المواجهة الاولى
لم يكن الخوف هذه المرة فكرةً عابرة…
كان حاضرًا في الهواء، في الجدران، وفي الصمت الذي خيّم على البيت.
أغلقت لارة الدفتر الأسود ووضعته داخل الحقيبة، كأنها تحاول عزله عن العالم.
لكنها كانت تعلم في أعماقها أن ما استيقظ… لا يمكن إخفاؤه.
قالت ميرا وهي تراقب النافذة بحذر:
– أشعر أننا لم نعد وحدنا، حتى في وضح النهار.
خرجتا من البيت معًا.
الشارع بدا عاديًّا، الناس يمرّون، الأصوات مألوفة…
لكن لارة شعرت بشيءٍ مختلف.
كأن العيون تراقبها من أماكن لا تُرى.
توقفَت فجأة.
– ميرا… هل سمعتِ ذلك؟
صوت خافت، أشبه باحتكاكٍ معدني، تردّد من الزقاق الجانبي.
تقدمتا ببطء، وكل خطوة كانت أثقل من سابقتها.
هناك…
رأتاه.
لم يكن ظلًّا هذه المرة.
كان رجلًا يقف بظهره، طويل القامة، يرتدي معطفًا داكنًا.
لم يتحرّك… كأنه كان ينتظرهما.
قالت ميرا بصوت مرتجف:
– لارة… لا تقتربي.
لكن جسد لارة لم يستجب.
الرمز على معصمها بدأ يسخن، نبضٌ غريب انتشر في عروقها.
استدار الرجل ببطء.
لم تُرَ ملامحه بوضوح، لكن عينيه الرماديتين كانتا حادتين، ثابتتين…
تعرفانها.
قال بصوتٍ منخفض، هادئ بشكل مخيف:
– كنتُ أعلم أنكِ ستأتين.
تراجعت ميرا خطوة إلى الخلف:
– من أنت؟!
لم يجبها.
عيناه لم تفارقا لارة.
– الوريثة… قالها وكأنها حقيقة لا تقبل النقاش.
شعرت لارة بأنفاسها تختنق.
– لستُ ما تظن.
اقترب خطوة واحدة فقط، لكن الأرض تحت قدمه تشققت بخفة، كأن الهواء نفسه رفض تقدّمه.
– المواجهة لم تحن بعد، قال بهدوء.
– هذا مجرد تنبيه.
رفع يده قليلًا، وفجأة انطفأت أنوار الشارع للحظة.
وعندما عادت… كان قد اختفى.
سكونٌ ثقيل حلّ بالمكان.
تمسكت ميرا بذراع لارة بقوة:
– هذا كان حقيقيًا… أليس كذلك؟
نظرت لارة إلى معصمها.
الرمز عاد ساكنًا…
لكنه لم يعد غامضًا كما كان.
– نعم… تمتمت.
– وهذه فقط البداية.
وفي مكانٍ بعيد، كان الصيّاد الصامت يدوّن ملاحظة جديدة:
«الوريثة بدأت تشعر بالنداء.»