الفصل 2
دخلتُ السجن وأنا لا أفهم كيف وصلتُ إلى هنا.
قدماي كانتا تتحركان، لكن روحي بقيت خلف باب بيتنا… عند جسد أمي.
الباب الحديدي أُغلق خلفي بصوتٍ لم أسمعه من قبل،
صوت لا يُغلق مكانًا…
بل يُغلق حياة.
نظرتُ حولي.
جدران رمادية، رائحة رطوبة وخوف،
ونساء بوجوهٍ قاسية،
بعضهن ينظرن إليّ بفضول،
وأخريات باحتقار،
وكأنني وُلدتُ مجرمة.
دفعتني السجّانة للأمام وقالت ببرود:
تحرّكي.
لم أجادل.
كنتُ متعبة أكثر من أن أقاوم.
فتحوا باب الزنزانة،
وقالوا:
هنا مكانك.
دخلتُ…
وكان المكان ضيقًا،
لكن العيون كانت أضيق.
سمعتُ صوت امرأة يضحك بسخرية:
واضح إنها جديدة.
رفعتُ رأسي ببطء.
كانت امرأة في الأربعين تقريبًا،
شعرها قصير،
وعيناها حادتان.
قالت أخرى، وهي تجلس على السرير المقابل:
وش مسوين لك؟ شكلك مو متعودة على هالأماكن.
لم أجب.
جلستُ في الزاوية،
أضم ذراعيّ حول نفسي.
اقتربت الأولى خطوة، وقالت:
اسمعي… هنا إذا ما تكلمتي، بيأكلونك.
رفعتُ عيني أخيرًا، وقلت بصوتٍ مكسور:
أنا… ما سويت شي.
ضحكت امرأة ثالثة، ضحكة قصيرة قاسية:
كلنا ما سوينا شي، يا حبيبتي.
سألتني التي بدت أقل قسوة:
اسمك؟
سارا.
سبب دخلك؟
ترددت.
الكلمات كانت سكاكين.
قتل.
ساد صمتٌ مفاجئ.
قالت الأولى ببطء:
مين؟
أمي.
لم أحتمل.
انفجرت بالبكاء.
قالت إحداهن بصوت منخفض:
يا ساتر…
اقتربت المرأة الهادئة وجلست بجانبي:—
اسمعي يا سارا، ابكي، بس لا تضيعين نفسك. هنا ما يرحم.
مسحتُ دموعي بسرعة، كأن البكاء جريمة أخرى.
سألتها بصوت خافت:
كيف… كيف أعيش هنا؟
نظرت إليّ طويلًا، ثم قالت:
تتعلمين.
أتعلم ماذا؟
القسوة… أو التظاهر بها.
مرت الأيام ثقيلة.
أصوات الأبواب،
العدّ،
الوجوه نفسها،
والليل…
الليل كان أسوأ.
في الليل، كانت الأصوات تختفي،
لكن الذكريات تستيقظ.
كنت أسمع أمي تناديني،
وأرى دمها،
وأسمع صراخي يتردد بين الجدران.
في إحدى الليالي، سمعتُ امرأة تهمس لي من الظلام:
ما تنامين؟
لا.
أنا بعد.
سكتنا قليلًا، ثم قالت:
أبوك؟
هو القاتل.
قالت بهدوء غريب:
والعالم دايمًا يختار الضحية الأسهل.
ضحكتُ بمرارة.
نعم… أنا الأسهل.
في اليوم التالي، حدثت مشاجرة.
صرخ، شدّ شعر، دم.
وقفتُ متجمدة.
اقتربت مني السجّانة:
لا تظنين نفسك بريئة هنا، كلنا سواسية.
كلمتها كانت حكمًا جديدًا.
في تلك اللحظة فهمت:
السجن لم يكن الجدران،
السجن كان نظرة الناس لي.
وفي إحدى الزوايا،
سمعتُ اسمه لأول مرة.
قالت إحدى السجينات بصوتٍ خافت:
سمعتي؟
وش؟
في واحد… كبير… زعيم.
وش دخله فينا؟
دخل ناس ويطلع ناس.
ارتجف قلبي.
لم أعرف لماذا.
لم أكن أعلم أن اسمي…
كان قد وصل إليه.
ولا أن ظلامًا أكبر
كان يراقب زهرة ذابلة…
ويقرر إن كانت تستحق النجاة.