فصل3
لم أستيقظ في يومٍ واحد وقد نسيته. النسيان لا يأتي دفعة واحدة، بل يتأخر كثيرًا، ويتلاعب بك، ويجعلك تعتقد أنك بخير بينما أنت تتفكك ببطء.
في الأيام الأولى بعد ابتعاده، كنت أتصرف وكأن شيئًا لم يتغير. أخرج، أضحك أحيانًا، أؤدي واجباتي، وأتحدث مع الناس. كنت أقنع الجميع أنني بخير، وأقنع نفسي أكثر. لكن حين أعود وحدي، يعود كل شيء إلى مكانه المؤلم.
كنت أفتح هاتفي بلا سبب، أبحث عن اسمه، عن رسالة لم تصل، عن علامة تدل أنه ما زال يفكر بي. لا أجد شيئًا، فأغلقه، ثم أفتحه مرة أخرى. كنت أعرف أن هذا يؤلمني، ومع ذلك أفعله، كأن الألم أصبح الشيء الوحيد الذي يثبت لي أن ما شعرت به كان حقيقيًا.
حاولت أن أكرهه، فشلت. حاولت أن ألومه، لم أستطع. لم يمنحني وعدًا ليخلفه، ولم يقل لي يومًا إنني له. أنا من صدّقت الإحساس، وأنا من بالغت في التعلق، وأنا من دفعت الثمن.
كنت أقول لنفسي:
انتهى.
لكن قلبي لم يكن يفهم هذه الكلمة.
مررت بالمكان الذي كنا نجلس فيه. توقفت دون وعي. نظرت إلى الكرسي الفارغ، وتذكرت صمته، طريقته في الجلوس، ونظرته حين كان يصغي. جلست وحدي، دقائق طويلة، ثم نهضت. أدركت حينها أن بعض الأماكن لا تفرغ، بل تحتفظ بالأشخاص حتى بعد رحيلهم.
في إحدى الليالي، كتبت له رسالة طويلة. أخبرته فيها بكل شيء: خوفي، تعلقي، ألمي، وانتظاري. قرأتها أكثر من مرة، وبكيت، ثم مسحتها. لم أرد أن أكون عبئًا إضافيًا في حياته، ولم أرد شفقة، ولا كلمات مواساة متأخرة.
تعلمت أن الصمت أحيانًا أكرم من الاعتراف.
بدأت أضع مسافة بيني وبين كل ما يذكرني به. لم يكن الأمر سهلًا. كنت أضعف كثيرًا، وأعود خطوة للوراء بعد كل محاولة تقدم. لكنني كنت أقول لنفسي إن البقاء في الألم اختيار، وأنا تعبت من الاختيار الخاطئ.
في داخلي كان صراع صامت. جزء مني ما زال ينتظره، والجزء الآخر يريد النجاة. كنت بين الاثنين، لا أستطيع الرحيل تمامًا، ولا أحتمل البقاء.
سألت نفسي مرة بصوت مسموع:
لماذا هو؟
ولماذا هذا الوجع؟
لم أجد جوابًا، فقط شعرت أن بعض القصص لا تُكتب لتكتمل، بل لتعلّمنا كيف نتحمّل.
مع مرور الوقت، لم يختفِ الألم، لكنه تغيّر. لم يعد حادًا كما كان، أصبح ثقيلاً، صامتًا، كحجر في القلب. أستطيع العيش معه، لكن لا أستطيع نسيانه.
وفي ليلة هادئة، قبل أن أنام، قلت بهدوء لم أشعر به منذ زمن:
يا الله، إن كان هذا البعد خيرًا لي، فامنحني القوة لأتقبله.
وإن كان اختبارًا، فامنحني الصبر لأجتازه.
ربما لم يكن لي،
وربما كان مروره في حياتي مجرد فصل،
لكنني بدأت أفهم أن الله لا يأخذ شيئًا
إلا ليمنحنا أنفسنا من جديد.
وهكذا…
لم أنسَ،
لكنني بدأت أتعلم كيف أستمر.