الفصل 4
تابعتُ الحديث معه، أشرح خبراتي السابقة بينما أحاول أن أثبت له أنني أستحق الفرصة.
لكنّي في داخلي كنت أحاول أن أفهم شيئًا آخر… لماذا أشعر بالراحة أمامه؟
ولماذا نظراته تشبه يدًا تمتدّ داخلي وتعيد ترتيب الفوضى؟
أنهى تدوين ملاحظاته، ثم أغلق الملف ووضع قلمه جانبًا.
رفع عينيه نحوي وقال بابتسامة خفيفة لكنّها ثابتة، كأنها موجهة لي وحدي:
"تعرفين… عجبني فيك شي."
توقفت أنفاسي لحظة.
قلت بارتباك خفيف:
"شي… مثل ماذا؟"
مال قليلًا للأمام، وصوته انخفض كأنه يريدني أن أسمع وحدي:
"ثقتك… رغم كل التعب اللي واضح أنك مرّيتي فيه."
شعرت بالحرارة تصعد إلى وجهي.
كيف لاحظ؟
كيف قرأ شيئًا حاولت أن أخفيه حتى عن نفسي؟
لم أعلّق.
فهو أكمل بنبرة فيها دفء لم أجده في أحد منذ زمن:
"مو كل أحد يملك الجرأة يبدأ من جديد. انتي سويتيها."
نظرت إلى يديّ، أحاول أن أسيطر على الارتجاف الذي عاد.
لكني قلت بصوت خفيف:
"أحاول… بس أحيانًا أحس إني وحدي."
ساد صمت قصير…
ثم قال هو جملة لم أكن أتوقعها:
"اللي يشتغل معنا… ما يكون وحده."
رفعت رأسي نحوه بسرعة، بذهول خفيف.
ثم أضاف وهو يشبك يديه فوق المكتب:
"وأنا… بصراحة، شايف فيك إمكانات كبيرة. وأعتقد إنك تقدرين تضيفين للشركة، وتضيفين لنجاحي أنا بعد."
كلمة نجاحي أنا لم تمرّ عليّ بسهولة.
كان فيها معنى آخر… اهتمامٌ لا يشبه اهتمام مدراء المقابلات.
اقترب من الملف وسحبه نحوه، ثم قال:
"فكرت أعطي جواب بعد يومين… لكن ما أشوف داعي."
ارتفعت أنفاسي بسرعة.
وسألته بصوت لا أعرف هل هو لي أم لقلبي:
"ماذا تقصد؟"
ابتسم…
الابتسامة اللي حسّيتها تلامس شيئًا داخلي بعمق.
"أقصد… الوظيفة لك."
اتسعت عيناي، شعور دافئ اجتاح صدري فجأة.
فرحة خفيفة امتزجت بحزن قديم ما زال يسكنني، كأنني للحظة شعرت أن الحياة تعطي شيئًا، بعد أن أخذت الكثير.
قال لي وهو يقف من كرسيه:
"أهلاً بك معنا… وأتمنى تكون هذي بداية مختلفة لك."
وقفت أنا أيضًا، وحين صافحني مرة أخرى…
نبض قلبي نبضة لم أخطط لها، نبضة شعرتُ بها في أطرافي، في صدري، وفي صوتي الذي لم يعد كما كان.
خرجت من المكتب وأنا أكاد لا أصدق…
ليس الوظيفة فقط، بل ذلك الشعور الذي عاد للحياة حين نطق اسمه، وحين نظر إليّ كأنني لست مجرد متقدّمة…
بل امرأة تستحق أن تُرى.