الفصل 5
جئتُ في أول يوم لي قبل الوقت بنصف ساعة. كنتُ أحاول أن أبدو هادئة، متماسكة، وكأن ما حدث في المقابلة مجرد لحظة عابرة… مجرد مجاملة من مدير تنفيذي مشغول.
لكن حين دخلتُ الشركة، رأيته.
كان واقفًا عند مدخل القسم… وكأنه ينتظرني أنا تحديدًا.
توقفت قدماي للحظة. لم أفهم لماذا قلبي انقبض ثم خفق بقوة، وكأنني لم أدخل وظيفة جديدة… بل أدخل فصلًا جديدًا من حياتي.
اقترب مني بابتسامة مختلفة تمامًا عن ابتسامة المقابلة. أدفأ، أقرب… أقل رسميّة بكثير.
وقال بصوت خافت، كأنه يتحدث فقط لي:
"كنت أتأكد إنك وصلتي بخير."
ارتبكت. لم أعرف ماذا أرد. اكتفيت بابتسامة صغيرة وقلت:
"ما توقعت إنك تنتظرني."
ضحك بخفوت وأشاح بنظره قليلاً:
"ولا أنا توقعت أسويها."
جملته اخترقتني بطريقة غريبة… لطيفة، مربكة، لا أعرف كيف أصفها.
رافقني إلى مكتبي بنفسه، وبدأ يشرح لي تفاصيل العمل. لكن ما كان يشغلني فعلًا ليس الشرح… بل الطريقة التي كان يتابع فيها ملامحي: كيف أرفع حاجبيّ حين أستغرب. كيف أشد شعري للخلف حين أتوتر. كيف أضم يديّ حين أحاول أن أخفي ارتباكي.
ثم حدث شيء بسيط… لكنه لم يكن بسيطًا عليّ.
سقط قلمه على مكتبي. مددتُ يدي لأعيده، وفي اللحظة نفسها مدّ يده هو أيضًا.
وتلامست أصابعنا.
توقفتُ أنا. وتوقف هو. لكنّه… لم يسحب يده مباشرة.
نظر إليّ نظرة طويلة، نظرة لا يفترض بمدير أن يعطيها لموظفة جديدة. نظرة فيها سؤال… واهتمام… وشيء يشبه الخوف من الاعتراف.
سحب القلم ببطء وقال بصوت منخفض جدًا:
"آسف…"
لكن اعتذاره لم يكن عن لمس يدي… بل عن شعور حاول إخفاءه وفضحته اللحظة.
أجبته بابتسامة خفيفة، لا أعرف من أين خرجت.
ثم ابتعد خطوة للأمام، وقال لي بنبرة أعمق مما ينبغي:
"إذا احتجتِ أي شيء… أي شيء… أنا موجود."
جملته استقرت داخلي بطريقة مؤلمة… جميلة… مربكة. لا أعرف.
خلال الساعات التالية بدأت ألاحظ شيئًا لم ألاحظه في المقابلة: نظراته لي ليست مثل نظراته لباقي الموظفين. صوته معي مختلف. قربه مختلف.
وفي الظهيرة، خرجت إلى الممر فوجدته واقفًا مع أحد المدراء. كان يتحدث معه بتركيز، لكنه بمجرد أن رآني… توقّف. كأن الكلام تبخر من رأسه.
ثم قال للمدير: "نكمل بعدين."
وتوجه نحوي بخطوات ثابتة، وكأنه يعرف تمامًا ما يريد قوله.
"ما تغديتي؟"
هززت رأسي بخجل.
ابتسم… تلك الابتسامة اللي أحسست أنها تُربك داخلي أكثر من اللازم:
"تعالي… الغداء عليّ. الكافيتريا اليوم هادية."
وبين كل خطوة وخطوة كنت أمشيها تجاه الكافيتريا… كنت أشعر أنني لا أذهب لغداء مع مدير.
بل أقترب من بداية… ما زلت خائفة حتى من الاعتراف بها لنفسي.