الفصل الرابع
مرت السنوات، وكأنها رياح هوجاء تحمل معها كل شيء إلا نار الانتقام المتأججة في قلب آدم. لقد استعاد بصره بفضل أحمد، وتعمق في عالم المال والأعمال، متحولًا إلى قوة لا يستهان بها. بنى إمبراطورية جديدة، لا للمال بحد ذاته، بل كسلاح مصقول بعناية للانتقام. كان يتتبع خطوات ليلى وفارس (الذي أصبح يعرف باسم "فارس")، يراهما يتألقان في سماء الثراء، محاطين بهالة من النفوذ والصداقات التي تجعلهما يبدوان وكأنهما فوق القانون.
في إحدى الليالي الخريفية، وبعد اجتماع عمل مرهق، شعر آدم برغبة في الانفراد. سار على غير هدى في أحد المتنزهات الكبيرة، حيث تتداخل أضواء المدينة اللامعة بظلال الأشجار العتيقة. كان عقله منغمسًا في خططه المعقدة، يفكر في كل خطوة، وكل ثغرة يمكن أن يدخل منها إلى حصن أعدائه المنيع.
فجأة، اخترق صمت الليل صوت خافت، نحيب مرعوب، تلاه صفعات قاسية. توقف آدم. ذلك الصوت أيقظ فيه شيئًا كان يعتقد أنه مات منذ زمن بعيد: الإنسانية، والتعاطف. اتبع الصوت بخطوات سريعة، حتى وصل إلى مشهد أقشعر له بدنه.
تحت ضوء باهت من عمود إنارة قديم، كانت فتاة شابة ترتعش على الأرض، تحت أقدام فارس وليلى. كانت ملابسها ممزقة قليلاً، وعيناها مليئتين بالدموع والرعب، جسدها النحيل يرتعش كعصفور مبلل.
"ألن تفهمي أبدًا يا سلمى؟" قال فارس بصوت جليدي، وركلها بقدمه الخالية من الرحمة. "والداكِ ماتَا وانتهى الأمر. لا يوجد شيء لتحصلي عليه هنا!"
ثم تدنت ليلى، واقتربت من الفتاة بابتسامة خبيثة. "لا تعتقدي أن مجرد حزنك سيمنحك الحق في المطالبة بأي شيء. تعلمي حدودك، أيتها المسكينة!" وصفعتها صفعة قوية ألقت بالفتاة على الرصيف البارد.
اشتعلت نيران الغضب في عيني آدم. لقد رأى في هذه الفتاة المسكينة نفسه القديم، الضحية البريئة لمكرهم وجشعهم. تذكر الألم الذي عاشه بعد وفاة والديه، وكيف استغلته ليلى. لكن هذه المرة، لم يكن آدم الأعزل.
"كفى!" انطلق صوته عميقًا وقويًا، شق السكون كصاعقة. ظهر آدم من الظلال، واقفًا كالحارس بين الفتاة المرتعشة والزوجين المترفين.
التفتت ليلى وفارس، وارتسمت على وجهيهما ملامح الصدمة والذهول عندما تعرفا عليه.
"آدم؟!" همست ليلى، وتلاشت ابتسامتها المزيفة. أما فارس، فقد ضاقت عيناه، وامتزجت في نظراته عداوة قديمة وغطرسة جديدة.
لم ينتظر آدم ردًا. تحرك بسرعة، لم تكن تلك سرعة الشاب المكسور الذي عرفاه، بل كانت قوة رجل يعرف ما يريد. وقف أمام الفتاة، يحجبها عن أنظارهما. نظرته الثاقبة استقرت على فارس. "لن تمد يدك عليها مجددًا." كان صوته منخفضًا، لكنه حمل تهديدًا لا يمكن إنكاره، جعل فارس يتراجع لا إراديًا.
رفعت الفتاة، سلمى، رأسها ببطء، عيناها الواسعتان تلاقيان عيني آدم. في تلك اللحظة، تشكلت بينهما صلة صامتة، روحان جرحتهما الخسارة، وجدتا حماية غير متوقعة.
استعادت ليلى رباطة جأشها. "ماذا الآن، أيها المحطم؟ هل تلعب دور المنقذ؟ هذه مجرد فتاة حمقاء، لا تعرف مصلحتها."
تجاهلها آدم تمامًا، وبقي تركيزه على فارس. "أنصحكما بالابتعاد. الآن." لم يترك صوته مجالًا للمناقشة. كان الهالة القوية التي تحيط بآدم الآن محسوسة، تناقضًا صارخًا مع الشاب الضعيف الذي سحقوه من قبل.
فارس، على الرغم من صدمته، استعاد شيئًا من غروره. "هذا لن يغير شيئًا يا آدم. لم نعد نخشاك." لكنه حتى وهو يتحدث، كان يخطو خطوة للوراء، مستشعرًا التحول الخطير في آدم. لقد أدرك أن هذا ليس آدم الذي يعرفه.
بنظرة أخيرة مليئة بالاحتقار، أدار آدم ظهره لهما، ومد يده إلى سلمى المرتعشة. "لا تخافي. أنتِ بأمان الآن."
ترددت سلمى لحظة، ثم مدت يدها ببطء، لتجد عزاءً في قبضته القوية. بينما ساعدها آدم على الوقوف، شعر بشيء جديد يتوهج بداخله. الانتقام كان لا يزال يشتعل بضراوة، ولكن ربما، فقط ربما، كان هناك متسع للحماية، للرحمة، لإعادة البناء. لقد أنقذها، ولكن بطريقة ما، أنقذت هي أيضًا جزءًا منه، مذكرة إياه بالإنسانية التي كاد يفقدها في سعيه المحموم نحو الثأر. لقد وجد في سلمى رابطًا آخر لماضيه، وتأكيدًا جديدًا على أن انتقامه لن يكون مجرد تدمير، بل سيكون استعادة لحق ضائع، ليس له وحده، بل ربما لغيره أيضًا.