قدرها الله - الفصل5 - بقلم بتول الجوهري - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: قدرها الله
المؤلف / الكاتب: بتول الجوهري
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل5

الفصل5

بعد المواجهة، لم يحدث شيء كبير. لم أتلقَّ رسالة، ولم أستيقظ على شعور جديد. كل ما حدث أن الفراغ صار أوضح. كنت أظن أن المواجهة ستمنحني راحة فورية، لكنها لم تفعل. منحتني فقط صمتًا مختلفًا. صمتًا لا يشبه صمتي القديم، أقل توترًا، لكنه أكثر صدقًا. لم أعد أنتظر صوته، لكنني كنت أسمعه في رأسي دون استئذان. في الأيام التالية، اكتشفت أن الفقد الحقيقي لا يأتي مع الرحيل، بل مع الاعتياد على الغياب. أن تستيقظ ولا تفكر في إرسال شيء. أن تمر لحظة حزينة ولا تخطر ببالك مشاركته إياها. هنا يبدأ الوجع الصامت. كنت أشتاقه بلا سبب واضح. ليس لأنه شخص استثنائي، بل لأنه كان جزءًا من يومي. الاشتياق أحيانًا لا يكون للحب، بل للعادات التي رافقته. جلست كثيرًا مع نفسي. لم أبحث عن إجابات، فقط تركت الأسئلة تمر. لماذا تمسّكنا؟ لماذا نبرر الغياب؟ لماذا نخاف أن نختار أنفسنا كأنها خيانة؟ فهمت أنني لم أكن ضعيفة، كنت فقط صادقة في مشاعري. وأن الصدق، حين لا يُقابل بوضوح، يتحول إلى عبء ثقيل. في إحدى الليالي، شعرت بالحنين يقترب بقوة. كدت أكتب له، لا لأعود، بل لأتأكد أنني ما زلت أستطيع. توقفت. أغلقت الهاتف. أدركت أن بعض الرسائل لا تُرسل لأننا تجاوزنا، بل لأننا نحترم ما تبقى من أنفسنا. بدأت أملأ وقتي بأشياء صغيرة. ليس هربًا، بل ترميمًا. مشيٌ طويل، موسيقى بلا كلمات، صمت لا أفسّره لأحد. كنت أتعلم كيف أكون وحدي دون أن أشعر بالنقص. لم أشفَ تمامًا. لا أدّعي ذلك. لكنني لم أعد أنزف كما قبل. صار الحزن أقل حدة، كجرح بدأ يلتئم ببطء، يوجع أحيانًا، لكنه لم يعد ينزف. في نهاية أحد الأيام، نظرت إلى المرآة طويلًا. لم أبحث عن ملامحه في وجهي، بل عني. ووجدتني. متعبة، نعم، لكن واقفة. قلت لنفسي: ربما لم يكن خسارة، ربما كان درسًا مؤلمًا في التوقيت الخطأ، لكنني خرجت منه أعرف قلبي أكثر. ما بعد المواجهة ليس شفاءً، هو فقط بداية طريق أمشيه وحدي، بثقل أقل، وبصدق أكبر. وقدّرها الله… لا لتكسرني، بل لتعلّمني أن السلام الحقيقي يبدأ حين لا نطلب من أحد أن يبقى.