الفصل 1
** 𝒜𝓂𝒶𝓃𝒾 𝒶𝓁𝒶𝒿𝒶𝓏𝒶𝓇𝒾𝒶**
آمـآنيـﮯ آلجزآئريـﮯهہ
.
.
.
.
.
.
صرخة عالية اخترقت السكون، تتبعها ضحكة منتصرة هزّت الهواء، حين ارتطمت الرصاصة الأخيرة باللوحة الخشبية، فاهتزّت وسقطت أرضًا بارتطام مكتوم.
رفعت ذراعيها إلى السماء، تعدو بجنون طفولي يشبه خفة العصافير، وتصرخ بفرح صافٍ لا يشبه إلا انتصاراتها الصغيرة التي تصنعها بيديها:
— سجّل يا تاريخ… أخيرًا فزت !
انزلقت خطواتها على الرمل، تتنفس بقوة، كتفاها يرتفعان وينخفضان كأن صدرها يلهث بالفخر قبل التعب.
أغلقت الأمان على السلاح، رمته جانبًا، وكأنها رمت معه كل ساعات التدريب القاسية.
صمت المكان إلا من ضحكتها… ضحكة تلمع فيها شراسة وروح خفيفة لا تستسلم.
في الطابق العلوي من الفيلا، كانت تقف أمام المرآة، تمشط شعرها ببطء، خصلات لامعة تنسدل على كتفيها.
وقفت فجأة، حدّقت عبر نافذتها الكبيرة، رأت الظلال البعيدة تتراقص تحت الشمس… ثم لمحتها تركض وتصرخ بجنون.
اقتربت من الزجاج، انحنت قليلًا، ورفعت حاجبها بدهشة خفيفة، ثم همست بنبرة متعجبة تحمل نصف ضحكة:
— سديييييييم الجيران سمعو صراخك.
لم يصلها الرد، لكن الضحكات المتناثرة بالخارج قالت كل شيء.
كانت السماء صافية، والهواء يعبُر بخفة… وكأن لحظة النصر تلك خُلقت لها وحدها.
صعدت فيما بعد خطوات السلالم ببطء أقل صخبًا، وكأن الفرح حين يهدأ، يتحوّل إلى طمأنينة طويلة.
توجهت إلى غرفتها، ألقت نظرة قصيرة على نفسها في المرآة، ثم دخلت إلى الحمام.
اندفعت المياه الباردة على كتفيها أولًا، فشهقت من لذعة الحرارة التي انكسرت بالماء.
أغمضت عينيها…
تركت الماء يجرف تعب النهار، والغبار العالق من الركض، ورائحة البارود التي أحبتها أكثر مما يليق بفتاة في عمرها.
خرجت من الحمّام وهي تلفّ المنشفة حول جسدها بإحكام، قطرات الماء تنحدر ببطء على بشرتها الدافئة الحنطية. جلست أمام التسريحة، وأسندت ظهرها قليلًا، تاركة شعرها المبلل ينساب على كتفيها بحرية. كانت تعشق شعرها… ذلك المزيج الفريد بين البني والأشقر، لون لا يُحسم، يشبهها تمامًا.
ابتسمت لمرآتها، ثم مدت يدها إلى علب الترطيب، بدأت بطقوسها المعتادة بصخب تحبه. كانت نرجسية مع نفسها بلا خجل؛ تحب جمالها الخاص، وتؤمن به. تشبه أمها المرحومة كثيرًا… نفس الملامح، نفس النظرة، وكأن الرحمة تركت أثرها فيها.
عيناها كبيرتان، مسحوبتان بسحبة مميزة، أنفها مستقيم كحدّ السيف، شفاهها ممتلئة بلون وردي طبيعي، وخدودها تشتعل بحمرة كرز خفيفة.
ارتفعت موسيقى الاسبانية صاخبة من مكبر الصوت، إيقاعها يملأ الغرفة، فانسجمت معها دون تفكير، ترطب بشرتها وتدندن بكلمات تحفظها كاملة. لعشقها للاسبانية.
نعم رغم كل قسوة التدريب، كانت أنثى حتى النخاع.
دقّ خفيف على الباب.
همست، وهي ما زالت تغني: — تفضّلي…
انفتح الباب، ودخلت الأخرى بضحكة واسعة: — مسوية جو بدوني؟
أوقفت الموسيقى، ورفعت رأسها بابتسامة: — معقولة جو بدون أفناني؟ مستحيل. ترا توّي طالعة من الحمّام.
ضحكت وهي ترد: — صحتين.
تبادلت معها نظرة دافئة، ثم أضافت بسخرية: — بالمناسبة… ليه ما تدربتي معي اليوم؟ يا ويلك من أبوي.
تنهدت الأخرى، ورمت نفسها على السرير بتعب: — لما يجي إبراهيم، بأفهمه. اليوم تعبانة مرة… أمس ضلوعي تكسرت.
ضحكت عليها، ضحكة خفيفة تحمل ألف عادة مشتركة: — أففف… خلاص كبرتي يا أفنان ماعد صرتي تقدرين للتدريبات ، لازم أناديك عمّتي.
رفعت حاجبيها بسرعة: — عمة بعينك. لا الله يستر عليك! ترى بيننا بس خمس سنين.
قهقهت، ونهضت لتدخل غرفة الخزانة . أزاحت المنشفة، وارتدت ملابسها بسرعة اعتيادية، ثم أعادت تشغيل الموسيقى، تتمايل بخفة مع الإيقاع، جسدها يتحرك بثقة تعرفها جيدًا… ثقة من لا يخجل من نفسه، ولا يعتذر عن كونه كما هو.