فصل2
لم يحدث الفقدان فجأة، لم يأتِ كصدمة واحدة واضحة. جاء ببطء، كشيء يتسلل دون أن ألاحظ، حتى وجدت نفسي وحيدة في منتصف شعور لم أعد أعرف اسمه.
في البداية، تغيّر الوقت. لم نعد نلتقي كما اعتدنا. مرة يؤجل، ومرة أنشغل أنا، ومرة نلتقي على عجل. كنت أقنع نفسي أن الأمر طبيعي، وأن الناس لا يبقون على حال واحد، لكن قلبي كان يعرف أن شيئًا ما ينسحب بهدوء.
بدأ الصمت يكبر. لم يعد يسأل كما كان، ولم أعد أجرؤ على السؤال. صرت أكتب له ثم أمسح الكلام قبل إرساله. صرت أبحث عن صوته في الرسائل القصيرة، وعن اهتمامه في كلمات لا تأتي. كنت أخاف أن أبدو متعلّقة أكثر مما يجب، مع أنني كنت كذلك بالفعل.
أكثر ما كان يؤلمني هو أنني لم أستطع لومه. لم يؤذني بشكل واضح، لم يقل كلمة قاسية، لم يرحل صراحة. كان فقط… يبتعد. وهذا النوع من الفقدان موجع، لأنه يجعلك تتهم نفسك بدل أن تتهم أحدًا.
كنت أراجع كل لحظة بيننا، وأسأل نفسي أين أخطأت، ومتى تغيّر، وهل كنت أكثر مما يحتمل، أم أقل مما يستحق. لم أجد إجابة، فقط وجدت فراغًا يكبر في داخلي.
في أحد الأيام، التقيته صدفة بعد غياب. كان مختلفًا، أو ربما أنا التي أصبحت أراه بوضوح أكثر. تحدثنا قليلًا، كلامًا عاديًا، بلا دفء. لم يسألني عن غيابي، ولم أسأله عن ابتعاده. كنا شخصين يعرفان الحقيقة، لكن لا يريدان الاعتراف بها.
حين افترقنا، شعرت أنني أودّعه للمرة الأخيرة، رغم أنه لم يقل وداعًا. مشيت خطوات قليلة، ثم توقفت، أردت أن ألتفت، أن أناديه، أن أقول له إنني أتألم، لكن قدمي لم تتحرك. تركته يبتعد، وتركت قلبي معه.
في تلك الليلة، فهمت معنى الفقدان الحقيقي. ليس أن يرحل الشخص، بل أن يبقى موجودًا، لكنك لا تستطيع الوصول إليه. أن تعرف أنه هنا، لكنه لم يعد لك.
بدأت أتغير. صرت أضحك أقل، وأفكر أكثر. صرت أعتاد الوحدة رغم أنها لم تعتدني. كل شيء صار يذكرني به: الأماكن، الأوقات، حتى الصمت. كنت أهرب من الذكريات، لكنها كانت أسرع مني.
سألني أحدهم مرة:
"لماذا تبدين حزينة؟"
أجبت بابتسامة خفيفة:
"تعودت."
لم أكن أريد شرح شيء. بعض الأوجاع لا تُحكى، لأنها حين تُقال تفقد معناها، أو تكشف ضعفًا لا أريد أن يراه أحد.
كنت ألوم القدر كثيرًا، ثم أعود وأصمت. ربما لم يكن ظلمًا، ربما كان درسًا قاسيًا، لكنه ضروري. كنت أردد بيني وبين نفسي:
هذا ما قدّره الله…
حتى لو كسرني.
وفي كل ليلة، قبل أن أنام، كنت أتساءل:
هل يشعر بي الآن؟
أم أن الفقدان كان من طرف واحد فقط؟
هكذا بدأت أخسره حقًا…
ليس حين ابتعد،
بل حين بدأت أتعلّم كيف أعيش بدونه