الفصل 42
{ما بين الكلمة والصمت}
---
في صباح اليوم الموالي، كانت المدرسة تعج بحركة غير معتادة. الأسبوع الأخير قبل المناظرة جعل الجميع في حالة ترقّب، وكأن حدثاً كبيراً يقترب، وكل واحد يحاول أن يثبت مكانه فيه. أمّا إليانور، فكانت تمشي في الممر الطويل وهي تحمل دفترها، تحاول أن ترتّب في ذهنها آخر النقاط التي ناقشتها مع آرثر وجولان.
---
وصلت إلى قاعة المكتبة، فوجدت آرثر جالساً قبلها. كان ينظر إلى نافذة عالية، كأنّ شيئاً ما يشغل باله، ليس له علاقة بالكتب ولا بالمناظرة. عندما دخلت، انتبه لها، لكن لم يبدُ عليه أي ارتباك… فقط أدار مقعده نحوها وقال بصوت هادئ:
"لدينا عمل كثير اليوم."
---
كلام بسيط، لكن طريقته في قوله كانت تحمل معنى آخر… معنى أنّه مستعدّ ليكمل، مهما تعقّدت الأمور.
---
جلست إليانور أمامه، وبدأت تقرأ بصوت منخفض، بينما كان هو يكتب النقاط الأساسية في ورقة كبيرة. لم يكونا بحاجة إلى كلام كثير؛ بعد كل تلك الأيام من العمل، أصبح كل واحد يفهم طريقة تفكير الآخر دون شرح طويل.
---
بعد دقائق، فتح الباب ودخل جولان كعادته، يحمل بين يديه كتاباً سميكاً، وعلى وجهه نفس الابتسامة الهادئة.
"اليوم احضرت لكم شيئ يمكن أن تفيدكم في الحجّة الختامية."
---
مدّ الكتاب نحو آرثر، فأخذه وشكره، لكن نبرة صوته كانت مختلفة قليلاً… كأنه يريد أن يبقي المسافة بين العمل وبين تدخلات جولان.
---
مع ذلك، لم يكن هناك توتر حقيقي. فقط… شيء صغير، مثل خيط رفيع لا يراه أحد، لكنه موجود.
---
جلس الثلاثة حول الطاولة، وبدأوا النقاش.
جولان يقترح فكرة قوية.
إليانور تحوّلها إلى صياغة واضحة.
آرثر يعيد ترتيبها بطريقة عملية وقابلة للتقديم.
---
كان واضحاً أنّ الفريق أصبح أكثر نضجاً. كل واحد اصبح يعرف دوره بدقة.
---
بعد ساعة من العمل المتواصل، قررت إليانور أخذ استراحة قصيرة. خرجت إلى ساحة المدرسة، وجلست على مقعد تحت شجرة قديمة. الهواء منعش، والضوء المتسرب بين الأغصان يعطي المكان هيبة غريبة… كأن الشجرة نفسها تشهد كل ما يحدث.
---
بعد لحظات، لحق بها آرثر. لم يجلس بقربها مباشرة، بل اختار مقعداً مقابلاً لها، مسافة صغيرة بينهما… لكنها مسافة محسوبة، لا تزيد ولا تنقص.
هز آرثر رأسه وقال:
"أظن أن جولان مفيد للمشروع"
لكن نبرة صوته كانت تترك مجالاً لشيء آخر. لم يكن معترضاً على وجود جولان، لكنه لم يكن راضياً تماماً أيضاً
---
قالت إليانور بهدوء.
"نعم...مفيد"
---
سألته إليانور:
"لماذا تشعر دائماً يجب أن تكون مركز في كل شيئ يخص المشروع؟"
---
أجاب بعد صمت قصير:
"لأن هذا العمل مسؤولية… ولا أحب أن يضيع بسبب فوضى."
---
لم يكن يقصد جولان مباشرة، لكنه كان يضع حدوداً دون أن يقولها بشكل مباشر. إليانور فهمت ذلك، لكنها لم ترَ في كلامه سوى حرص طبيعي.
---
وفي تلك اللحظة، خرج جولان من المكتبة متجهاً نحوهما. لوّح بيده من بعيد وهو يقترب، ثم جلس بجانبهما.
"وجدت نص آخر يمكن أن نستخدمه في الجزء الختامي. ويمكن أن نتركه نقطة قوة في خطابكم."
---
لم يكن كلامه خاطئاً، بل بالعكس… لكنه جاء في لحظة حسّاسة، حيث كان كل واحد يحاول أن يفهم الآخر بصمت.
---
مع وصول جولان، تغيّر الجو قليلاً. ليس نحو الأسوأ، ولكن نحو التعقيد.
---
أصبحت الأمور مثل لوحة فيها ثلاثة ألوان:
لون قوي… لون هادئ… ولون يظهر ويختفي بذكاء.
---
قبل نهاية اليوم، جمع آرثر أوراق المشروع وقال:
"غداً نراجع الجزء الأخير… يجب أن يكون مضبوط."
---
وافق جولان، وأومأت إليانور برأسها.
لكن وهي تعود إلى البيت، شعرت أنّ المناظرة لم تعد مجرد نشاط مدرسي.
صارت امتحاناً صغيراً:
امتحان للثقة…
وللمواقف…
وللقدرة على العمل معاً رغم كل التغييرات.
كانت تعرف أن الأيام القادمة ستكشف الكثير.
لكنها لم تكن تعرف أن ما سيحدث لاحقاً… سيكون أهمّ مما تتوقع.