الفصل الاول
💀 الفصل الأول: ظل المطر وخيوط الحياة
🕰️ أزمنة متداخلة
كانت الساعة تشير إلى منتصف الليل بالضبط عندما توقف المطر فجأة. لم يكن توقفًا هادئًا، بل كأن شخصًا ما سحب سدادة ضخمة من السماء، فانقطعت خيوط الماء بغتةً ليحل محلها صمتٌ ثقيل يمتص أي صوت قد يصدر.
جلست روما على حافة السور الحجري لجسر "هوانغجي تشون" في سول، غير مكترثة ببرودة الهواء أو قطرات المطر المتبقية التي بللت معطفها الداكن. كانت ترتدي سترة جلدية قصيرة وشعرها الأسود القصير والمستقيم مبلل قليلاً، يبرز حدة عينيها العسليتين، اللتين كانتا تبدوان أقدم بكثير من ملامح وجهها الشابة الهادئة.
لم تكن روما مجرد شابة عادية؛ كانت حاصدة أرواح (أو جريم ريبر كما يطلق عليها في الترانيم القديمة، أو جيوسا كما يفضل تسميتها الشيوخ الكوريون) عاشت لأكثر من تسعة قرون. شاهدت صعود وسقوط الممالك، وتغير الأبجدية، وتحول المدن الحجرية إلى غابات خرسانية ونيونية. وخلال كل تلك الأزمان، لم يتغير دورها: تتبع الخيوط.
في العالم غير المرئي للناس العاديين، كانت روما ترى خيوطاً متوهجة مرتبطة بكل كائن حي. خيوط فضية عندما تكون الحياة في أوجها، تتحول إلى خيوط باهتة وشبه شفافة عندما يقترب الأجل، وفي اللحظة الأخيرة، يصبح الخيط أسود داكناً متصلاً مباشرةً بـ "البوابة" التي تحملها روما دائماً في جيب معطفها - على هيئة قطعة من حجر اليشم المنقوش.
هذه الليلة، كان لديها خيط واحد لتقطعه.
💔 الخيط الأسود
شخص عادي قد يرى جسر هوانغجي تشون هادئاً، لكن روما كانت ترى ساحة انتظار مزدحمة. كان الخيط الأسود يمتد من مكان على الجانب الآخر من النهر، خيط سميك ومحتضر يرتعش في الهواء كوتر مقطوع.
وقفت روما بهدوء، يديها في جيوبها، تشعر بثقل الأداة التي تستخدمها لقطع الخيوط: مقص معدني بسيط، قد يبدو قديماً ومصدأً لأي شخص آخر، لكنه كان مشحوذًا بوجود الآلاف من النهايات المبتورة.
> "لا تتعلقي بالخيط، روما. مجرد مهمة. مجرد انتقال،" همست لنفسها بصوت عميق وهادئ، صوت خفتته قرون من عدم استخدام الحبال الصوتية إلا للضرورة القصوى.
>
مشَت روما عبر الجسر، خطوة تلو الأخرى، متجاهلة همسات الأرواح المعلقة التي لم تجد طريقها بعد. وصلت إلى الطرف الآخر حيث كانت سيارة أجرة سوداء متوقفة على جانب الطريق، محطمة جزئياً من الأمام.
داخل السيارة، كان يجلس رجل في منتصف العمر، يرتدي بدلة عمل، رأسه مائل على النافذة. كان كيم تايجون، رجل أعمال ناجح ولكن تعيس، وخيطه كان ينزف سواداً. لقد انتهى أمره.
فتحت روما باب الراكب الخلفي بهدوء وتسللت للجلوس بجانب الرجل الميت، غير مهتمة بالدماء الجافة أو رائحة احتراق الوقود.
> "أهلاً بك، سيد كيم،" قالت بصوتها الهادئ. "لم يكن من المفترض أن تكون هذه نهايتك. كان لديك شهران آخران، لكنك كنت متعجلاً."
>
الروح الشفافة لكيم تايجون، التي كانت لا تزال في حالة صدمة وتحدق في يديها المهتزتين، التفتت إليها.
"من أنتِ؟" سألها كيم بخوف، متفاجئًا بأن أحدهم يراه. "هل أنتِ ملاك؟"
ابتسمت روما ابتسامة خفيفة، لم تصل إلى عينيها العسليتين. "أنا لست ملاكاً، سيد كيم. أنا مجرد ساعية بريد، أو ربما ساعية قطع. اسمي روما. جئت لأخذك إلى حيث يجب أن تكون."
مدت روما يدها بهدوء، وشعرت بالخيط الأسود ينسحب من صدر كيم الروحي. سحبت مقصها المصدأ برفق من جيبها.
"هل هناك أي شيء أخير تود أن تقوله قبل الرحلة؟" سألت روما بمهنية باردة.
تنهد كيم تايجون الروحي تنهيدة حزن عميق. "أخبروا ابنتي، سوهيون... أخبروها أنني آسف. لقد عملت بجد حتى لا ينقصها شيء، ونسيت أن أمنحها الوجود."
أغلقت روما مقصها حول الخيط الأسود. "هذا النوع من الرسائل لا يمكن نقله. ولكنني سأسمعه."
كليك.
انقطع الخيط. شعر كيم تايجون ببرودة مفاجئة، وبدأت روحه تتجه نحو البوابة الحجرية في يد روما، كأنها مغناطيس.
"إلى اللقاء، سيد كيم تايجون."
✨ خيط جديد غير متوقع
عندما ابتلعت البوابة روح كيم تايجون وأغلقت روما حجر اليشم بعناية، كانت على وشك المغادرة. ثم حدث شيء لم يكن في الحسابات.
بجانب روما، كان هناك خيط آخر.
لم يكن خيطاً أسود. كان خيطاً بلون الأحمر الدموي، لامعاً بشكل صارخ، وملتفاً حول مقود السيارة المحطمة. لم يكن ينتمي إلى كيم تايجون ولا إلى أي شخص في الشارع. كان خيطاً نشطاً، خيطاً غير مرئي على الإطلاق لحاصدي الأرواح، خيطاً يمثل شيئاً لا يجب أن يكون موجوداً في هذا العالم.
نظرت روما إلى الخيط الأحمر الغامض، ثم إلى عينيها العسليتين المنعكستين في زجاج السيارة المكسور. بعد تسعة قرون، لم يتبق شيء ليفاجئها.
ولكن هذا الخيط... هذا الخيط جعَل نبضها، أو ما يشبه النبض لديها، يتسارع لأول مرة منذ سقوط مملكة شيللا.
مدت روما يدها ببطء نحو الخيط الأحمر، تردد غريب يمر في جسدها الأثيري. أين ينتهي هذا الخيط؟
نظرت إلى نهاية الخيط الممتد في الأفق، حيث كان يختفي بين الأضواء النيونية لمنطقة جانجنام الصاخبة.
أدركت روما: هذا ليس خيط حياة. هذا خيط مصير، مرتبط بشيء عظيم وقادم، وخطير.
وقفت روما، تاركة وراءها سيارة الأجرة المحطمة. أغلقت عينيها، وفتحت بوابتها من اليشم مرة أخرى، ولكن هذه المرة لاستدعاء شيء آخر غير الروح: عصا خشبية سوداء بسيطة، كانت سلاحها ورفيقتها عبر العصور.
"حسناً، يا سول. يبدو أنكِ قررتِ أن تصبحي مثيرة للاهتمام أخيراً،" تمتمت روما، وهي تسير نحو نهاية الخيط الأحمر، وضوء عينيها العسليتين يتوهج ببريق بارد تحت أضواء النيون.