمنع بنتها من حقها…
لكنها اختارت تسكت.
حتى لو بنتها كرهتها.
حتى لو الغضب ملأ عينيها.
الصمت كان أهون من الحقيقة.
أما كاريلا…
وقعت على الكنبة بعنف.
قعدة مليانة غضب.
صدرها بيعلى ويهبط بسرعة، إيديها بتترعش، وإحساس خانق ماسكها من جوّه.
كانت حانقة… غاضبة لدرجة بتوجع.
مسكت الصورة تاني.
بصّت للراجل اللي فيها بتركيز، كأنها بتحاول تحفظ ملامحه.
قسمت بين نفسها
“هعرف كل حاجة.”
صوت واطي، بس حاسم.
“مش هسيب الموضوع.”
الصالة كانت ساكتة.
بس جواها… العاصفة كانت بدأت.
______
اليوم اللي بعده…
كاريلا فتحت عينيها بالعافية.
راسها تقيل، جسمها مكسر، وعينيها بتلسع من قلة النوم.
كانت نايمة مكانها على الكنبة في الصالة.
استوعبت إنها متغطية.
مسكت الغطا وبصّت له شوية.
أكيد مامتها غطّتها قبل ما تطلع الشغل.
هزّت راسها يمين وشمال، نفس الحركة اللي بتعملها لما تحب تطرد إحساس جواها.
قامت فجأة.
الصندوق.
أكيد لسه فيه حاجات تانية.
امبارح ما لحقتش تقرا كل الورق.
دخلت أوضة مامتها بسرعة…
ووقفت.
الباب مقفول بالمفتاح.
اتجمدت.
استغربت.
عمرها ما شافت حياة تقفل باب الأوضة.
قربت من الباب، جربت المقبض… مقفول فعلًا.
“يعني كده؟”
الغضب طلع مرة واحدة.
رفعت رجلها وضربت الباب.
خبط.
اتوجعت جامد.
عضّت شفايفها بقوة، كتمت وجعها وغيظها مع بعض.
الدموع لمّت في عينيها، بس ما نزلتش.
وفي اللحظة دي…
الجرس رن.
اتنفست بحدة، عدّلت شعرها اللي كان ملخبط، ومسحت وشها بسرعة.
راحت تفتح.
أول ما فتحت الباب…
“يا بنتي!”
راما.
خالتها الوحيدة.
كانت واقفة قدّامها، لابسة لبس سفر، شنطة كبيرة على كتفها، وشكلها باين عليه إنها لسه راجعة حالًا من الشغل " مضيفة طيران "
دخلت من غير ما تستنى، وقبل ما كاريلا تتكلم، مدّت إيدها وقرصتها من خدها:
“ نايمة لحد دلوقتي يا قمر!”
كاريلا ما حسّتش بحاجة.
راما دخلت أكتر، بصّت حواليها، ولاحظت الهدوء…
وش كاريلا البارد.
رفعت حاجبها
“مالك؟ زعلانة علشان ما حضرتش تخرجك؟”
تنهدت
“أنا عارفة إن كان لازم أكون موجودة، بس الشغل غصب عني… وبعدين بصّي!”
وأشارت على شنطة السفر بابتسامة فخر
“جايبالك هدية تحفة، شنطة غالية وأصلي.”
كاريلا ما اتحركتش.
ولا بصّت.
رفعت عينيها عليها وقالت بنبرة ثابتة، واضحة، من غير لف
“فين بابا؟”
الصالة سكتت.
راما اتلخبطت.
ضحكت ضحكة خفيفة، مش في مكانها
“إيه السؤال ده ! هو شفتيه في المنام ولا ايه ؟"
وقبل ما تكمل، كاريلا قاطعتها فورًا
“بلاهة.”
صوتها كان حاد.
“كفاية كده. قوليلي… فين بابا؟”
راما سكتت.
وشها اتغير، نظرتها هربت.
وفي اللحظة دي، كاريلا فهمت.
“إنتِ عارفة حاجة.”
قربت خطوة
“ماما مش راضية تتكلم…
قالتلي لو عايزة أعرف، أسألِك.”
كذبة طلعت بسهولة.
لكنها كانت محتاجة.
“أنا مش طالبة حاجة كبيرة…
بس عايزة أعرف. وفي كل الاحوال انا هعرف حتى لو ماقلتيش ليا انتي وماما ...هروح أسال وادور لحد ما اعرف ”
راما ابتلعت ريقها، باين عليها الارتباك.
وقفت شوية، الكعب اللي في رجلها واضح إنه مضايقها، نقلت وزنها من رجل للتانية.
كاريلا كانت مستنية.
تقولها فين القبر.
بس تزوره.
تعرف.
راما فجأة طلعت الموبايل من شنطتها.
كاريلا رفعت حاجبها
“إنتِ بتعملي إيه؟”
راما ما ردّتش.
فتحت صورة… وقرّبت الموبايل من وش كاريلا.
“بصي.”
الصورة كانت لرجل راكب عربية سودا فخمة.
اتنين حراس واقفين جنبه.
كاميرات وصحفيين حواليه.
شخصية معروفة.
مش عادي.
كاريلا وشها شحب.
عرفته.
الاسم ضرب في دماغها زي الرصاصة.
فؤاد الغريري.
أبوها…
كان حي.
________
حياة اضطرت تقفل المطعم بدري.
قفلته مع العصر، من غير ما تفهم تفاصيل، بس صوت راما في التليفون كان كفاية يخلي قلبها يقع.
“تعالي بسرعة… كاريلا عرفت.”
الجملة فضلت ترن في ودانها طول الطريق.
دخلت الشقة وهي بتنهج، المفتاح اتلغبط في إيديها من التوتر.
أول ما دخلت، شافت المشهد.
راما واقفة قدّام أوضة كاريلا…
الباب مقفول.
ووش راما شاحب، متوتر، كأنها عملت مصيبة ومش عارفة تهرب منها.
حياة بصّت لها بصدمة:
“إنتِ عملتي إيه؟”
راما قربت خطوة، حاولت تتكلم:
“أنا… أنا ما كنتش قاصدة—”
“إزاي تفتحي بقك؟!”
حياة صوتها علي فجأة.
“إنتِ عارفة خطورة اللي عملتيه؟ عارفة ليه خبّيت عليها؟!”
راما حاولت تبرر، صوتها مهزوز:
“هي اللي قالتلي إنها هتدور عليه…
خفت تعرف من حد غريب، خفت تقع في مصيبة أكبر… فقلت—”
“كاريلا ما كانش ممكن توصل لحاجة!”
حياة قاطعتها بعصبية.
“أنا كنت مأمنة ده كويس!”
راما بصّت بعيد.
كانت فاهمة… وفاهمة حجم الكارثة.
حياة سكتت لحظة، وبعدين استدارت ناحية باب أوضة بنتها.
رفعت إيدها وخبطت.
“كاريلا… افتحي.”
ولا رد.
“كاريلا، اسمعيني… خلينا نتكلم بالعقل.”
الصمت.
حياة بصّت لراما بضيق، وعضّت شفايفها.
يمكن الغلط مش على راما لوحدها…
يمكن هي اللي ما خبّتش كويس.
وفجأة…
الباب اتفتح.
كاريلا خرجت.
كانت متغيّرة.
لابسة فستان ميدي أبيض مائل للكريمي، بنقشات زهور صغيرة، رقيق وناعم، بتفصيلة كشكشة خفيفة بتتحرك مع كل خطوة.
فوقه كارديغان قصير وردي فاتح، ناعم، مفتوح من قدّام.
في رجلها كوتشي أبيض بسيط، وجوارب بيضا طالعة شوية.
شعرها مسرّح، مفرود بهدوء.
مش بنت مكسورة.
بنت مقررة.
حياة جريت عليها فورًا، مسكت كتافها بإيديها:
“استني… اسمعيني بس.
أنا هشرح لك كل حاجة.
هقولك ليه خبّيت… ليه سكت.”
“بس اسمعيني.”
كاريلا ما ردّتش.
كانت ساكتة زيادة عن اللزوم.
راما فجأة شهقت، ورفعت إيدها وهي بتبص لتحت:
“حياة…”
حياة بصّت.
وشافت.
شنطة سفر.
إيد كاريلا كانت ماسكاها بإحكام.
حياة رجعت خطوتين لورا، قلبها دق بعنف:
“إنتِ رايحة فين؟”
كاريلا رفعت عينيها.
بصّت لأمها في عينيها مباشرة، وقالت بهدوء مخيف:
“رايحة أشوف أبويا.
وأعرفه.”
“لا.”
حياة ردّت فورًا، وبصّت لراما تطلب دعم.
“مستحيل.”
لكن كاريلا بدأت تسحب الشنطة لبرا الأوضة.
قرارها واضح… مفيش رجوع.
“مش هسمحلك تروحي.”
حياة صوتها علي.
“إنتِ ما تعرفيش حاجة عن الراجل ده.
ولا عن عالمه.
ولا عن الناس اللي حواليه.”
كاريلا وقفت، وبصّت لها
“علشان كده رايحة.
علشان أعرف.”
قربت خطوة
“أعرف الراجل اللي كدبتي عشانه عليّ سنين.
اللي عشت وأنا فاكرة إنه ميت.
وأنا ماليش أب.”
صوتها اتكسر
“حتى منحتى راحت… علشان كل ده.”
حياة رفعت حاجبها بعدم فهم
“منحة إيه؟”
“ما دخلتش جامعة أحلامي.”
كاريلا قالت بمرارة.
“علشان ما عنديش فلوس ولا واسطة.”
سكتت ثانية، وبعدين كملت
“بس دلوقتي الوضع مختلف.فؤاد الغريري باين عليه راجل مقتدر.”
بصّت لها بثبات
“وحتى لو طلع غير كده… يكفيني يكون واقف جنبي”
حياة بصّت لراما بعصبية.
واضح إن المعلومات كانت أكتر من اللازم.
رجعت تبص لبنتها، وصوتها هدي، صوت أم
“هو مش هيقف جنبك زي اي اب ثاني .مش زي ما إنتِ فاكرة.مش راجل عادي.”
كاريلا استنكرت
“أمال إيه؟راجل غني، ناجح، معروف.”
وسألت بحدة
“ولو وحش…ليه اتجوزتيه أصلًا؟”
حياة حاولت تلمّ نفسها
“لو علشان الجامعة… أنا هتصرف. هشتغل أكتر. هجمع فلوس. “إنتِ مش محتاجة منحة.”
كاريلا بصّت لها نظرة جارحة
“مش ده اللي عايزاه.”
قربت خطوة، وصوتها واطي
“أنا عايزة أب. مش فلوس بس”
شدّت الشنطة
“عايزة أحس إن ليا حد.”
حياة اللي شافت العناد في عينين بنتها سألتها بغصة
" هو انا ماكنتش كافية ليكي ؟ ماكنتش الحد اللي تقدري تسندي عليه ؟"
اسئلة امها وجعتها ، وخلتها تدمع ، هزت راسها يمين وشمال وبعدين قالت وهي تاخد نفس
" مش ده قصدي ...لكن انا عايزة بابا ..."
" عايزة بابا " الجملة اللي كانت حياة خايفة تسمعها طول السنين دي من بنتها ...دلوقتي بقت تسمعها ...هي فكرت انها لو اشتغلت وحبت بنتها اوي ...هي ممكن تنسيها أنه ماعندهاش اب ...لكن واضح إنه اي قوة واي حب مش هيقدر ينسي الانسان ابوه
حياة لم تكن لتسمح بمرور هذا القرار بسهولة. بمجرد أن سحبت كاريلا حقيبة السفر نحو الباب، تحركت حياة بسرعة.
“مش هتروحي في حتة.”
كانت نبرتها خليطًا من الأمر والتوسل. اندفعت حياة نحو كاريلا وسحبتها من ذراعها بقوة، ذراع كاريلا نحيلة، لكن قبضة الأم كانت حديدية، مليئة بالخوف.
“ ماما… سيبيني انا بقيت كبيرة دلوقتي !” كاريلا حاولت التملص، لكن حياة شدّتها بقوة.
“كبيرة ايه ؟! عالم الغرّيري مش لعب يا كاريلا! ده مكان ما فيهوش رحمة. هيقتلوكي قبل ما توصلي له. هتضيعي!”
حياة صرخت، ودموعها بدأت تلمع في عينيها.
راما وقفت مكانها، متجمدة، لا تعرف كيف تتدخل في هذا الصراع الجسدي بين الأم وابنتها.
كاريلا كانت تشد جسدها عكس الأم، ذراعها تؤلمها تحت قبضة حياة، لكنها لم تستطع التراجع. غضب السنين، وغضب ظلم المنحة، وحنين الأبوة المفقود، كل هذا كان يدفعها للأمام.
رفعت كاريلا رأسها، بصّت لأمها في عينيها مباشرة. وجه حياة كان ممزقًا بين الخوف والوجع.
“ هيقتلوني ليه ؟! هي سايبة كده ؟! انا بنته سيبيني!” كاريلا صرخت هذه المرة، وبذلت كل قوتها لتهز ذراعها.
“أنا تعبت من الكدب! تعبت من إني أعيش حياتي ناقصة، تعبت من إني أقول إن أبويا مات وهو حي. مش هترجعي تقتليه تاني عشاني!”
الكلمة الأخيرة كانت بمثابة رصاصة. حياة ارتخت قبضتها فجأة، سحبت يدها كأنها لُدغت.
كاريلا تحررت، سحبت حقيبتها الصغيرة، واندفعت للباب، فتحته على مصراعيه، وكان ضوء العصر الذهبي يملأ السلم.
نظرة أخيرة ألقت بها كاريلا على مامتها دموع ساخنة انزلقت على خدها بكت على أمها اللي بتسيبها وعلى نفسها اللي رايحة نحو المجهول.
في هديك اللحظة، رغبة قوية سحبتها للعودة إلى دفء البيت، إلى حضن الأم الذي لم يخذلها يومًا. لكن في ذات الوقت، صورة الرجل في السيارة الفخمة، وكلمة "أب"، كانت تصرخ داخلها بقوة أكبر.
الدموع كانت لـ حياة، والخطوات كانت لـ فؤاد.
سحبت كاريلا نفسها إلى الخارج، خطوة خطوة على الدرج، مابصتش وراها تاني سايبة الباب شبه مفتوح .
بمجرد أن اختفت كاريلا خلف الباب، انهار جسد حياة على الأرض. وقعت على ركبتيها، وكأنها وقعت من ارتفاع شاهق، وبدأت شهقاتها المكتومة تتحول إلى صراخ موجوع.
راما ركضت إليها فورًا، احتضنتها بقوة وهي تبكي معها.
“خلاص يا حياة… خلاص. هنعمل إيه؟” راما همست وهي تمسح على ظهر أختها.
حياة رفعت رأسها نحو راما، عينيها ملأهما الذعر.
“هيعرف!” حياة صرخت بصوت متهدج. “لو وصلت له، الكل هيعرف! ماركوس وديمتري هيعرفوا إنها كانت موجودة طول الوقت، إننا خدعناه. هيعتبروا ده خيانة، وهما مابيرحموش! هتضيع، راما… بنتي هتضيع.”
“هي عايزة أب! إزاي أقول لها إن أبوها ده شيطان؟ إزاي أقول لها إن الغرّيري ما بيخلّوش حد يهرب منهم؟” حياة سعلت وهي تبكي بقوة.
راما مسحت دموعها وحاولت أن تستجمع قواها.
“اسمعيني. دلوقتي لازم نعمل حاجة.”
حياة هزّت رأسها بلا جدوى.
“مفيش حاجة تتعمل. هما هيلاقوها. فؤاد لو عرف، هيعمل اللي عايزاه، بس هيسحبها في العتمة معاه. ولو مراته عرفت الأول… يا ربي ”
كاريلا كانت تهبط السلالم ببطء، حقيبتها الكبيرة تشدها. دمعة أخيرة مسحتها بظهر يدها، وشدّت على نفسها.
هي مش عارفة حاجة . مش عارفة معنى امها...
مش فاهمة ...يقتلها ؟ ليه ؟ ماهي بنته ؟
ماركوس؟ ديمتري؟ أسماء لم يسبق لها ان سمعت عنها شيئا .مجرد أسماء في عالم غامض، رجال أعمال أغنياء يمتلكون فنادق وسلطة.
بالنسبة لكاريلا، فؤاد الغريري كان مجرد حل. الحل لحلمها الضائع، الحل لظلم والد ليز، والأهم، الحل لمشكلة نقصها العاطفي.
مش فاهمة أنه العالم الذي عايزة تدخل ليه هو صمت الأسرار، وقبضة العائلة، وغضب الأبناء الستة، اللي مش هيرحبوا بـ "الأخت المفقودة" التي تهدد إرثهم وسلطتهم.
لكنها الآن في الشارع، والوحدة هي أول شيء حست بيه.
هي لازم تلاقي ابوها...
و الرحلة كانت ...
العاصمة ...
جنيف ...