الفصل3
نعم،
الوجوه التي لا تُنسى من النظرة الأولى
يوم الزيارة كان مختلفًا.
ليس لأنني كنت متحمسة،
بل لأن أي تغيير داخل السجن يُربكك…
حتى لو كان بسيطًا.
نادت السجّانة اسمي،
نهضتُ ببطء،
قلبي يدقّ كأنه سيُحاسَب معي.
قاعة الزيارة كانت أوسع قليلًا،
لكنها أكثر قسوة.
زجاج يفصل الأرواح،
وهواتف معلّقة كأنها تسخر من فكرة القرب.
جلستُ على الكرسي المعدني،
أمسكت الهاتف،
وانتظرت.
ثم رأيتها.
صديقتي…
الوحيدة التي لم تختفِ بعد الكارثة.
وجهها شاحب،
عيناها مليئتان بالأسئلة.
قالت فور أن رفعت الهاتف:
— سارا…
انهار صوتها،
وانهرتُ أنا.
— أنا هنا… ما مت.
قالت وهي تحبس دموعها:
— كلهم يقولون إنك قاتلة… وأنا…
قاطعتها بسرعة:
— لا تصدقيهم.
صمتت قليلًا، ثم قالت:
— أنا أصدقك.
كانت تلك الجملة…
أثمن من الحرية.
بدأت أحكي لها،
عن الليالي،
عن الجدران،
عن الخوف الذي لا ينام.
وأنا أتكلم…
شعرتُ بشيء غريب.
كأن الهواء تغيّر.
رفعتُ عيني دون قصد.
وهناك…
في الجهة الأخرى من القاعة…
كان يقف.
رجل لا يشبه المكان،
ولا يشبه أحدًا.
لم يكن يرتدي زيّ سجناء،
وكان واقفًا بثبات،
يتحدث مع رجل مسجون
من خلف الزجاج.
لكن عينيه…
لم تكن على صديقه.
كانت…
عليّ.
توقفتُ عن الكلام.
قالت صديقتي بقلق:
— سارا؟ وش فيك؟
— في… في واحد يطالع.
— سجّان؟
— لا.
نظرتُ إليه ثانية.
لم يبتسم،
لم يعبس،
فقط كان يراقب،
كأنه يقرأ شيئًا لا أراه في نفسي.
قالت صديقتي محاولة المزاح:
— حتى هنا ما سلمتي من النظرات؟
لكنني لم أضحك.
شيء داخلي كان يصرخ:
هذا ليس شخصًا عاديًا.
سمعته يتكلم أخيرًا،
صوته منخفض،
لكنه واضح.
قال للمسجون:
— الوقت قرب.
ردّ المسجون بسرعة:
— وأنت وعدتني.
— أنا ما أخلف.
شعرتُ بقشعريرة.
لماذا أشعر أن الحديث…
ليس عن شخصه فقط؟
وفجأة…
التفتَ نحوي بالكامل.
نظرة واحدة،
قصيرة،
لكنها ثقيلة.
لم تكن نظرة إعجاب،
ولا شفقة،
كانت نظرة قرار.
قالت صديقتي:
— سارا، وجهك تغيّر.
— في شي غلط.
— من هو؟
— ما أعرف…
بس أحسّه يعرفني.
انتهى وقت الزيارة.
رنّ الجرس.
وقفتُ،
لكن قدماي كانتا ثقيلتين.
وقبل أن أغادر…
سمعتُ صوته خلفي،
يوجه كلامه لشخص آخر:
— هذه هي.
توقفتُ لثانية.
لم ألتفت.
لكن قلبي كاد يتوقف.
أمسكت السجّانة بذراعي:
— تحركي.
عدتُ إلى الزنزانة،
لكنني لم أعد كما خرجت.
في الليل،
سألتني إحدى السجينات:
— خير؟ شكلك شافك شي.
— شفت شخصًا…
وأحس أن حياتي تغيّرت.
ضحكت بسخرية:
— هنا؟ ما يتغير غير الأسوأ.
لكنني كنت أعرف…
أن الأسوأ أحيانًا
يأتي متنكرًا كنجاة.
وفي مكانٍ ما،
خارج هذه الجدران،
كان زعيم المافيا
قد اتخذ قراره.
أما أنا…
فكنت زهرة ذابلة
اقتربت يدٌ مظلمة
من اقتلاعها…
أو إنقاذها.