مدينه لاتنام مرتين -1-
كانت مدينة أفالورين لا تشبه المدن التي تُرسم على الخرائط.
الخرائط تعشق الحدود الواضحة، الشوارع المستقيمة، والأنهار التي تجري كأنها تطيع قوانين البشر.
أما أفالورين فكانت مدينة تتنفس، تتمدد، وتعيد ترتيب أحيائها كما لو كانت تملك إرادة خاصة بها.
في الصباح، قد تجد مقهى عند زاوية شارع “إيلدور”،
وفي المساء، تختفي الزاوية نفسها، ويظهر درج يقود إلى سطحٍ لم يكن موجودًا بالأمس.
لم يكن الناس يتحدثون عن ذلك.
كانوا يتعلمون فقط أن يتأقلموا.
في أطراف المدينة، حيث البيوت منخفضة والأسقف مغطاة بألواح رمادية، عاشت إميرابث.
لم تكن جميلة بالمعنى الذي يجعل الرؤوس تلتفت.
كانت جميلة بالطريقة التي تجعل الهدوء يتبعها.
عيناها لمعتا دائمًا بشيء يشبه التفكير العميق، حتى حين لا تقول شيئًا.
كأنها تسمع صوتًا لا يسمعه الآخرون.
كانت تعمل في أرشيف البلدية.
وظيفتها بسيطة: ترتيب الوثائق، تسجيل الملكيات، أرشفة أسماء العائلات.
لكنها لاحظت شيئًا غريبًا منذ سنوات.
بعض الأسماء… لا تتغير.
تمر عقود،
يتبدل الحكام،
تُهدم أحياء،
لكن أسماء معينة تبقى في أعلى السجلات،
دائمًا في الصفحات الأولى،
دائمًا بحبر جديد.
عائلة بلاند.
عائلة كروفين.
عائلة هالدير.
أسماء تتكرر كما لو أن الزمن يدور حولها.
لم تسأل.
لم يكن من الحكمة أن تسأل.
في الجهة الأخرى من المدينة، في حي المرتفعات، حيث الشرفات منقوشة بالذهب الباهت، كان يعيش المعتصم.
هو لم يولد هناك.
انتقل قبل عامين فقط، بعد أن حصل على منحة دراسية في أكاديمية أفالورين العليا.
كان ذكيًا، بارد النظرة، يعرف كيف يبتسم حين يحتاج، وكيف يصمت حين يكون الصمت أقوى.
إميرابث عرفته منذ الطفولة.
نشآ في نفس الشارع القديم قبل أن ينتقل هو.
كان يركض أسرع من الجميع.
وكان يحلم أعلى من الجميع.
قال لها مرة وهما في الخامسة عشرة:
"أنا لن أبقى هنا."
لم تسأله إلى أين سيذهب.
كانت تعرف أن جوابه لن يكون اسم مدينة… بل اسم مكان فوق الجميع.
في ذلك المساء، التقيا مجددًا بعد غياب طويل.
كان اللقاء مصادفة، أو هكذا بدا.
كانت تمشي حاملة ملفات من الأرشيف إلى مكتب القاضي،
وعندما رفعت رأسها، وجدته أمامها.
لم يتغير كثيرًا.
لكن شيئًا في صوته أصبح أثقل.
"إميرابث."
اسمها خرج منه ببطء، كأنه يتذوقه.
ابتسمت.
لم تركض نحوه.
لم تتظاهر بالدهشة.
قالت فقط:
"كنت أعلم أنك ستعود."
ابتسم بطريقة لم تفهمها.
"أنا لم أعد… أنا أرتقي."
الجملة علقت بينهما.
ولأول مرة شعرت إميرابث بشيء يشبه البرودة يمر عبر صدرها.
لم يكن خوفًا.
ولم يكن حزنًا.
شيء آخر…
كأنها تسمع حجرًا يتحرك في مكان بعيد.
في نفس الليلة، في قصر عائلة بلاند، كانت آن تقف أمام مرآتها.
آن لم تكن تبتسم.
كانت تحدق في انعكاسها كما لو كانت تقيس العالم بعينيها.
دخل الخادم وهمس:
"المنحة الجديدة… الشاب الذي نقلتموه إلى الأكاديمية… حضر حفل الليلة الماضية."
رفعت حاجبها.
"اسمه؟"
"المعتصم."
توقفت لحظة.
ثم قالت بهدوء:
"أرسِل له دعوة."
لم يكن في صوتها شيء عدائي.
ولا شيء لطيف.
فقط قرار.
وفي مكان ما في المدينة، ارتجف مصباح زيتي فجأة وانطفأ دون سبب.
لم يلاحظ أحد.
في صباح اليوم التالي، عندما وصلت إميرابث إلى الأرشيف، وجدت ملفًا على مكتبها لم تضعه هي.
ملف قديم.
مغلف بجلد داكن.
بلا اسم.
فتحته.
في الصفحة الأولى…
كان اسمها.
لكن التاريخ المكتوب أسفله يعود إلى خمسين عامًا قبل ولادتها.
أغلقت الملف بسرعة.
ضحكت بخفة.
"خطأ أرشيفي."
هكذا أقنعت نفسها.
لكن عندما أعادت فتحه…
اختفى الاسم.
حل محله اسم آخر.
المعتصم.
وفي الأسفل، سطر واحد بخطٍ لم تعرفه:
"كل اختيار هو بداية حرب."
أغلقت الملف مجددًا.
هذه المرة، لم تضحك.
وفي حي المرتفعات، كان المعتصم يقرأ رسالة مختومة بشعار عائلة بلاند.
عيناه لمعتا.
وفي قصر بلاند، كانت آن تبتسم أخيرًا.
ابتسامة لا تشبه الفرح.
تشبه الترتيب.
أما أفالورين…
فكانت تعيد رسم أحد شوارعها بصمت.