الفصل 6
دخلنا الكافيتريا، الجو هادئ نسبياً، لكن قلبي كان يعزف لحنًا مختلفًا. جلسنا مقابل بعض، وأنا أحاول ألا أرهق نفسي بالنظر إليه مباشرة، رغم أن كل شيء فيّ كان يصرّ على مراقبته.
أخذ لي القائمة وهو يبتسم بطريقة خفيفة: "اختاري اللي تحبيه… اليوم كل شيء على حسابي." ابتسمت بخجل، وأخذت أمرّ نظري على الوجبات بسرعة، كأن اختيار طعام عادي يمكن أن يكون اختبارًا سرّيًا.
اختيارتي وقعت على شيء بسيط… لكنه جعله يضحك: "أحسنت… واضح أنك تعرفين كيف تختارين الصح."
تلعثمتُ بالكلمات: "أ-أحاول فقط ألا أغلط." ضحك مرة أخرى، لكن ضحكته لم تكن مجرد ضحكة… كانت لطيفة، دافئة، وكأنها تقول لي: أنا معك هنا.
بدأنا نتحدث عن العمل، عن المشاريع، عن تفاصيل لا تهمني عادة… لكن حين كان يتحدث إليّ، كنت أشعر أن كل كلمة منه مهمة. ولم أستطع أن أترك شعورًا واحدًا يخرج من داخلي: أنه يراقبني… بطريقة تختلف عن أي مراقبة مهنية عرفتها من قبل.
أحيانًا كانت عيناه تتوقف على وجهي لأطول من اللازم. أحيانًا كان يبتسم وكأنه فهم شيئًا لم أستطع أنا تفسيره. وأحيانًا، بينما كنت أتحدث، كان يميل قليلًا للأمام، وكأن كل كلمة أقولها تستحق اهتمامه الكامل.
حين انتهى الغداء، وقفتُ وأنا أشعر بدوار خفيف: "شكرًا… على الغداء…" ابتسم وقال بهدوء، لكن بصوت جعل قلبي يخفق بشدة: "أكيد… ونفس الشيء لأي وقت تحتاجينه." ثم أضاف بخفة، كأنه يتحدث لنفسه أكثر من كونه يخاطبني: "أنا أحب أشوف الناس اللي تستحق… حتى لو ما يعرفون قدّيش يستحقون."
خرجنا من الكافيتريا، وكل خطوة كانت ثقيلة… ثقيلة من شعور غريب، مزيج من الفرح والخوف والارتباك.
كنت أعلم داخليًا أن هذا اليوم… لن يكون مجرد بداية عمل جديدة.
سيكون بداية… شيء آخر، شيء لم أتوقعه، شيء يجعل قلبي يرفض أن يظل هادئًا.