الفصل الثاني والاربعين :
بعد مرور ثلاث اشهر ...
كانت ربى قاعدة في الصالة جنب حماتها،
بيحضّروا سوا مسلسل وبيضحكوا على المشاهد كأن مفيش همّ في الدنيا.
ربى كانت في شهرها السابع، وبطنها بدأت تبان أكتر،
إيديها على بطنها، كل شوية تبتسم وهي حاسة بحركة بنتها الصغيرة.
وفجأة، سمعوا خبط وصوت عالي عند الباب...
صوت صراخ ودووشة، كأنه في خناقة برا.
"إيه الصوت ده؟! استني يا بنتي، أنا هاشوف مين!"
لكن ربى، بطبيعتها الفضولية،
ماقدرتش تفضل قاعدة،
قامت وراها بخطوات بطيئة، ماسكة في الحيطة عشان توازن نفسها.
ام ناجد فتحت الباب...
ولقت زين واقف زي الحيطة قدامه
وشه متجهم وعينيه مليانة غضب،
قدامه بسمة — مرات عم ربى —
اللي كانت باين عليها إنها جاية مولعة نار.
بسمة بصوت عالي
"إنت فاكر نفسك مين يا زين؟! دي عيلة بنت اخ جوزي مش أي حد!"
زين وهو لسة متحكم في أعصابه
"أنا مش جاي أتعامل معاكي بالشكل ده يا هانم ، بس ارجعي بيتك قبل ما يحصل حاجة تندمي عليها."
بسمة شافت ربى واقفة ورا الحماة،
ولما نظراتهم تقابلت، خطوة بخطوة قربت منها.
عينها نزلت على بطن ربى المنتفخة،
وقالت باستنكار حاد
"آه، خلاص... هتولدي؟ طب ماشاء الله!
بس ليه ماحدش عرف؟! ازاي تحملي وماتخبريش عيلتك؟
نسيتي إن ليكي أهل؟! ازاي تسيبينا نسمع من الناس ؟ "
مامت ناجد حاولت تتدخل
"لو سمحتي يا مدام بسمة، وطي صوتك شوية ، البيت مش ساحة خناق اتفضلي ونتكلم جوه"
بسمة بحدة مخففة
"أنا مش جاية أتكلم معاكي حضرتك ، أنا جاية أتكلم مع قريبتنا العزيزة دي!"
ربى رفعت حاجبها،
وبنبرة باردة جدًا قالت
"طيب... اتكلمي هنا، ما فيش داعي تدخلي."
بسمة اتصدمت
"إيه؟! يعني مش هدخليني بيتك؟!"
ربى بهدوء مستفز
"مش محتاجة. اللي عندك قوليه وخلاص."
بسمة بصوت عالي
"انتي نسيتي نفسك ولا إيه؟!
انتي ليكي عيلة، وليكي عمّ، ومينفعش تتصرفي كده!"
ربى بضحكة قصيرة فيها استنكار
"عيلة؟!
هما فين لما كنت محتاجة كلمة؟
ولا لما جوزوني وقالولي بالحرف (ما نسمعش صوتك تاني)؟
دلوقتي افتكرتوا إن ليّا أهل؟"
بسمة بتحاول تبرر
"احنا كنا بنحافظ على مصلحتك يا ربى،
بس واضح إنك دلوقتي انتي اللي مش عايزة تشوفي حد."
ربى بحزم
"أيوه، بالضبط. مش عايزة.
خليكم بعيد، كل واحد في حاله، وأنا في حالي."
بسمة بعصبية
"عمّك هيزعل جدًا، وهيتبرأ منك لو مااعتذرتيش!"
ربى هزت كتافها بعدم اكتراث
"خليه يعمل اللي يريّحه، بس يسيبني في حالي."
بسمة بتتراجع خطوة
"انتي نسيتي نفسك فعلاً...
بس فاكرة؟ هييجي اليوم اللي جوزك هيطردك فيه،
وساعتها هتعرفي إن مافيش ليكي مكان ترجعي له!"
ام ناجد بتشد ربى ناحية الداخل
"تعالي يا بنتي، سيبيها. كفاية اللي اتقال."
دخلوا الاتنين،
بس لسه كلام بسمة بيرن في ودان ربى اللي ماكنتش عارفة انه بسمة مش مهتمة بيها ولاحاجة هي أكيد كانت عايزة تربط نفسها وتحصل فلوس اما عمها فهو من النوع اللي مش عايز حاجته تعمل حاجة من غير علمه حتى لو رماها.
و اللي فجأة،
حست بألم شديد فبطنها...
إيديها مسكت بطنها وهي بتتأوه،
ربى بصوت متقطع
"آاااه... ماما... بطني...!"
ام ناجد مفزوعة
"يا ساتر! يا ربى، مالك؟! "
ربى بتصرخ
" شكلي بولد هولد... يا ماما... البنت!"
ام ناجد
"في الشهر السابع! لا حول ولا قوة إلا بالله تنفسي يابنتي ..."
والصوت اتحول لفوضى حقيقية،
الحماة بتجري تنادي زين
وزين بيطلع موبايله يتصل على ناجد،
وربى ماعادش في بالها حد...
كل اللي في دماغها دلوقتي
"ناجد... هي عايزة ناجد...!"
________
ناجد كان واقف عند باب الشركة، ماسك مفتاح عربيته وباله في حتة تانية تمامًا.
كان جاي له رسالة مهمة … رسالة قلبت عليه اليوم كله، وخلاص كان هيتحرك عشان يشوف الموضوع.
فتح باب العربية…
قبل ما يدخل، تليفونه رَن.
زين.
رد وهو بيقفل الباب بنص تركيز:
" لو الموضوع مش مهم يازين اجله"
لكن زين صوته كان مهزوز وهو بيصرخ تقريبًا:
" باشا! اسمعني وماتقفلش! الموضوع ضروري !"
ناجد اتجمد لحظة.
حاجة في نبرة زين خلّت قلبه يقع من مكانه.
"زين… في إيه؟"
وزين نفَسُه كان متلخبط:
" الهانم… بتولد!"
الكلمة نزلت على ودنه زي صدمة كهربا.
بتولد؟!
في الشهر السابع؟!
ناجد ماحسّش بنفسه…
باب العربية اتفتح بعنف، رمى الموبايل على الكرسي، وركب وهو بيقفل الباب بقوة.
كل حاجة في دماغه اختفت…
الرسالة… الشخص اللي كان رايحله… الخطة اللي كان مجهزها…
كل ده اتلغى.
صوت موتور العربية أعلى من المعتاد، وناجد ضغط على البنزين بمنتهى العصبية.
إيديه ماسكة الدريكسيون جامد لدرجة إن مفاصله بيضا.
وعينيه بتلمع بخوف عمرك ما كنتي متخيلة إنه ممكن يبان عليه بالشكل ده.
العربية كانت بتجري،
وهو ماكانش شايف الطريق قد ما كان شايف صورة ربى وهي بتتألم…
شايفها لوحدها…
شايف بنته الصغيرة اللي لسه ماكمّلتش شهورها.
"استحملي يا ربى… أنا جاي… أنا جايييك."
في اللحظة دي، كان ناجد مش مجرد راجل جري على المستشفى…
كان أب لأول مرة، وجوز خايف يخسر كل حاجة في ثانية.
_______
المكان كان مليان دوشة، أصوات عربيات، خطوات مستعجلة…
ووسط كل ده، عربية اللي كان سايقها زين وقفت قدّام باب الطوارئ بسرعة.
ربى كانت متكوّرة على نفسها في الكرسي الخلفي، بتتنفس بصعوبة، وبتحاول تتحمل الوجع اللي كان بيزيد كل لحظة.
وشها شاحب، عرق على جبينها، وإيديها ماسكة بطنها كأنها بتحاول تهدي البنت اللي مستعجلة تطلع.
نعيمة نطّت من العربية أول ما وقفت، فتحت الباب بسرعة:
"انزلي يا بنتي… يلا بسرعة… يا ساتر يا رب! استحملي… استحملي يا ربى!"
ساعدتها تقف، ودخلت بيها جوه الطوارئ وهي بتزعق:
"حد يشوف لنا دكتور! البنت بتولد!"
جوه المشفى…
رائحة المعقمات مالية الجو، أصوات أجهزة، مرضى، خطوات بتجري…
لكن كل ده كان بعيد عن ودن ربى، لأنها كانت غرقانة في موجة الوجع اللي بتقطع نفسها.
لحظات وطلعوا لها كرسي متحرك، وقعدوها فيه بسرعة.
نعيمة كانت بتلف حوالين نفسها، مش عارفة تهدى، وهي بتقول:
"فين الدكتورة المسؤولة عن حالتها ؟ فينها؟!"
ممرضة شابة ردّت ببرود قاتل:
"الدكتورة في إجازة يا مدام… مش لسه باقي على ميعاد الولادة ؟ يعني المفروض مايحصلش ولادة دلوقتي…"
نعيمة قربت منها خطوة، عينيها ولعت:
"يعني البنت بتموت من الوجع وانتي بتقولي ميعاد؟! هتموت؟! ما فيش ولا دكتور زفت هنا؟!"
الممرضة، بنفس البرود:
" ما اظنش …"
ربى كانت بتتلوّى على الكرسي، دموع نازلة من الوجع:
"آاه… ياااه… بطني…"
ونعيمة بدأت تفقد أعصابها أكتر:
"حد يرحمنا بالله؟! البنت هتولّد دلوقتي!"
وبين كل الأصوات، الباب اتفتح بعنف…
ودخل ناجد.
كان لابس بدلة، بس هدومه مكركبة من الجري…
جبينه مليان عرق، ونَفَسه سريع…
وعينيه بتلف على المكان لحد ما وقعت على ربى.
في نفس الثانية، جري عليها.
انحنى قدامها، ركع تقريبًا…
مسك وشها بإيد، والتانية مسك إيدها اللي كانت بترتعش من الوجع.
ناجد بصوت متوتر لكنه بيحاول يهدّيها:
"بصيلي… أنا هنا… ربى! اسمعيني… أنا هنا."
ربى أول ما شافته، رغم الوجع، خدها هدى بسيط…
كأن خيط أمان مسك فيها فجأة.
إيدها شدت على إيده بقوة…
لدرجة إنها غرست ضوافرها في جلده.
ربى بصوت مكسور:
"ناجد… بنتنا… البنت…"
ناجد:
"هتبقى بخير… اتنفسي بس… ما تخافيش…"
نعيمة:
" الممرضة بتقول ما فيش دكتور ! والدكتورة بتاعة ربى في إجازة! البنت بتتقطع وهما واقفين! اعمل حاجة يا ناجد!"
ناجد وقف فجأة، ولكن ما سابش إيد ربى ولا ثانية.
اتحول من زوج خايف… لراجل غضبان جاهز يهدّ المشفى.
رفع صوته:
"فين المسؤول هنا؟!"
الممرضة الباردة قربت بخوف:
"يا فندم إحنا ..."
ناجد بحدّة تقطع الهواء:
"مش عايز أسمع كلمة!
يا إمّا دلوقتي حالًا تحضروا الدكتورة من بيتها…
يا إمّا تجيبوا أحسن دكتورة في المستشفى فورًا!
كل ثانية مراتي بتتوجع فيها… أنا هاقلب المكان دا فوق دماغكم!"
الممرضة فتحت بقها تعترض:
"بس يا فندم..."
ولسه هتكمل…
لكن ظهرِت كبيرة الممرضات.
ست في الخمسينات، محترمة…
وأول ما شافت ناجد… وشها اتوتر فورًا.
كبيرة الممرضات بصوت منخفض للممرضة:
"ده المغراوي… سكّتي خالص! انتِ جننتي؟!"
واضافت بتليين للوضع :
"أستاذ ناجد… حقك علينا… اتطمن، هنهتم بمراتك كويس جدًا. أنا بنفسي هتابع حالتها."
قربت من ربى، وبدأت تكشف عليها بسرعة.
ربى كانت بتتنفس بصعوبة…
بس ما كانتش عايزة تسيب إيد ناجد لحظة.
ربى هامسة له:
"ما تسيبنيش…"
ناجد قرب منها، وباس إيدها بحنان نادر:
"مش هبعد… أنا معاكي… وكل حاجة هتبقى تمام."
نعيمة مسكت كتف ربى من ناحية تانية:
"وانا جنبك يا بنتي… متخافيش…"
كبيرة الممرضات بصوت جاد بعد ما كشفت:
"نقلوها فورًا لنجهزها للولادة !"
وبضيق واضح، بصت على الممرضة التانية:
وانتي شيلي حاجتك و اتفضلي برّه.
اعتبري نفسك مطرودة."
الممرضة بصلتها بصدمة وبعدين بصت لناجد اللي ماكنتش فارقة معاه خالص ، مش شايفها عشان عيونه كانت بتشوف مراته قطعة من روحه او روحه كلها رايحة بعيد عنه .
______
اتحرك السرير بسرعة في ممرات المستشفى… عجلاته بتزنّ على الأرض، صوتها بيخبط في قلب ربى أكتر ما بيخبط في الجدران.
الإضاءة البيضا المبهرِة فوقهم كانت عاملة هالة مرعبة حوالين كل حاجة. ريحة المطهرات قوية… والدنيا برد.
ربى كانت نايمة على السرير… إيديها ماسكة الغطا من فوق بطنها وبتتنفّس بصعوبة، وكل شوية موجع جديد يخلّي جسمها ينتفض.
كانت بترتعش… مش من البرد، من الخوف.
جنبها ماشية نعيمة، ووراها ناجد…
شكله مصدوم، وشه متوتر، وجبينه مليان عرق كأنه جري من آخر الشارع لحد هنا.
وصلوا قدّام باب العمليات.
واحدة من الممرضات قالت:
"هنبدأ في التجهيز حالًا يا فندم… بس الدخول ممنوع."
ناجد ما فهمش… كأنه مش سامع.
قرب من السرير، وانحنى على ربى بسرعة… كفّ إيده لمس خدّها المرتجف ومسح عليه كأنه بيحاول يشيل الخوف من جواها.
بصوته المبحوح:
"ربى… أنا هنا، سامعة؟ هنا… مش هبعد."
ربى رفعت عينها عليه، دموعها نازلة بدون حتى ما تحاول تمسحها.
حست بدفء صوته وسط البرد اللي جواها.
همست بخوف وهي بتحاول تمسك إيده:
"ناجد… لو حصلّي حاجة..."
لسه مكمّلتش…
ناجد قطع الكلام فورًا، بنبرة حاسمة مرتجفة:
"لا… متقوليهاش تاني. مفيش لو. إنتي هتخروجي لي… إنتي وبنتي… فاهمة؟"
وقرّب إيده من جبينها وباسه:
"أنا مستنيكم… ولو اتأخرتوا هاقلب المستشفى دي فوق دماغهم."
ربى ابتسمت ابتسامة صغيرة… ضعيفة… لكنها كانت كل اللي باقي فيها من قوة.
غمضت عينيها وقالت بصوت واطي:
"يا رب… احفظ بنتي ...احفظ بنتي لابوها ..."
الممرضة قربت:
"لو سمحت يا أستاذ ناجد… لازم نكمّل."
بإيده اللي كانت ماسكاها، اضطر يسيبها… بس قبل ما يفلت، ضغط على صوابعها وقال:
"ربى… بصّي عليّا."
فتحت عينها…
شافت خوفه… وحنّيته… واتطمنّت رغم كل حاجة.
"هتقومي وهتشوفي بنتك… وأنا واقف برا هنا… مستني."
الممرضات بدأوا يحركوا السرير لجوة.
ربى كانت شايفة ناجد لحد آخر لحظة… لحد ما باب العمليات اتقفل قدّامها.
خارج غرفة العمليات...
ناجد وقف مكانه…
إيده لسه دافية من لمس ربى… لكن قلبه ساقع من الخوف.
استند على الحيط، مسك شعره من فوق وضغط عليه…
نَفَسه كان متقطع… كأنه هو اللي هيدخل عملية مش هي.
كان بيفكر في صرختها… في إيديها اللي مسكت إيده… في كلمة "لو" اللي ما خلاها تكملها.
عينيه كانت بتلمع… لكنه كان بيقاوم بكل قوته إنه ما ينهارش.
نعيمة قربت منه، لمست كتفه:
"ما تقلقش يا ابني… ربنا معاها."
ناجد ما قدرش يرد…
كل اللي قدر يعمله إنه يبص للباب المقفول
وكأنه بيحاول يفتحّه بعينه
ويقول لنفسه:
"يا رب… رجّعهم لي… الاتنين."
_____
الممرضة فتحت باب غرفة العمليات بهدوء، ومعاها ربى على سريرها، ووشها باين عليه التعب والنعاس بعد العملية، عينيها مغمضة بالكامل بسبب تأثير المخدر، لكن جسمها مستقر ورايح تمام.
زين وآيوب، وكل رجالة ناجد، كانوا واقفين على بعد مترين تقريبًا، قلوبهم بتدق بسرعة.
والد ناجد راغد، وسفير، وأخته، كلهم كانوا مش قادرين يسيطروا على قلقهم… شعور غريب بين الفرح والخوف.
لكن كان أكبرهم قلقًا… ناجد.
كان واقف على طرف الكرسي، كأنه خايف يتحرك.
ما كانش عارفه على مين يركز: على بنته ولا على مراته… لكن الحقيقة اللي في قلبه: كان عايز يشوف ربى أكتر من أي حاجة تانية.
الممرضة قربت وقالت بصوت هادي:
"أستاذ ناجد… الهانم بخير، العملية عدت بسلام، بس لسه تحت تأثير المخدر، عشان كده نايمة."
ناجد مش قادر يحرك لسانه… بس شاف ربى وهي نايمة، جسدها مسترخٍ، وحس بالراحة شوية، لكنه لسه قلبه متوتر.
الممرضة كملت:
"وبنتكم… كويسة برضه. هنحطها مع الأطفال اللي اتولدوا قبل ميعادهم عشان نحميها ونعتني بيها."
نعيمة، اللي واقفة جنب السرير، شدت يد ربى بحذر:
"طب… هي تمام؟ والبيبي… مش ناقص حاجة؟"
الدكتورة ضحكت وقالت:
"خليكم مطمئنين… الهانم بخير، والبيبي صحّتها ممتازة، وكل حاجة تمام."
ناجد انحنى على سرير ربى، مسح وشها بحنان رغم نعاسها، وقال بصوت منخفض:
"أنا هنا… كل حاجة هتبقى تمام… إنتي وبنتنا."
ربى مشيت ، والكل قام يحضن ناجد ويباركله الفرحة كانت كبيرة واسعة الدنيا كلها
وازاي لا ؟
فاميرة المغراوي نورت ...