اللغز المشؤوم منه - خيوط ضلام - بقلم Chahinez | روايتك

اسم الرواية: اللغز المشؤوم منه
المؤلف / الكاتب: Chahinez
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: خيوط ضلام

خيوط ضلام

مرت السنوات على "لارة" ببطء، وكأن الزمن نفسه قرر أن يعاقبها على ذنب لم ترتكبه. وفي سن التاسعة، تغيّر كل شيء. في إحدى الليالي الباردة، دخل والدها غرفتها لأول مرة منذ أسابيع. جلس بجانب سريرها، حدّق في عينيها الصغيرة بنظرة حزينة، وهمس بصوتٍ خافت: – لارة... سأحميك، وأُبعدك عن العالم الذي كنت فيه. عن كل أولئك الذين يعرفونني. لم تفهم لارة تمامًا ما يقصده، لكن شيئًا في نبرته جعل قلبها ينقبض. شعرت بالخوف، ولأول مرة، رأت في عيني والدها شيئًا يشبه الندم. أضاف وهو يخفض رأسه: – أنا لست الرجل الذي ظننته... عملت لسنوات قاتلًا متسللًا، لا بإرادتي، بل لأنهم أجبروني. لكن الآن، كل ما أريده هو حياة جديدة... معك، وبجانبك. ومنذ تلك الليلة، تغيّر والدها. انغلق على نفسه، قطع جميع اتصالاته، وتخلّى عن كل ما يربطه بماضيه. بدأ حياة بسيطة، لا شيء فيها سوى هدوء ثقيل، وخوف لا يظهر في العلن. لكن الأسرار... لا تموت. كل ما اعتقد أنه دفنه، كان ينتظره في الظلّ، كوحش صامت، مستعدّ للانقضاض عندما بلغت لارة الخامسة عشرة، وبينما كانت تبحث عن كتاب قديم في غرفة والدها، عثرت على دفتر أسود، مغطى بطبقة من الغبار، ومغلق بقفل صدئ. كان غلافه من الجلد المتشقق، محفور عليه رمز غريب بدقة متناهية: عين داخل مثلث. رفعت الدفتر بيدين مرتجفتين، ثم أمسكت هاتفها واتصلت بميرا، صديقتها الوحيدة، والوحيدة التي كانت تعرف كل شيء عن والدها. وجدت شيئًا... دفترًا أسود، عليه نفس الرمز الذي رأيناه قبل سنوات وفي صباح اليوم التالي، جاءت ميرا مسرعة إلى بيت صديقتها لارة، تحمل في عينيها خليطًا من القلق والحيرة. جلستا معًا على الأرض، ولارة وضعت الدفتر بينهما بهدوء. بدأت ميرا تمرّر أصابعها ببطء على الغلاف، تتأمل الرمز المحفور: عين داخل مثلث، ثم قالت: – هذا هو الرمز… لا يمكن أن يكون صدفة. لقد رأيناه سابقًا، على ذلك الملف الذي مزّقه والدك ذات مرة. أتذكرين؟ همست لارة: – نعم... لكنه لم يسمح لي حتى بلمسه. قالت ميرا وهي ما تزال تحدق في الغلاف: – غريب... أشعر وكأن هذا الرمز يراقبنا. ثم، دون تفكير، مررت كفها على النقش البارز... وفجأة... ارتعشت يدها بقوة! سحبتها بسرعة، وقالت بصوت خافت: – ما هذا؟! وكأن تيارًا باردًا اخترق جلدي... لارا، هذا الدفتر ليس عاديًا. رفعت لارة رأسها بدهشة: – تيار بارد؟ أنا لم أشعر بشيء... نظرت ميرا إلى الدفتر من جديد، بعينين حذرتين، ثم تمتمت: – أعتقد أن هذا الرمز ليس مجرد زخرفة. إنه يحمل شيئًا… شيء خفيّ لا يمكننا رؤيته. قالت لارة بعد لحظة صمت: – "الظل الأسود"... المنظمة التي كان يعمل معها والدي. ربما هذا الدفتر يحتوي على كل شيء… على ماضيه الحقيقي، وعلى الأسماء التي كان يخفيها. ثم أضافت بصوت خافت، مليء بالوجع: – أنا أعرف الحقيقة... أخبرني والدي بكل شيء منذ عامين. لم أعد تلك الطفلة الضعيفة. منذ ذلك اليوم، بدأت أستعد… لأصبح أقوى… لأساعده. أمسكت ميرا بيدها وقالت بثبات: – وأنا معك. لا يهم إن كان الماضي مظلمًا، سنواجهه معًا. سنحميه… ونكتشف الحقيقة كاملة ومنذ ذلك اليوم، بدأت الفتاتان تدريبات سرية، بعيدًا عن أعين الجميع. تعلّمتا أساليب القتال، التشفير، المراقبة، التحليل، وتدربتا على استخدام تقنيات لم تسمعا بها من قبل. شيئًا فشيئًا، صارتا ظلّين يعملان في الخفاء، عازمتين على حماية الرجل الذي حاول إنقاذ ابنته من عالم مظلم. وفي إحدى الليالي، بينما كانت لارة تغطي والدها النائم على الأريكة، انزلق كمّه دون قصد. وقفت فجأة، وقد توقّف الزمن في عينيها. هناك… على ذراعه الأيسر… كان نفس الرمز موشومًا… عين داخل مثلث، بدقة لا تصدق. شعرت بقلبها ينقبض، همست بصوت مرتجف: – هذا مستحيل... كان الوشم قديمًا، لكنه واضح، وكأن الزمن لم يمسه. اقتربت أكثر، تحاول التأكد… لكنه لم يكن حلمًا. في تلك اللحظة، أدركت لارة أن والدها لم يخبرها بكل شيء. ذلك الرمز… لم يكن مجرد شعار للمنظمة، بل علامة، ختم… وربما لعنة. همست: – والدي... من أنت حقًا؟؟ ما لم تكن تعرفه لارة… هو أن هناك من يراقبها من بعيد. عين لا تنام، عقل لا يرحم، وقاتل لا يُرى. "يُقال إنه واحد من أخطر رجال 'جيهوب'… رجل بلا اسم، بلا ماضي، يُعرف فقط بلقب: الصيّاد الصامت." يتسلل في صمت، يراقب من الظل… ينتظر اللحظة المناسبة. اسمه؟ لا يُعرف. لكنهم يسمّونه في الخفاء: "الصيّاد الصامت". وكان الآن… أقرب مما تتخيّل