قدرها الله - فصل6 - بقلم بتول الجوهري - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: قدرها الله
المؤلف / الكاتب: بتول الجوهري
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: فصل6

فصل6

مرّ وقت لا أستطيع تحديده. لم يكن قصيرًا، ولم يكن طويلًا بما يكفي لأقول إنني نسيت. كان وقتًا رماديًا، بلا أحداث واضحة، لكنه مليء بالتغيّر الداخلي. لم يعد اسمه يوقظني فجأة. صار يمر في ذاكرتي مثل فكرة عابرة، موجعة قليلًا، لكنها لا تسيطر. أدركت أن الشفاء لا يعني النسيان، بل أن تتذكّر دون أن تنهار. في إحدى الليالي، وصلتني رسالة منه. لم أفتحها فورًا. تركت الهاتف جانبًا، وكأنني أحتاج أن أختبر نفسي أولًا. هل ما زال قلبي يركض نحوه؟ أم أنه تعب أخيرًا؟ حين قرأتها، لم أشعر بالدهشة. كتب أنه اشتاق، وأنه فكر كثيرًا، وأنه أدرك متأخرًا قيمتي. كلمات مرتبة، هادئة، تشبهه. توقفت عند جملة واحدة: "لو عاد الوقت، لاخترتُك." ابتسمت بحزن. لأن الوقت لا يعود، ولأن بعض الاختيارات حين تتأخر تصبح بلا معنى. لم أردّ فورًا. ليس انتقامًا، ولا كبرياءً. فقط لأنني لم أعد أملك ما أضيفه. كل ما كان في قلبي قيل، وكل ما لم يُقل تعلّمت العيش بدونه. بعد يومين، كتبت له: "أتمنى لك السلام." وأغلقت الحوار. شعرت بثقل يغادر صدري. لم يكن فرحًا، كان تحررًا. كأنني وضعت حملًا كنت أظن أنه جزء مني، واكتشفت أنه لم يكن كذلك. بدأت أرى الأشياء بشكل أوضح. أدركت أن الحب لا يُقاس بمدى الألم الذي نتحمله، بل بمدى الطمأنينة التي نشعر بها. وأن من يربكك دائمًا، مهما أحببته، ليس المكان الآمن. لم يدخل حياتي أحد جديد. لم أبحث. كنت أتعلم أن أكون كاملة دون انتظار. أن أضحك بلا سبب، وأن أحزن دون خوف، وأن أختار نفسي كل مرة. في صباح هادئ، خرجت وحدي. الشمس كانت خفيفة، والهواء أقل ثقلًا. شعرت بشيء يشبه البداية، لكن دون اندفاع. بداية ناضجة، تعرف الخسارة، ولا تخافها. قلت في داخلي: قدّرها الله… لا كقصة حب انتهت، بل كنسخة مني بدأت. لم أعد أروي هذه الحكاية لأفهمه، بل لأفهم نفسي. أدركت أنني لم أخسر شخصًا، بل تخلّيت عن وهم كنت أعيش فيه. وأن الوجع لم يكن فيه، بل في انتظاري الطويل لمن لم يكن مستعدًا. اليوم، حين أتذكر، لا أعود إلى الألم نفسه. صار الذكرى مثل صفحة قديمة، أقرأها أحيانًا، ثم أغلقها دون رجفة. لم أصبح أقسى، لكنني صرت أوضح. لم أطفئ قلبي، لكنني تعلمت أن أحميه. قدّرها الله… لأعرف أن بعض الطرق لا نُخلق لنكملها، وبعض الأشخاص لا نحبهم لنبقى، بل لنتعلم كيف نغادر دون أن نضيع.