فصل1
لم أكن أؤمن كثيرًا بالصدف، لكني كنت أؤمن أن بعض اللقاءات لا تأتي عبثًا، حتى لو انتهت بالألم.
في ذلك اليوم، كان كل شيء عاديًا إلى حد الملل. الشارع مزدحم، والهواء ثقيل، وقلبي أثقل منهما معًا. كنت أمشي بلا هدف واضح، فقط أهرب من أفكار لا تهدأ. كنت أظن أن الحزن يمكن أن يمر مثل الناس، سريعًا، دون أن يلتفت إليّ، لكنه كان يسير معي خطوة بخطوة.
رأيته دون قصد. لم يكن مختلفًا عن الآخرين، لم يكن ملفتًا بشكل مبالغ فيه، لكنه حين رفع عينيه نحوي شعرت بشيء غريب، كأنني أعرفه منذ زمن طويل، أو كأن قلبي تذكره قبل أن يتعرّف عليه عقلي. تبادلنا نظرة قصيرة، عادية، لكنها تركت أثرًا لم أفهمه وقتها.
جلسنا في المكان نفسه دون تخطيط. الصمت بيننا كان أطول من الكلام، ومع ذلك لم يكن مزعجًا. سألني عن اسمي، أجبته، وسألته عن اسمه، قاله بهدوء. لا شيء مميز في الحديث، ولا جمل تحفظ، فقط كلمات بسيطة، لكنها كانت صادقة، وهذا ما جعلها قريبة.
مع الوقت، بدأت ألاحظ تفاصيل صغيرة. طريقته في الإصغاء، صوته حين يضحك بخفة، سكوته حين لا يجد ما يقوله. كنت أرتاح لهذا الصمت، كأنني لست مضطرة لتمثيل شيء أمامه. كنت أنا، فقط أنا.
لم يخبرني عن حياته كثيرًا، ولم أسأله. كنت أخاف أن أقترب أكثر مما يجب. كنت أعرف من داخلي أن القرب الزائد يؤلم، وأن التعلّق بداية الخسارة، لكن القلب لا يستشير العقل حين يشعر بالأمان، ولو كان مؤقتًا.
تكرر اللقاء، مرة ثم أخرى. صرنا نعرف الطريق نفسه، والوقت نفسه، والجلوس نفسه. لم نعترف بشيء، ولم نسمِّ ما يحدث بيننا، لكنه كان موجودًا، واضحًا، وثقيلًا على قلبي. كنت أعود إلى البيت وأفكر فيه أكثر مما يجب، وأحاول إقناع نفسي أن الأمر عابر، وأنه سيختفي كما ظهر.
في أحد الأيام، تأخر عن الموعد. انتظرته طويلًا، أكثر مما توقعت من نفسي. حين جاء، اعتذر بصوت منخفض، وقال إن الحياة لا تسير دائمًا كما نريد. ابتسمت، لكن داخلي كان يرتجف. شعرت أن هذه الجملة ليست عابرة، كأنها كانت موجهة لي وحدي.
بدأ الخوف يتسلل إليّ. صرت أراقب كلماته، تغيّره، صمته الطويل. لم يتغير كثيرًا، لكن قلبي هو من تغير. صار يخاف من الغياب قبل أن يحدث، ويتألم من أشياء لم تقع بعد.
وفي مرة، قالها دون قصد:
"بعض الأشياء نحبها، لكن لا تكون لنا."
ضحك بعدها، وكأنها مجرد فكرة، أما أنا فسكتّ. شعرت أن الجملة سقطت في مكان مؤلم داخلي. أردت أن أسأله، أن أفهم، أن أهرب من هذا الشعور، لكني لم أفعل. تركت الكلام يموت بيننا.
عدت يومها وأنا أعرف شيئًا واحدًا فقط: أن هذا الشعور أكبر مني، وأن نهايته لن تكون سهلة. كنت ألوم نفسي لأنني سمحت له بالدخول، وألوم قلبي لأنه صدّق، وألوم القدر لأنه أعطاني شيئًا جميلًا دون وعد بالبقاء.
في تلك الليلة، قلت لنفسي وأنا أبكي بصمت:
ربما لم يكن لي،
لكن الله قدّره لي لأتعلّم، لا لأبقى.
وهكذا بدأ كل شيء…
بهذا الهدوء الذي يشبه ما قبل الانكسار.