الفصل الاول
حياة هادئة.
العطور ليس دائما معيارا للتزين بل حتى....الموت.
كنت واقفة في مختبر الصغير الذي يطل على غابة سحرية ذات منظر طبيعي خلاب، كان ضوء الشمس يتسلل من تحت الستائر يعلن عن بداية يوم جديد
بخيوطه المشرقة ،ونسماته الدافئة استطاع أن يضيء رفوف الكتب العالية ، على أصوات العصافير الذي تتراقص بين الأغصان و الأشجار وكأن الطبيعة تقول لي ابدئي يومك بطاقة وسلام.
لم يوقظني من تأملي سوى رنين الهاتف الحاد، دلالة عن ذلك أن شخص يرغب في عطر ما. سأكمل معكم تفاصيل حياتي بعد أن أرد عن المكالمة.
-نعم؟ هل ترغب في عطر يمزج بين رائحة الفراولة والأفوك؟
-نعم هذا ما أريده .
حسنا....لقد سمعتم المكالمة، والآن عرفتم قليلا عن تفاصيل حياتي.
اسمي روح، أعيش في مدينة أوكامي لم أعرف هذه المدينة جيدا، و كذلك لم أعرف أحد حتى والدي قط.كفى لا أريد الرجوع لذلك الزمن المظلم.
أنا فتاة في أوائل العشرينات من عمري هوايتي المفضلة هي صنع العطور بعد قراءة وليس أي قراءة ، بل رواية الرعب والضلال الداكنة تحديدا ، أحلم أن أصبح كاتبة غنية عن التعريف ، تكتب عن الخوف،الهوس، الرعب ، وعن أرواح تختبئ داخل قارورات أنيقة تحمل عطر....الموت.
وهي تتحدق في قارورتها الأنيقة المرصوصة بعناية، بغتة رجع بها الزمن إلى الماضي.... الماضي المؤلم.في طفولتها كانت تعيش في الميتم بين جدرانه الباردة ، الذي لا يحميها من عواصف الناس، حيث كانت مديرة الميتم أشبه بشبح مقوص يطاردنا في الليل. كانت هي الخوف والهلع بالنسبة لنا.
لا يمكن لأي طفل أن يشكوا أو يبكي من شدة الضرب، فجفت العيون من الدموع ، وأصبحنا مثل صحراء قاحلة ،ووجه شاحب،كئيب من حدة الأنين..مازلت أتذكر كل أيام الطفولة....كنت دائما أجلس وحدي في ركن و أبدأ بالبكاء.
لماذا؟وكيف؟ أليس من حقنا أن يكون لنا أب وأم يحمياننا من ذئاب الدنيا ؟ ولكن الجواب الوحيد: نحن أيتام، ولا يجدر بنا الكلام ،كان الكتمان بالنسبة لنا هو سيد التعبير . وجدنا أنفسنا بلا مأوى يأوينا ، ولا مأوى يحمينا.
لم أنس ولن أنسى تلك الفترة التي كانت أشبه بالموت من شدة قسوة مديرة الميتم ، التي تنظر لنا بوجه أمام الناس ، وتعاملنا في الخفاء بعنف وتعذيب .لن أنسى تلك الأيام ، ولن تمحى من ذاكرتي.
لكن رغم الألم والمعاناة تبقى نافذة مفتوحة لها ، هي الكتابة، التي تهرع بها من الواقع القاسي إلى عوالم الخيال.
كنت دائما أكتب عن الشجاعة ،الرعب لكي تبني لي القوة وتمنحني الشجاعة لمواجهة كل ما مررت به
وكلما وقفت أمام قارورتها الأنيقة ، كان العطر يذكرها بالكلمات والكتابة مثل تلك القارورت تحمل الموت والحياة معا، وأن الهوس بالكاتبة ،إلا ماهو ، يمنحها القوة والسعادة.
«مرصوصة» مرتبة.
«مقوص»وقح.