الفصل التاسع والثلاثون
" the writer Aridj "
.
.
.
كان يجلس في مكتبه كملكٍ يعتلي عرش أفكاره، يسند ساقاً فوق أخرى، ويُدوّر قلمه الفضي بين أصابعه كأنّه يعزف به على أوتار صبرٍ شارف على الانقطاع. كانت أماني تتصدّر مخيلته، ويُرهقه التساؤل عن سبب هذا التأخر في أن يُخبروه بقبولها… أو رفضها.
ومع ذلك، ظلّ الإيمان الراسخ يسكن صدره؛ ثقةٌ بنفسه تكاد تُعانق الغرور، ويقينٌ لا يتزعزع بأن ابنة خاله لن تُدير ظهرها له، وستراه الرجل الذي يستحق أن تشاركه ما تبقى من أيامها ....متناسياً،و متجاهلاً، ذلك الحصن الصلب الذي تبنيه أماني حول قلبها، وتعصبها الشهير ضد الحب وما يمتّ له بصلة.
تسلل صوت باب المكتب وهو يُفتح ببطء، كأن الهواء نفسه يمهد الطريق لداخلٍ يعرف المكان جيداً. ظهر شقيقه التوأم، نسخة منه تكاد تكون مطابقة، لولا اختلافات طفيفة في لون الشعر ونبرة العينين؛ اختلافات لا تُضعف الشبه، بل تزيده فتنة، ليعجز الغريب عن التمييز بينهما لولا تلك اللمسات التي لا تراها إلا عينٌ مدرّبة.
انتفض من كرسيه مرحّباً، يتقدّم بخطوات تحمل مزيجاً من الشوق والهيبة، ثم ابتسم قائلاً/
هاه! وينك يا رجال؟ شكلك ناسي إن عندك أخ، ولا تبي تسحب عليّ رسمي؟
جلس عبد الرحمن ثم ابتسم ليرد / لا ذا ولا ذاك… بس عاد الدنيا ومشاغلها لعبت فيني شوي!
رحيم بنبرة استفسار ساخرة /الله يسامحك… شكلك ما لك خبر عن جديد أخوك، صح؟
رفع حاجبھ بإستغراب ثم قال /جديد ؟؟...وش عندك ؟؟؟
ضحك ضحكة صاخبة كأنھ يعبر عن انتصار ليردف /
داخل مود المعرس والتيارات ساحبتني معاھا .
تغيرت ملامح وجھھ قليل لكنھ حافظ على ھدوئھ /ومين اللي داعية عليها أمة محمد بالسوء يوم وافقت عليك ؟؟؟وماتشوف نفسك مستعجل شوي ؟؟
رمقه بنظرة حادة،فهو لا يطيق الاستفزاز، ولا يحتمل أن يُستهان به. كان يقف على حافة كبريائه، يرى نفسه قائداً في مملكة من الاحترام، وأن من ستتوج شريكة لحياته هي محظوظة بحق .... بل ھي أسعد بنات حواء، لا ريب في ذلك.
رفع يدھ الى شماغھ ليعدلھ تبدو حركة مألوفة لكنھ لم يعتد عليھا بعد ،فقد صاغت سنوات دراستھ في إيطاليا عاداتھ على الكلاسيكي والأنيق من قمصان مرتبة وغيرھا ، ثم أردف بكلمات تلامس أطراف الغموض /والله ما أظن انو في وحدة تلاقي واحد مثلي وماتقبل ...أكيد راح تقبل .ولو تقول اني مستعجل راح اقولك لا ھذا أحسن من اني اتزوج في 40 او 50 ضيعت نص الحياة .
كانت العبارة تتدفق كما لو كانت موسيقى ساخرة وهادئة في آن واحد، تعكس ثقة لا تتزعزع، وعالمًا داخليًا يختلط فيه الفخر بالعزة، والهيبة بالغموض.
ابتسم عبد الرحمن فمھما حاول ان يستفز اخاھ ولو بمزحة سيظل توأمھ الذي يثق في صواب قراراتھ /الي فيها خير، الله يقربها… وماناوي تقولي مين حرم أخويا.
التفت إليه رحيم، بابتسامته الهادئة، ثم صمت لوهلة كأن الكلمات تختلط في فضاء الغرفة قبل أن يطلقها /لا تستعجل… أنت تعرفها، وراح تشوفها وهي موافقة أكيد.
ظل عبد الرحمن صامتًا، وعيناه تتساءلان بلا صوت.... يعرفها؟؟ كيف؟؟ هل تقدم لخطبة إحدى بنات الأقارب؟؟ أسئلة تتصاعد في ذهنه كنبضات قلب متسارعة، لكنها اصطدمت فجأة برنين هاتفه، الذي قطع جسور الفضول والاستفسار بعزفه المفاجئ. تجنب كل ما كان يود قوله و التقط الهاتف ليجيب ....