الفصل الثالث والأربعون
" the writer Aridj "
.
.
.
كانت الغرفة أشبه بحلبة نزال مغلقة على أنفاس متصارعة، جدرانها تضيق، والهواء فيها مشحون كوترٍ مشدود على وشك الانفجار. كان يرغب بالخروج، لا لشيء سوى ليكمل بحثه عن تلك الأوراق اللعينة ، بينما أماني، بثباتها الصامت، تحاول أن تفك شيفرة لغز وجودھ ھنا ، وما الذي يربطه بهذه العائلة تحديدًا.
تقدّم نحوها بخطوات تعكس غضبه ونفاد صبره، خطوات رجل اعتاد أن يُطاع. لكن غضبه لم يهزّها، لم ترتعش و لم تتراجع بل بقيت واقفة أمامه بثقة جامدة كأنها تتحدّى العاصفة.
توقّف أمامها مباشرة، حتى أصبح رأس السكين ملامسًا لعضلات صدره المخفية خلف لباسه الأسود الرياضي. رمقها بنظرة حادة وقال بصوت خشن /اتقي شري وافتحي الباب.
ابتسمت أماني ابتسامة مستفزّة، وبنفس النظرة الحادة التي اشتعلت في بحر عينيها البنيتين، وقالت بثبات /كلامك ما يزيد ولا ينقص، أحسن تحتفظ فيه لنفسك. أنا ما راح أخليك تطلع من هنا إلا وانت مجاوبني عن كل أسئلتي.
خفضت السكين بسرعة وأخفتها خلف ظهرها. لن تقع في الفخ مرتين. تعرف أنه قد يلوي ذراعها كما فعل سابقًا وينتزع السلاح، لكنها هذه المرة لن تمنحه الفرصة.
ابتسم سلطان لحركتها؛ ذكية… نعم، لكنها ليست أذكى منه.
استدار معطيًا لها ظهره، واتجه نحو الأريكة في الغرفة وجلس عليها، ثم رفع رأسه إليها وقال بسخرية متعمدة /إذن ودك تعرفي وش أسوي هنا يا أماني؟
نظرت إليه بازدراء ولم تجب. هو يعرف الإجابة. اتجهت نحو المكتب حيث الأوراق المبعثرة، تحاول أن تسبق الوقت وتفهم ما يخفيه.
انتبه لها فورًا، وانتفض واقفًا، وأمسك بها مانعًا إياها بحدة /لا يماما… ما صدقتي. ما عندك شغل مع هذي الأوراق. اتركيها، ولا تدخلين نفسك في شغل الكبار....
ثم أردف بحدة قاطعة /فاهمة؟
رفعت رأسها إليه. في داخلها اشتعل التحدي.
قالت بصوت صارم /أولًا احترم نفسك وانت تتكلم معي. ثانيًا لا تنسى نفسك، أنت بتشتغل في الـFBI، ووجودك هنا مشبوه، وجريمة. وأنا قلت لك قبل، وما أحب أكرر كلامي، بس لأنك بصفة المجرم لازم تسمعها مرة ثانية.
قال من بين أسنانه، والغضب يعصر صوته /مو انتي اللي راح تعلميني الأدب والقانون. وابعدي عن طريقي أحسن، قبل ما تشوفين شي ما يعجبك يا أماني.
ابتسمت باستفزاز بارد /لا، شكلك تأخرت. أنا ما راح أبعد، وسوي اللي بدك إياه.
أدار رقبته يمينًا وشمالًا كمن يستعد لمعركة. هل سيصارعها الآن؟
اقترب منها. تراجعت خطوة، ثم تماسكت وتوقفت.
اقترب أكثر… حتى صار الهواء بينهما مختنقًا، ثقيلًا، مشحونًا بنظرات الغضب.
وبحركة خاطفة، وضع قدمه خلف قدمها وأسقطها أرضًا. نزل إليها بسرعة، أدخل يده في جيبها وانتزع المفتاح من حوزتھا.
قال بابتسامة مستفزة /مو من عادتي أتعامل مع الحريم بهالشكل، بس ليكون بعلمك… راح تعيشي مثل هيك مواقف يا العميلة المتدربة أماني.
مدّ يده إليها ليساعدھا على النھوض ، لكنها صفعت كفه بقوة، وأبعدته عنها، ثم نهضت بسرعة، التقطت السكين وازالت بقايا الغبار من على ملابسھا بھدوء تام عكس مايختلجھا ويسكن داخلھا ،ثم نقدمت نحوه، والغضب يعلو ملامحها رغم محاولتها التماسك.
رفعت السكين إلى ذقنه المحنّك وقالت من بين أسنانها /ما تفرح إنك أخذت المفتاح. ما راح أسامحك على اللي سويته، وما راح تطلع من هالغرفة إلا على قبرك. كلامي واضح لحضرتك.
ضحك ضحكة صاخبة مستفزّة /وريني وش تسوي.
بحركة خاطفة، مرّرت السكين بخفة على عنقه، تاركة جرحًا صغيرًا.
اتسعت عيناه غضبًا ليصرخ قائلا /مجنونة! وش سويتي؟
بسخرية باردة /ليش؟ ما سويت شي… لسا ما بديت.
وضع يده على عنقه ومسح الدم السائل، ثم استدار الى البال و وضع المفتاح في القفل ليفتحھ ويخرج متجاهلًا إياها.
تبعته أماني، تنتظر أن تراه ساقطًا أرضًا بسبب حقيبتها التي وضعتها عمدًا في الممر قرب الدرج.
انتظرت… دقيقة… و أخرى… لا شيء.
خرجت من الغرفة لتتبعه، لكنها لم تره.
وفجأة…
يد من الخلف.
قطعة قماش تُغلق فمها.
حاولت المقاومة، لكن رائحة المادة المنومة كانت أقوى.
تراخت… وسقطت بين ذراعيه.
وأخيرًا، انتهى من أمر هذه المزعجة.
أسندها على الحائط، ثم عاد إلى الأوراق، جمعها بعشوائية، أغلق المكتب خلفه.
وقبل أن ينزل الدرج...... عاد إليها.
هل سيتركها هكذا؟
ابتسم لوهلة.
هي من أخبرته قبل قليل أنه لن يخرج من الغرفة إلا أشلاء… لكنها لم تُحسن اللعب هذه المرة.
أخذ هاتفها من حقيبتها، وأرسل رسالة إلى شقيقھا وكأنها هي "تعال، أنا انتظرك. تعبانة، ما أقدر أسوق."
وضع الهاتف بجانبها وغادر المنزل.
وعقله… ما زال عالقًا في سؤال واحد:
أين يمكن ان تكون تلك الأوراق ؟؟؟