الفصل الخامس والثلاثون
" the writer Aridj "
.
.
.
وصل رسيم إلى المستشفى بعد رحلةٍ كانت أقصر من أنفاسه، وأطول من قلقه. كان يقود بسرعةٍ تتناقض مع حرصه على كل التفصيلات الصغيرة حول وعد؛ يحدّثها، يرفع صوتَه قليلًا ثم يخفضه، كمن يحاول أن يشدّ خيطًا رفيعًا يُبقيها متصلة بالواقع.لكن حرارة جسدها كانت أشرس منه، تسحبها إلى الضفة الأخرى من العالم، حيث لا يصل نداؤه ولا صوته .
أوقف سيارته أمام البوابة دون اكتراث لإشارة المنع. لم يكن هناك وقتٌ لتذكير نفسه بالقوانين، ولا مساحة في صدره لأي تفكيرٍ سوى أن وعد – بجسدها المنهك – تستند عليه، نصف غائبة، تتأرجح بين وعيٍ يتشبّث بها، وحمى تحاول افتراسها.
ترجّل من السيارة بخطواتٍ مرتبكة لا تشبه اتزانه المعتاد. التفّ حولها وفتح الباب الأمامي، اقترب منها بلهفةٍ صامتة، وهزّ كتفها بلطفٍ يائس.حاول أن يوقظها… لكنّها كانت أسيرة حرارتها، كعصفورٍ فقد طريقه، واختبأ في ظلالٍ لا يرغب بالخروج منها.
وقف لحظة، وكأنه يحاول استيعاب ما يحدث. رفع يده إلى رأسه، ومرّر أصابعه في شعره بحركةٍ ملأى بالضياع. لم يفكّر حتى في أن يقتحم المستشفى؛ عقله بدا مكبّلًا، وقلبه يسبق خطواته نحو المجهول.
أخرج هاتفه من جيبه بترددٍ ثقيل، مرّت ثوانٍ قبل أن يستجمع شتات صوته الرجولي.
ضغط على زر الاتصال… واتصل بخالد، كمن يلقي بنداءٍ أخير في ليلةٍ لا يريد لها أن تبتلع من يحب.
خالد بقلق /وينكم ...رسيم ...
رسيم /تعال انا برى المستشفى .
خالد وملامح وجھھ تتأرجح بين القلق مما يحملھ المجھول والخوف على رفيق دربھ الذي يرتمي كسجين لھذا المجھول اللعين / يخي ماتقول انو صار شي ..
رسيم بحدة /اطلع وراح تشوف وش صار .
خالد /وين أطلع ؟ مارح اخلي رعد لحالو ما أدري وش ممكن يسوي بواحد هنا.
رسيم /خالد، لا تجنّني! وعد هنا معي، حرارتها نار وماهي بوعيها! تبيني أقولك كذا؟ .....خلاص، الحين عرفت وش اللي صاير! تقدر تجي ....
خالد بانفعال /كيف؟ مين اللي خبرها؟! دقيقة بس، وجايك !
كان رعد غارقًا في شرودٍ ثقيل، يطارد عقله سؤالًا يجرُّ آخر، كأن روحه تمشي حافية فوق جمرٍ لا يبرد.
أهو ما زال قادرًا على شمّ رائحة أمّھ؟
تلك الرائحة التي كانت، يومًا، تعيد ترتيب الفوضى داخله وتسكب على قلبه طمأنينة لا تُشبه أي أمان.
ثم ينقلب السؤال في داخله، أكثر حدّة، أكثر وجعًا:
هل سيطلّ أبوه من ذاكرتھ كعادتھ، يربّت على كتفھ ويذكّره بأنه الرجل الذي ينبغي أن يكونھ؟ أم سيبقى مجرد ظلٍّ يمرّ به دون أن يلمسھ؟........كانت هذه الأسئلة تنخر رأسه، تمنعه من تمييز إن كانوا — هو وأقداره — ما زالوا أحياء أم أنهم يتحركون في رمادِ حياة انتهت منذ زمن.
لكن حين ارتفع صوت خالد، صوتٌ متوتر، منفعل، مخنوق … التفت رعد فورًا.لم يحتج إلى تفسير. لم يحتج حتى إلى جملة كاملة. يكفيه ارتجاف نبرة خالد ليعرف أن الأمر يمسّ وحيدتھ… يمسّ أخته. آخر من تبقّى له، وآخر خيط يربطه بالحياة.
سار نحو خالد بخطواتٍ متوترة، بدايتها سؤالٌ يلهب صدره، ونهايتها يقينٌ مرّ يعرفه قبل أن يسمعه.
توقّف أمامه، الحدّة في عينيه، وقال بصوتٍ منخفض لكنه مشدود كالوتر /وش فيه…؟ قول، لا تخلّيني أتصوّر الأسوأ.
أغلق خالد الهاتف ببطء، ورفع رأسه نحو السقف كما لو كان يبحث عن مهرب من عيني رعد، من نظرة تخترق كل شيء. حاول أن يجد ملاذًا في الهواء الفارغ، لكن سرعان ما عاد ببصره إليه، محاولًا أن يواكب شعور رعد بكذبة بيضاء، هادئة، تكفي لتخفيف وطأة الموقف، ولو قليلاً.
لكنه كان يعرف جيدًا أنها لن تنطلي على رجل عاش معه سنوات، رجل درس ذكائه وحكمته ووزن العقلاء قبل أن يصل إليهم، رجل لا يخطئ قراءة العقول ولا ينسى الوجوه والخطوات. رعد، بهذا الفهم العميق، كان أكثر من مجرد صديق، كان شاهداً على كل ضعف وكل قوة، وكان قادرًا على تمييز الحقيقة من الوهم بمجرد نظرة أو حركة.
وقفا في صمت ثقيل، صمت يزن أطنانًا، كأن المكان كله محاصر بين السؤال والجواب، بين ما يُقال وما يُخفى. في هذا الصمت، كل حركة صغيرة لكل منهما كانت تحمل معنى، وكل رمشة عين كانت تختزل سنوات من العلاقة، سنوات من الثقة والتجارب والمعرفة المتبادلة.
ولحظة بلحظة، أدرك خالد أن لا مجال للكذب هنا، أن كل كلمة يجب أن تُختار بعناية، وكل نفس يجب أن يُحسّ بوزنه، لأن رعد لن يغفر أي ارتباك أو تضليل.
خالد بارتباك /لا مافي شي ؟؟
رعد بحدة /خااالددد ...
خالد /وعد ..
ثم اردف بإسترسال متجاھلا نظرات رعد فھو يعرف انھ سيعرف الإجابة منھ دون ان يكون لھ اختيار .
وعد مع رسيم وحرارتھا مرتفعة و...
ضرب بقبضتھ الحائط لا يريد سماع المزيد لا يحتمل رؤية ثلاثتھم يستلقون على تلك الأسرة البيضاء ...استدار نحو خالد وقال /وينھم لحين ؟؟
خالد /قدام المستشفى
اندفع رعد بخطوات مسرعة نحو بوابة المستشفى، كل خطوة منھ تتلاحق كقلبٍ يفيض بالخوف والرهبة، كأن الأرض تهتز تحت قدميه. كان قلبه يصرخ باسمها قبل أن يصل إليها، باسم أختھ ورفيقتھ، التي لا يقبل أن يمسّها سوءٌ مهما كانت الظروف، مهما اشتدت الرياح والليالي المظلمة.
تسارعت أفكاره، تتقاطع بين الأمل والخوف، بين ما يعرفه وما يخاف أن يراه بعينيه. كيف ستبدو الآن؟ هل ستتعرّى حياته من معنى العائلة، من دفء الحنان والأمان، ليصبح كل شيء مجرد فراغٍ قاتم؟
كل ثانية تمرّ كانت تشبه دقة قلبٍ متسارعة، كل نسمة هواء كانت تحمل معها وطأة الخطر، وكل خطوة للأمام كانت صراعًا بين العقل الذي يحاول السيطرة والعاطفة التي تشتعل داخله بلا رحمة.
اقترب من البوابة و عينيه تلتقطان كل حركة، كل همسة، كل ظلّ، كما لو كانت الحياة كلها محتواة في تلك اللحظة الواحدة. لم يكن مجرد رجل يسعى لرؤية اختھ، بل كان رجلًا يواجه قلقه الأكبر، خوفه الأعظم، وولعه الذي لا يعرف حدودًا بالأمان والحماية.
وفي قلبه، كان يعلم شيئًا واحدًا بلا منازع: مهما حدث، مهما كانت المفاجآت القاسية، لن يسمح لسوءٍ أن يرسو على موانئ قلبھا … ولن يسمح لليأس أن يسرقه من عائلته ومن معنى حياته