صمت قلعة الجحيم
كانت القلعة أكبر مما توقعت… لكنها في نفس الوقت تبدو كأنها ميتة.
ممراتها طويلة، مليانة غبار، والجدران متشققة وكأن الزمن كان يحاول يمحيها قطعة قطعة.
خطواتي كانت ترتّفع صدًى قوي، رغم إن مشيي كان بطيء وحذر.
الهواء بارد، كثيف، كأنه ثقيل على صدري.
دفعت أول باب صدأ، وفتح بصوت مزعج.
دخلت.
الغرفة كانت شبه فاضية، غير إن الأرض مليانة عظام بشرية متناثرة…
بعضها مكسور… بعضها عليه آثار حرق… وبعضها متآكل وكأنه كان في معركة أو تم تعذيب أصحابه قبل موتهم.
ركعت ولمست أحد العظام بأطراف أصابعي…
كانت باردة جدًا.
همست لنفسي:
"كم شخصًا مات هنا؟"
ما كان فيه رد… بس الصمت كان ثقيل لدرجة يخوف.
طلعت من الغرفة بسرعة، وقلبي يدق.
مشيت في ممر ثاني… الجدران فيه شبه منهارة، وبقايا أعمدة حجرية ساقطة.
على الجدار كان فيه خدوش كثيرة، كأن شخص كان يحاول يكتب أو يحدد الأيام اللي عاشها هنا.
مرتبة بطريقة فوضوية…
واحدة فوق الثانية…
بعضها محفور حتى انقطع الحجر.
قلت بصوت منخفض:
"هل كانوا مسجونين هنا؟"
مريت على غرفة ثانية، الباب فيها نصه مكسور.
دفعت الجزء المتبقي ودخلت.
كان المكان مليان تراب…
وسرير خشب معدوم ومكسور، وحوله عظام منتشرة كأن الشخص مات فوقه وانتهى.
اقتربت من السرير، وشي واحد شدني…
كان فيه خنجر قديم مرمي على الأرض، نصلُه مكسور، لكن المقبض عليه نقش غريب.
مسكته.
كان ثقيل.
قلت:
"هل كان أحد يحاول يقاتل… ولا يهرب؟"
رجّعت الخنجر مكانه وخرجت.
بدأت أتعمّق أكثر في القلعة…
الغرف تصير أكثر ظلامًا، والعظام أكثر عددًا، والجدران أكثر سوادًا.
مو بسبب النار… لكن كأن أحد حاول يكشط عليها أو يخدشها.
وقفّت عند نهاية ممر طويل.
في نهايته باب ضخم… مو مفتوح ولا مسحور…
فقط ثقيل ومصدي، ويبين إنه ما انفتح من سنين طويلة.
حاولت أفتحه…
بس حتى جسمي ما تحمّل وزنه.
قاومت شوي… لكن ما تحرك.
تنهدت ورجعت خطوة.
كانت القلعة صامتة بشكل مخيف…
ولا حسّ بشر…
ولا صوت هواء…
ولا أي علامة حياة.
بس كنت أعرف…
إن الناس اللي ماتوا هنا…
أصواتهم ما زالت عالقة في الجدران.
رفعت رأسي للممر وقلت بهدوء:
"لو كان الجحيم يبدأ هنا… فأنا مستعدة."
وتابعت استكشافي، وأنا أعرف إن هذا المكان…
ما كان مجرد قلعة.
كان مقبرة للمنسيين.