ظلان يلتقيان - الفصل 43 - بقلم Mirtaz Marine | روايتك

اسم الرواية: ظلان يلتقيان
المؤلف / الكاتب: Mirtaz Marine
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 43

الفصل 43

{ظلال خفيفة لا تُقال} --- في اليوم التالي، وصلت إليانور إلى المكتبة باكراً على غير عادتها. كانت تريد ترتيب بعض الملاحظات قبل أن يبدأ النقاش. وضعت دفاترها على الطاولة، وجلست تراجع صفحات المناظرة. لم تمضِ دقائق حتى دخل جولان، مبتسماً كالعادة. قال وهو يقترب: "وصلتِ باكراً اليوم." --- ابتسمت إليانور بخفوت، ثم واصلت القراءة. جلس جولان قريباً منها قليلاً أكثر مما يفعل عادة، يميل نحو الدفتر ليشير إلى جملة معيّنة. لم يكن تصرفه غريباً، لكنه كان أقرب من المعتاد… وهدوء المكان جعل ذلك يبدو واضحاً أكثر. --- وبينما كان يشرح فكرة، فُتح باب المكتبة...دخل آرثر. توقف للحظة عندما رأى المشهد: إليانور تقرأ، جولان مائل نحوها وهو يشرح، المسافة بينهما قصيرة… أكثر من اللازم بالنسبة لشخص مثل آرثر. لم يقل شيئاً. لا ملامح غضب… ولا تعليق مباشر. لكنه وقف في مكانه ثانية واحدة أطول من الطبيعي، وكأن عقله يسجّل الصورة قبل أن يتحرك. اقترب بخطوات ثابتة، ووضع كتبه على الطاولة بقوة محسوبة، ليست ضربة… لكنها لم تكن حركة عادية أيضاً. "صباح الخير"، قالها بصوت هادئ، لكنه أكثر بروداً مما اعتادت إليانور. --- رد جولان بابتسامة. "كنا نحضّر الفقرة الثانية من الخطاب." --- أجاب آرثر دون أن ينظر إليه مباشرة: "كنتُ أتوقع أن نبدأ العمل معاً." --- كانت الجملة بسيطة… لكن معناها واضح: لقد بدأتما بدوني؟ --- جلست إليانور تحاول تغيير الجو: "قرأنا فكرة صغيرة فقط." --- لكن آرثر اكتفى بهزّ رأسه، وجلس في الجهة الأخرى من الطاولة، مقابلاً لهما. ليس قريباً… ولكن ليس بعيداً أيضاً. مكانه الجديد كان يفرض حضوراً واضحاً، وكأنه يقول دون كلام: أنا هنا. --- بدأوا العمل...جولان يشرح، ليلى تكتب، وآرثر يراقب التفاصيل بدقة مبالغ فيها. كلما مال جولان نحو إليانور ليشير إلى كلمة، يرفع آرثر عينه من الورقة ويرمقه بنظرة قصيرة… ليست نظرة عدائية، وإنما نظرة إنسان يحاول أن يفهم: هل هذا ضروري؟ هل أنت فعلاً مضطر لهذا القرب؟ --- وجولان… لم يكن بليداً. فهم بسرعة أنّ الجو تغيّر، فصار أكثر رسمية، وأكثر بعداً، وأصبح يشير بالقلم من مكانه بدل الميلان نحوها. --- بعد نصف ساعة، خرج جولان لإحضار كتاب من الرفوف. بقي آرثر وإليانور وحدهما...كان الجو ساكناً. نظرت إليانور إليه وقالت بهدوء: "لماذا تشعر أن الأشياء يجب أن تكون بالضبط مثل ما خططتَ لها؟" --- أجاب وهو يرتب الأوراق: "ليس الأمر هكذا… فقط أحبّ أن يكون العمل واضحاً. وعندما يبدأ جزء منه بدوني… أفقد بعض التركيب." --- فهمت ليلى النبرة تحت الجملة...لم يكن يتكلم عن المشروع فقط. قالت: "لم يكن عن قصد… جولان فقط بدأ يتكلم، وأنا تبعته في الكلام فقط." --- رفع آرثر عينيه إليها. لم يكن غاضباً… فقط حاضر، مركز، وكأنه يريد التأكد أنّ كلامها صادق. "فهمت"، قال أخيراً. --- لكن طريقته في قول "فهمت" لم تكن فعلاً نهاية الموضوع… بل بداية شيء جديد، شيء يدفعه إلى أن ينتبه أكثر. --- عاد جولان، واستُأنف العمل، لكن المشهد تغيّر: آرثر أصبح أكثر مشاركة. أكثر ملاحظة. أكثر رغبة في أن يكون هو من يشرح، وهو من يقدم الأفكار، وهو من يقود النقاش. ليس لأنه يريد السيطرة… ولكن لأن شيئاً بداخله لا يحبّ فكرة أن يكون شخص آخر قريباً من إليانور أكثر مما ينبغي. لم يكن كلاماً… ولا اعترافاً… ولا أي شيء مباشر. كانت فقط غيرة هادئة، من النوع الذي لا يُقال، لكن يُرى في التفاصيل الصغيرة: في طريقة جلوسه…في تركيزه على كل كلمة…وفي حرصه على أن يكون جزءاً من كل لحظة. --- وقبل أن يغادروا، قال آرثر بصوت هادئ جداً، موجّهةً كلمته لإليانور: "غداً… نبدأ كلنا معاً. من الأول." --- أومأت إليانور: "أكيد." --- أما جولان… فاكتفى بابتسامة صغيرة بدا عليها أنه فهم كل شيء. ولم يعلّق.