ابنة المافيا ( الغريبة السادسة ) - الفصل الاول - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: ابنة المافيا ( الغريبة السادسة )
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الاول

الفصل الاول

ساحة المدرسة الثانوية كانت مليانة أصوات وضحك وكاميرات، فساتين تخرج بتلمع تحت الشمس، وأهالي واقفين في الصفوف الخلفية، عيونهم بتدور على ولادهم وسط الزحمة. كاريلا كانت واقفة في صفها، لابسة فستان التخرج المايل للبنفسجي، الفستان كان على جسمها بالظبط… قصيرة القامة، نحيلة، وكأن الهوا ممكن يزقها خطوة. شعرها البني نازل بهدوء على كتافها، وملامحها ناعمة، مش جميلة بشكل يلفت، لكن فيها حاجة مريحة، حاجة تخليك تبص تاني. كانت ماسكة إيدها في بعض، بتحاول تثبت نفسها، قلبها بيدق أسرع من الطبيعي. لما نادوا اسمها، سمعت صوت المدير واضح في الميكروفون: “الأولى على الدفعة…” لحظة صمت بسيطة، وبعدين تصفيق عالي. مشيت بخطوات مترددة في الأول، وبعدين ثابتة أكتر، طالعة على المسرح. المدير ابتسم لها، مدّ إيده بالشهادة، وهي أخدتها بإيدين الاتنين، راسها مرفوعة، بس عينيها بتلمع. قبل ما تنزل، بصّت تلقائي على الجمهور. شافت أمها. واقفة في الصف التاني، لابسة بدلة كلاسيك، تنورة سوداء وجاكيت غامق، شعرها القصير متصفف بعناية. كانت بتصفق بكل قوتها، بابتسامة واسعة، فخر صافي من غير تصنّع. عيونها كانت بتقول كل اللي لسانها ما قالوش طول السنين. كاريلا ابتسمت غصب عنها… ابتسامة صغيرة، بس صادقة. رجعت مكانها، حضنت الشهادة على صدرها كأنها حاجة ممكن تضيع لو سيبتها. وبعد شوية، المدير طلب من الكل يستعد للحظة الأخيرة. “واحد… اتنين… تلاتة!” وفي نفس اللحظة، القبعات طارت في الهوا. الساحة كلها انفجرت ضحك وصريخ. قبعات سوداء بتلف، أصوات عالية، كاميرات بتصور، وأحلام بتطلع مع القبعات لفوق. كاريلا رفعت راسها وبصّت للسماء، شافت قبعتها وهي بتلف قبل ما تقع بعيد شوية. ضحكت… ضحكة خفيفة، زيها بالظبط. في اللحظة دي، كانت حاسة إنها عملت اللي عليها. إنها وصلت. إنها كسبت. ________ كانت لابسة بنطلون جينز أزرق، وبلوزة وردي فاتح، بسيطة… زيها دايمًا. شعرها مرفوع في كعكة سريعة، خصلات صغيرة سايبة حوالين وشها. واقفـة قدّام مكتب المدير، قاعده على الكرسي اللي قدامه، ووشها متجمد. كانت بصاله وهو بيتكلم، بس مش سامعة كل الكلام… كأن ودانها اتقفلت. “الجامعة قررت عدم منح منح السنة دي.” الجملة نزلت عليها تقيلة. تقيلة قوي. رمشت كذا مرة، وكأنها بتحاول تفهم، الدموع لمّت في عينيها بس ما نزلتش. صوتها طلع واطي ومكسور “إزاي…؟ حضرتك متأكد؟ أنا… أنا الأولى على الدفعة.” المدير عدّل نضارته، صوته رسمي زيادة عن اللزوم “دي قرارات إدارية، مالهاش علاقة بالترتيب.” سكتت ثانية، وبعدين قامت من الكرسي نص وقفة، قربت شوية من المكتب “طب حضرتك ممكن تكلمهم؟ تشوف أي حل؟ حضرتك عارف وضعي… وعارف إن الجامعة دي مصاريفها عالية، وأنا اشتغلت وتعبت طول السنين دي كلها علشان أوصل لليوم ده.” صوتها كان بيرتعش، عينيها معلقة عليه كأنها ماسكة في آخر خيط. المدير اتنهد، كان واضح عليه شوية أسف “أنا مقدّر تعبك، والله. وإنتِ تستاهلي كل خير… بس إيدي قصيرة. القرار طالع ومفيش حاجة أقدر أعملها.” الجملة الأخيرة كانت نهاية الكلام. كاريلا هزّت راسها ببطء، لمّت نفسها بالعافية “تمام… شكرًا لحضرتك.” خرجت من المكتب وهي حاسة إن الأرض مش ثابتة تحت رجليها. وأول ما فتحت الباب، كانت على وشك تخبط في حد. ليز كانت واقفة قدام المكتب، رافعة حاجبها بنظرة مستغربة مصطنعة “خير؟ هو إنتِ كمان كان عندك ميعاد مع المدير؟” علاقتهم عمرها ما كانت قريبة، بس كاريلا عمرها ما اعتبرتها عدوة. على الأقل… لحد اللحظة دي. شدّت نفسها، حاولت تبان طبيعية “ ايوه… شوية امور.” ليز اكتفت بهزّة راس خفيفة، وبصّت وراها. والدها ووالدتها كانوا قاعدين على الكراسي في الرواق، لابسين لبس رسمي وأنيق، حضورهم تقيل. قالت وهي بتبتسم ونظرتها فيها الف معنى “أنا اخترت جامعة ***.” القلب وقع. دي نفس الجامعة… نفس الحلم. وبعدين كملت، وهي بتبص على أهلها “كنت عايزة أجرب جامعة تانية أو أسافر، بس ماما وبابا شايفين إن دي الأفضل.” وبصّت لكاريلا تاني “وإنتِ؟ قررتي؟” كاريلا بلعت ريقها، حسّت غصّة طالعة من صدرها “لسه… ما قررتش.” استأذنت ومشيت، عدّت من قدّام أهل ليز ، هزّت راسها باحترام. ليز دخلت مكتب المدير بابتسامة رضا… كاريلا بعدت خطوتين، وبعدين وقفت فجأة. ليه؟ ليه هي الأولى ومش قادرة؟ ليه حلمها يتاخد كده؟ هو يعني مافيش حل ؟ ولو حاجة ...طب هي استسلمت كده بسرعة ليه ؟ لفّت بسرعة ورايحة ناحية المكتب، جري خفيف، قلبها بيدق بجنون. كانت على وشك تدخل، بس الباب كان موارب. والصوت وصلها واضح. المدير “الحقيقة أنا اتفاجئت… الجامعة دايمًا بتقدّم منح.” وصوت راجل هادي بس واثق “إحنا عندنا معارف في إدارة الجامعة. طلبت منهم يوقفوا المنح السنة دي.” سكت ثانية، وبعدين بص لبنته “في الآخر، لازم بنتي تبقى في صورة كويسة… درجاتها محتاجة ده.” كاريلا اتسمّرت مكانها. وشها شحب، عينيها وسعت، نفسها اتقطع. كل حاجة فهمتها في ثانية. الظلم كان واقف قدامها، بيتكلم، وبيبتسم. سمعت حركة جوه، كراسي بتتزحزح. فوقت. اتحركت بسرعة، رجعت خطوة ورا التانية، لحد ما وصلت لرواق فاضي. وقفت لحظة، وبعدين جسمها خانها. انحنت، قعدت قرفصاء، دفنت وشها بين إيديها. الشهقات طلعت غصب عنها، صوتها علي، مكبوت، موجوع. كانت بتعيط على حلم، على تعب سنين، على عالم مش عادل ... عالم يمشي بس مع اللي معه فلوس ...ومعه اب ... _______ البيت كان هادي زيادة عن اللزوم. أول ما فتحت الباب، فهمت إن أمها لسه في الشغل، أكيد في المطعم، واقفة طول اليوم قدّام النار والطلبات. قفلت الباب وراها بهدوء، خلعِت الجزمة، وما وقفتش تفكر. دخلت أوضتها، غيرت هدومها بسرعة، رمت البنطلون والبلوزة على الكرسي، ولبست تيشيرت واسع وبنطلون بيت. الأوضة كانت صغيرة، بس مرتبة، فيها كل حاجة على قدّها. بدأت تمشي فيها رايح جاي… خطوة قدّام، خطوة ورا. هي عارفة نفسها، أول ما تقعد… هتعيط. عيونها كانت لسه حمرا، مورّمة شوية، وخطوط رفيعة باينة على خدودها، التجاعيد اللي دايمًا بتظهر لما تعيط جامد، كأنها بتعاقب وشها وهي بتبكي. وقفت قدّام المراية ثانية، بصّت لنفسها، لفّت وشها بسرعة. مش دلوقتي. طلعت من الأوضة تدور على أي حاجة تعملها. أي حاجة. الشقة كانت نضيفة ومرتبة، مفيش حاجة محتاجة تتعمل، بس هي قررت تشتغل وخلاص. اختلقت شغل. بدأت تزيّح الكراسي، تمسح التراب، تنظف الترابيزة، تمسك الفوطة وتلف بيها في كل حتة، حتى الأماكن اللي نضيفة أصلًا. كل مرة إيديها تشتغل، عقلها يرجع للمكتب… لصوت الراجل وهو بيقول بكل بساطة إنه وقف المنح. علشان بنته تبقى في صورة أحسن. كانت تحس الدموع بتطلع لعينيها، تهز راسها يمين وشمال بعنف، كأنها بتطرد الفكرة، وتشد على نفسها وتكمّل شغل. لا… مش دلوقتي. هي مش قادرة تقول لأمها. مش قادرة تقولها إن المنحة اتسحبت… ولا إن حلم الجامعة راح بسبب واسطة. ولا إنها لازم تختار جامعة تانية. مجرد الفكرة كانت بتخنقها. وقفت فجأة، ماسكة الفوطة في إيديها، صدرها بيعلى ويهبط. ولو كان عندها أب… الفكرة دخلت فجأة، تقيلة. لو كان موجود، كان دلوقتي اتحرك. كان راح للجامعة. كان دخل على المدير. كان يمكن راح لاب ريناد نفسه. كان هيزعق. كان هيصرخ. كان هيقوله: “إزاي تتجرأ تعمل كده في بنتي؟” ابتسامة خفيفة، موجوعة، ظهرت على وشها وهي سرحانة في الخيال ده. خيال دافي… ومش حقيقي. لكن منين؟ أبوها مات يوم ما اتولدت. ده اللي تعرفه. ولا عمرها شافت له صورة. ولا عرفت شكله. ولا حتى نبرة صوته. رجعت للفوطة تاني، شدت عليها أكتر، ومسحت الترابيزة بقوة، كأنها بتحاول تمسح إحساس مش هيعرف يمشي. من غير ما تعرف… كانت الحقيقة مستنية جوه البيت. _____ على واحد من الرفوف كانت أوراق المطعم متكوّمة، فواتير وحسابات وملاحظات بخط إيد مامتها. كاريلا بصّت لهم شوية وقالت في سرها إنهم كده ممكن يضيعوا. “أحسن أحطهم في أوضة ماما.” لمّت الورق بسرعة، ودخلت أوضة أمها على عجل. كانت هتحطهم على الترابيزة اللي جنب السرير، لكن رجلها خبطت في حاجة صلبة طالعة شوية من تحت السرير. تك. اتوجعت. طلعت منها آه واطية، وحطت الورق على الترابيزة، ونزلت على ركبتها تبص. صندوق خشب. واقف نصه تحت السرير ونصه برّه. صندوق قديم… هي عمرها ما شافته قبل كده. مدّت إيدها ترجّعه تحت السرير وخلاص، بس وقفت. إيدها فضلت معلّقة في الهوا. قلبها قال لها لا. سحبته شوية، قربته ليها، ورفعت القفل بتاعه. الصندوق اتفتح بصوت خفيف. كان مليان ورق. ظروف كتير، ملفات قديمة، أوراق متصفرة من الزمن. لكن فوق كل ده… في حاجة واحدة شدّت عينها فورًا. صورة. مسكتها بإيدين بترتعش شوية. الصورة كانت قديمة، باين إنها متاخدة من سنين، فيها اتنين واقفين جنب بعض، ماسكين إيد بعض. الحب كان واضح في عيونهم من غير ما يتقال. عرفت الست في الصورة على طول. دي ماما. حياة. حتى تعب السنين ما قدرش يغيّر ضحكتها… نفس الضحكة اللي عينيها فيها بتغمض، نفس الضحكة اللي عندها هي. بس الراجل اللي جنبها… كاريلا وقفت عنده. ما تعرفوش. عمرها ما شافته. كان طويل، لابس بدلة قديمة، ستايل سنين فاتت، ووسيم… وسيم بشكل هادي. قلبها دق دقة قوية. فكرة خطيرة عدّت في دماغها. معقول…؟ يمكن ده…؟ ما لحقتش تكمل الفكرة. سابت الصورة ثانية، وبصّت على الورق اللي في الصندوق. شهادات. شهادة ميلاد. شهادة زواج. إقامة. أوراق باسم مامتها… وأوراق باسم راجل تاني. فؤاد الغريري. شهقت بخفة. لقبها. اسمها كامل مكتوب قدّامها: كاريلا الغريري. قعدت على الأرض، رجليها خانتها. الورق مبعثر قدّامها، الصندوق مفتوح، الصورة في إيديها. عقلها واقف. قلبها بيخبط. مش فاهمة حاجة. سؤال واحد بس كان بيلف في دماغها، بيصرخ من غير صوت: لو كل دي شهادات… يبقى شهادة وفاة أبوها فين؟ _______ المفتاح لفّ في كالون الباب بصوت مألوف. حياة دخلت وهي باين عليها التعب، كتافها مهدودة شوية من يوم طويل في المطعم. قفلت الباب، خلعت الجزمة ذات الكعب الواطي، علّقت الجاكيت على الشماعة، وحطت الشنطة جنبها. وبصوت تلقائي نادت “كاريلا؟” الساعة كانت داخلة على تمانية. طبعًا بنتها في البيت. ما جاش رد. اتقدمت بخطوات هادية لجوه، وهي حاسة إن في حاجة مش مظبوطة. الصالة كانت ساكتة… زيادة عن اللزوم. لمحتها على الكنبة. كاريلا كانت قاعدة معتدلة زيادة عن الطبيعي، ضهرها مستقيم، إيديها محطوطين على رجلها. وشها هادي… هدوء مقلق، هدوء اللي قبل العاصفة. حياة حسّت بقلبها يدق، بس حاولت ما تبينش. قالت وهي بتقرب بابتسامة ام متعجبة “إنتِ قاعدة كده ليه؟” بصّت على التلفزيون… كان مطفي. الغرابة زادت. وقفت قدّامها مباشرة. في اللحظة دي، كاريلا رفعت وشها. عينيها حمرا، بس جواهم غضب واضح، وجدية عمرها ما شافتها في بنتها قبل كده. كانت ضاغطة على حاجة بإيدها. صورة. حياة أول ما شافتها… وشها اتغير. الابتسامة الحائرة اللي كانت على شفايفها اختفت فجأة، وكأن حد مسحها بإيده. نبرة صوتها بقت هادية زيادة عن اللزوم “رجّعي الصورة مكانها، يا كاريلا.” مدّت إيدها تاخدها، بس كاريلا ما تحركتش. حياة سحبت إيدها، واستدارت نص لفة وهي بتقول، كأنها بتقفل الموضوع قبل ما يبدأ “أنا هدخل أجهز العشا.” كاريلا قامت واقفة مرة واحدة. “لا.” صوتها كان عالي شوية، مفاجئ. “استني.” حياة وقفت، بس ما بصّتش لها. كاريلا قربت خطوة “ليه الصورة دي موجودة؟ وليه عمري ما شفتها؟” سكتت ثانية، وصوتها واطي بس حاد “خصوصًا إني من وأنا صغيرة نفسي أعرف شكل أبويا.” حياة التفتت لها أخيرًا. نظرتها كانت جامدة “مفيش خير في إنك تشوفيه.” الكلام نزل على كاريلا تقيل. “يعني إيه مفيش خير؟” سألت باستنكار. “ده أبويا!” بدأت الأسئلة تخرج واحدة ورا التانية “هو مات إمتى؟ فين؟ إزاي؟” قربت أكتر، صوتها بيعلى “إنتِ عندك شهادة وفاة؟ ولا حتى نسخة منها؟” سكتت لحظة، وبعدين قالت بنبرة مكسورة “أنا مش عارفة عنه أي حاجة… ولا حتى قبره فين.” الأسئلة كانت كتير. والفضول واضح. والحق… حقها. حياة كانت واقفة قدّامها، باين عليها إنها مش عايزة تفتح الباب ده. الباب اللي مقفول من سنين. ما كانتش فاهمة ليه بنتها افتكرته دلوقتي… موضوع عمره ما كان بيتفتح. قالت للمرة التانية، بنبرة فيها توسل خفي “رجّعي الصورة مكانها، يا كاريلا.” لكن كاريلا هزّت راسها لا. “لا. مش المرادي.” كانت عينيها ثابتة عليها “أنا عايزة أعرف.” وبإصرار “أبويا اتدفن فين؟ومات إمتى؟ ومات إزاي؟” نفسها كان عالي، وصوتها بيرتعش بس ثابت “ليه عمرك ما قلتيلي أي حاجة؟” الصالة سكتت. والحقيقة كانت خلاص… على وشك تطلع.