الفصل الثامن والثلاثون
" the writer Aridj "
.
.
تقدّم خالد بخطوات بطيئة، كأن الأرض تثقل أقدامه. وقف أمام رعد، وأغمض عينيه للحظة، إيماءة واضحة… إشارة صامتة تقول "لا تسأل… ليس الآن"
وفهم رعد........فهم من انكسار النظرة ما لم تستطع الشفاه قوله.......الوضع لا يُبشّر بخير، والوقت ينساب من بين أيديهم كالرمل، بلا رحمة.
وفي تلك اللحظة، اتخذ قراره.
لا بد أن يخبرها… أن يمنحها الحق الذي لا يُنتزع .....أن ترى كليهما قبل أن يرتشفا من كأس المنية.فنحن لا نعلم ما خُطّ في صحائف القدر، ولا بأيّ رحمة أو حكمة سيقلب الله الموازين.
هل سيعيد أرواحهم إلى صدورهم؟
أم سيسترجعها إليه؟
يا رب… لا تحمّلنا ما لا طاقة لنا بھ.
استدار نحو وعد، واقترب منها.
وقف أمامها بثباتٍ يائسٍ، ثم وضع يديه على كتفيها برفق، كمن يهيّئ قلبًا هشًّا لصدمةٍ لا مفرّ منها. رفع وجهها نحوه، لتلتقي عيناه بعينيها، وهناك… في ذلك العمق المرتجف، انكسرت الكلمات قبل أن تُقال.
وقال… بصوتٍ يحمل ثقل السماء/بقولك شي بس ....اجلسي بالأول
حركة رأسھا بنفي ودموع تنھمر من محاجرھا ،بدت وكأنھا تستبق كلماتھ وتتوسل بعينھا ان يرحم قلبا اوشك ان ينكسر تحت ثقل مالا يُحتمل .
تكلم رعد بحشرجة متعبة، كأنما يبحث بين أنفاسه عن كلمة لا تلسع قلبها ،عن كلمة أخف من وقع "حادث "، عن تعبير يخفف وطأة الفاجعة… لكن لا كلمة جاءت، ولا كناية استطاعت ستر الحقيقة، فبقي صوته وحده امام خيانة اللغة في اللحظة التي احتاجھا فيھا أكثر /يمھ وأبوي سوو حادث بالسيارة ...
لم يكمل حديثه، فقد رأى دهشتها وانكسارها التامّ، كأن قلبها ينهار أمام عينيه. لم تقوَ على نطق حرف، لم تستطع أن تقول " لقد ماتوا… وهم يحضرونني الآن لرؤية ذلك الشيء الأبيض المرعب."
لماذا يا أبي…؟لماذا… لما أخبرتك بأنني اشتقت لك، عدت إلى هنا؟ لماذا؟ لم أرغب برؤيتك هنا، كنت أنتظر رؤيتك في منزلنا…وأنتِ، يمّه… لماذا تتركونني؟ ألم تخبريني؟ عندما اعترضت على فكرة الزواج، ألم تقلّي إنك تريدين رؤية أطفالي؟ ألم تخبريني بأنك ستزوريني في مكتبي كطبيبة؟ لماذا تتركوني بهذه السهولة؟ أنا صغيرتكم… أنا وحيدتكم… لماذا تفعلون بي هذا؟ أليس لي الحق أن أعيش بسعادة؟ لماذا…؟
انفجرت الكلمات في صوتها المتقطع/ ماتوا…ا…؟؟
اقتربت من رعد أكثر، ويدها تضرب صدره بخفة، وصرخت /ليش خبيت عني؟ لييش… ليش ما قلتلي؟ لييييش يا رعد؟ كذبت عليّ… أنا أختك… أنا صغيرتك… لييش سويت فيني كذا؟ ودّيني عند يمّه… أريد أبوي… لا تفرقني عنهم!
وضع رعد رأسها على صدره، وضمها إليه كأنما يحاول أن يمتص كل الألم عن قلبها، وبين ذراعيه استسلمت، خافضة أوزار الحرب عن كاهلها، كما ينهار الجندي بعد معركة دامية، لتبقى هناك، بين دفء حضنه وصمت العالم المحيط بهما، كأن كل شيء توقف إلا نبض القلوب المتشابكة، والألم الذي يذوب ببطء بينهما.
رعد /هم عايشين، بروح أوديك تشوفيهم بعينك. ما أكذب عليك… من متى أكذب عليك؟ يا وعودتي، فيه واحد يكذب على بنتَه، على أختَه، على وحيدتَه؟
سارت معه بخطوات مثقلة بالحزن، كأن كل خطوة منها تئن تحت وطأة الفقد. أراد أن يدخلها غرفة والدها، لعلها تجد فيها بعض الطمأنينة، أو لعلها تلتمس بين جدرانها صدى الأمان الذي طالما حضنها. لكن شيئًا ما لم يكن على ما يرام… شيءٌ لفت انتباهه........
من الغرفة خرج رجل لم يكن من أصدقاء والدھ ، ولا من معارفهم، ولم يعرف أحد بعد بما حدث. كان صاحب بنية رياضية، قوي الملامح، لكن حضورَه حمل في طياته سؤالًا صامتًا: ما الذي يفعله هذا هنا؟ استدار الغريب بعد أن أغلق الباب، ووجوه الجميع، من بينهم رعد وأماني وخالد، تلمعت بالدهشة. هؤلاء الثلاثة عرفوا الوجه، لكن لم يفهموا سبب حضوره. كيف لرئيس في الـFBI أن يكون في غرفة والده؟ وما الرابط بين هذين العالمين المختلفين؟
التفت خالد وأماني إلى رعد، الذي كان واقفًا غارقًا في حيرته، لكنه أجّل الإجابة عن هذا التساؤل لوقت لاحق. ما يهمه الآن ليس الغريب، ولا ألغاز الحضور الغامض، بل من يرقد هناك في المستشفى، ومن يمسك بكفها، ومن سيمنحها الأمان.
دار مقبض الباب، ووفق أوامر الطبيب لم تسمح الممرضة بدخول أكثر من شخصين. بطبيعة الحال، كانا رعد ووعد. دخلا الغرفة، وما إن وقعت عيناها على والدها، حتى شدّت على قبضة رعد بقوة، كمن تبحث عن دعمٍ يثبّتها على أرض الواقع.
كان مستسلما لجوانب الفراش الأبيض الذي احتوى شحوب ملامحھ ، صدره ملفوف بالشاش، وعلى محياھ حفرت آثار الجروح. كان رعد يمسك بيدها، يدفعها بخفة نحو والدھا ، لتقترب . وقفت بجانبه، وانسكبت دموعها على يده، قبلتھا برفق، ووضعتها على خدها، محاولة أن تنقل إليه جزءًا من دفء قلبها.
كانت الأجهزة الطبية تحيط به، تصدر أصواتًا متقطعة تناطح صدى بكاء وعد الذي يملأ الغرفة بصمتٍ مؤلم. التفتت نحو رعد، وعيناها مليئتان بالحزن، وصوتها المبحوح يهتزّ كما لو حمل عمرًا من الوجع، قالت/
ھوو....مايتكلم !ليش مايتحرك؟؟؟
في تلك اللحظة، نسيت كل ما تعلمته من علوم الطب، كل سنوات الدراسة والتدريب، كل الحالات التي مرت عليها خلال تدريبها، وكأن الزمن وقف عندها، وجعلها جاهلة بأبسط التفاصيل. شعرت بأن قلبها يثقل، وأن عقلها خارت قواه أمام ما تراه.
التفتت نحو والدها، وجلست على ركبتيه برفق، واقتربت من رأسه، وضعت جبينها على جبينه، ثم رفعت رأسھا وقبلت جبينھ برقة تكسوها دموعها، وهمست بصوت يختنق بالحزن/
يابوي… جاوبني… أعلم أنك تسمعني… آسفة إذا سويت شي أزعجك… ما كان قصدي… جيت بس أقول لك أني اشتقتلك… آسفة… خلاص ما عاد أطلب منك شي… ماراح أقلك خليني أسوق… وسيارتي… ما أبيها… خلاص… قوم يابوي… قوم… أنا وعد بنتك… ما تسوي فيني كذا.
كان رعد يقف خلفها، كل كلمة تقولها تهزه من داخله، تكسر صمته وتثقل قلبه. كيف لقلب صغير أن يحمل كل شظايا الحزن؟ كيف يمكنه أن يخفف عنها؟ ماذا يفعل ليخفف عنها الألم؟
اقترب منها برفق، أمسك بيدها، وسحبها لتقف على الأرض، وأدارها نحوه، وقال بصوت منخفض وحنون /هو راح يصحى، ونرجع مع بعض للبيت… ونعيش كل لحظة مع بعض… ماتحزني… هيك… أنت تحزنيني وياك.
أخفضت رأسها، وانحنى شعرها على جنبيها، وكأنهما يتشابكان مع الألم ذاته، وهما يشاركان الحزن بصمت مؤلم. كانت تهمس بين دموعها /وعدني إنه راح يجي… وعدني إنه راح نروح للمزرعة معاه… ليش كذب عليا…
من خلفها، كان والدها يحرك إصبعه بحركة خفية، كأن وعيه يعود شيئًا فشيئًا إلى العالم المحيط. فجأة تغيّر صوت الأجهزة الطبية، وصرير قوي ملأ الغرفة.
استدارت بسرعة نحو الأجهزة، ثم ركضت نحو والدها، قلبها يخفق بعنف، ودموعها تتساقط بلا توقف. خرج رعد ونادى على الطبيب، بينما هرع الجميع إليه. دفعتهم الممرضة خارج الغرفة، ولم تسمح لهم بالبقاء، تاركة الصمت والقلق يملآن الأجواء..........