أنا التي لم تمت - الليلة المشؤمة - بقلم إكرام | روايتك

اسم الرواية: أنا التي لم تمت
المؤلف / الكاتب: إكرام
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الليلة المشؤمة

الليلة المشؤمة

الفصل السابع بعد أن صرخ العم مارك بصوتٍ حادٍّ آمِر: "ابتعدوا عنه فورًا!" توقف الجميع تلقائيًا، وكأنّ تيارًا كهربائيًا جمد حركتهم في مكانهم. ارتسمت على وجوههم علامات الدهشة والاستفهام، بينما أكمل مارك بنبرة صارمة لا تحتمل النقاش: "هذا الشاب يُدعى وليام، وهو ضيفي هنا. أريد منكم الاهتمام به، وتوفير كل ما يحتاجه. ولا أريد أن يقترب أحد من سؤاله عن سبب وجوده. أمره يخصني أنا وحدي... هل فهمتم؟" حرّك الجميع رؤوسهم موافقين في صمتٍ خائف، قبل أن يوجّه مارك نظره إلى جما قائلاً بجدية: "أعدّي له غرفة بسرعة، وحضري فطور. " أومأت جما بخضوع: "حالاً،عزيزي ." تفرّق الجميع إلى غرفهم، وبقيت فاليريا واقفة في مكانها تحدّق في وليام بحدة وريبة. رفع وليام يديه كعلامة استسلام، مبتسمًا بخفة: "سمعتي ما قاله عمك... أنا مجرد ضيف هنا، لا أكثر." تبدلت ملامحها إلى ابتسامةٍ خفيفة، ثم انفجرا معًا في ضحكة خففت حدة التوتر الذي ملأ المكان. بعد أن هدأت نوبة الضحك، مدت فاليريا يدها نحوه قائلة بلطف: "أهلاً بك، أنا فاليريا." ابتسم وليام بحنان: "تشرفت بمعرفتك، فاليريا." سألته وهي تحاول إخفاء فضولها: "هل لديك شيء تود فعله أو الحديث عنه؟ يبدو أنك مررت بيومٍ طويل." أخفض وليام رأسه قليلًا وقال بنبرة يغلفها الحزن: "لا شيء... فقط أشعر أنني تائه. ليس لأنني بلا بيت، بل لأنني بلا عائلة. بلا حضن أعود إليه حين يثقل العالم عليّ. بلا شخص يخاف عليّ أو يسألني إن كنت بخير... وهذا ما أفتقده أكثر من أي شيء." تأثرت فاليريا بكلماته، وشعرت برغبة في احتضانه والتخفيف عنه، لكنها اكتفت بالصمت. ابتسم وليام بخفة محاولًا تغيير الأجواء الكئيبة: "مارأيُك أن نلعب لعبة الحقيقة؟ بلا أسرار، فقط صدق بيننا... فأنا غريب عنكم، ولن أكون خطرًا عليكم." نظرت إليه بتردد ثم قالت: "حسنًا، فكرة مثيرة." ضحك قائلًا: "جميل، لكن بما أنك صاحبة الفكرة... أنتِ من سيبدأ أولاً!" أغمضت فاليريا عينيها للحظة، محاولة إيجاد سؤال مناسب. جالت فكرة في بالها، ففتحت عينيها ببطء وقالت بنبرة مترددة: "هل أنت مستعد لسؤالي يا وليام؟" ابتسم بخفة وأجاب: "دائمًا مستعد." زفر بعمق، كأنه يطرد كل خوفٍ دفين في صدره. قالت فاليريا بعد تردد: "ما هي قصتك يا وليام؟" رفع حاجبيه باستغراب: "قصتي؟ ماذا تقصدين؟" "أعني... أريد أن أعرفك أكثر. مثلًا، متى وُلدت؟ من هما والداك؟" تنفس وليام ببطء، وكأنه يستجمع شتات نفسه قبل أن يبدأ الحديث: "أنا وليام..." توقف للحظة، شعر أن لقبه لا يستحق الذكر، فتجاهله. "عمري تسعةٌ وعشرون عامًا. وُلدت في روسيا. أمي سافرت بي إلى هناك وهي حامل بي. كبرتُ دون أن أعرف والدي، ولا حتى صورة له. كلما سألتها عنه، كانت تصمت وتقول لي جملة واحدة فقط: (والدك تركنا، وكان سيتسبب في قتلي لأنني كنت حاملاً بك)." تحولت نبرته إلى كآبة عميقة وهو يضيف: "عندما كبرت، أصبحت حارسًا شخصيًا للسيد ماتياس مونت." شهقت فاليريا فجأة: "ماذا؟! أنت تعمل مع ماتياس؟!" نظر إليها باستغراب: "نعم، هل هناك مشكلة في ذلك؟" تداركت ارتباكها بسرعة وقالت بخجل: "لا... لا أقصد شيئًا، تابع." "بعد فترة... مرضت أمي بمرضٍ مميت. وقبل أن تموت، أخبرتها  أن أريد  أبحث عن والدي. وبالفعل أخبرتني قبل وفاتها ، بحثت عنه، وعندما وجدته... كانت الصدمة." نظرت إليه فاليريا بترقب: "ما الذي حدث؟" أطرق رأسه، وعيناه تمتلئان غضبًا ومرارة: "اكتشفت أن أمي كانت تكذب عليّ طوال حياتي... وأنها كانت خائنة. وأن ليس والدي الحقيقي هو.. عمك، مارك." اتسعت عينا فاليريا بدهشة: "عمي مارك؟! لماذا ذكرت اسمه؟" أدار وجهه مبتعدًا عنها، وقال بصوت منخفض ومليء بالغضب: "لا أريد الحديث عن هذا الآن... لقد استهلكت القصة كل طاقتي." بعد أن جمع وليام شتات نفسه، قال وهو ينظر إليها بثبات: "الآن حان دورك يا فاليريا، سأسألك أنا هذه المرة." ابتسمت بخفة: "حسنًا، أنا جاهزة." نظر إليها مباشرة في عينيها، كأنه يبحث عن شيءٍ أعمق خلفهما، ثم قال بهدوء: "ما سبب تشوّه نصف وجهك يا فاليريا؟" لم تتفاجأ من سؤاله، بل أخذت نفسًا عميقًا وهي تغرق في دوامة الماضي... فلاش باك: صوت أمها يتردد في المنزل: "صمود! صمود! تعالي إلى هنا بسرعة!" التفت الأب بعصبية: "ألم أخبرك ألا تناديها بهذا الاسم؟" تأففت الأم بضجر وهي تردّ: "أنا أحب هذا الاسم، وأريد مناداتها به. إنه يرمز إلى القوة والتحمّل بلغتنا العربية!" ردّ الأب بحدة: "وما شأني بلغتنا العربية؟ لقد سميتها فاليريا، ويجب عليكم جميعًا مناداتها بهذا الاسم!" اشتد النقاش بينهما، وارتفعت الأصوات. صرخت الصغيرة فاليريا، والدموع تملأ عينيها: "منذ زمن وأنتم تتشاجران! توقفا! أنا لا أحبكما عندما تتخاصمان!" أسرعت الأم نحوها بحنانٍ واضح، تضمها إلى صدرها: "آسفة حبيبتي، نحن لا نتشاجر، فقط نتناقش." قالت فاليريا ببراءة وهي تنشج بالبكاء: "أنتم لا تتناقشان... أنتم تصرخان. قولوا لي فقط بأي اسم تنادياني، لكن لا تتشاجرا." تبادلا نظرة قصيرة، ثم قالا بصوتٍ واحدٍ: "حاضر، يا صمود... يا فاليريا." ضحكت الصغيرة ببراءة، بينما خيّم الهدوء على المكان... لكن سرعان ما كسر ذلك الهدوء صوتُ طرقٍ عنيفٍ على الباب. ارتبك الأب وهرع لفتحه بحذر، فالوقت كان متأخرًا. فتح الباب ببطء، ليجد أمامه سيدةً أنيقة ترتدي فستانًا أحمر داكنًا وتحمل ملفًا في يدها وحقيبة صغيرة. تغيرت ملامحه فجأة، وقال بارتباك: "آه، ظننتكِ شخصًا آخر..." ابتسمت السيدة بخفة وقالت: "مساء الخير سيدي، أعتذر على الإزعاج في هذا الوقت المتأخر، لكن هناك بعض الأوراق العاجلة التي يجب إيصالها إلى المحكمة صباح الغد. كما تعلم، أنا محاميتك، وأحب أن أتابع أدق تفاصيل قضيتك." قال بنبرة رسمية: "حسنًا، تفضلي بالدخول." دخلت المرأة بخطواتٍ واثقة، فامتزجت رائحة عطرها القوي بأجواء القصر. مدّ جورج يده، وأخذ الأوراق منها ثم وقّع عليها بخط يده الواضح، وأعادها إليها بابتسامة متعبة: "ها هي الأوراق، شكرًا لقدومك يا سيدة غرين." همّت السيدة بالمغادرة، وما إن خطت نحو الباب حتى اهتز القصر فجأة بصوت ارتطام عنيف! دُفع الباب بقوة حتى كاد يتحطم على مفاصله، ودخل رجلٌ غريبٌ بعينين تشتعلان غضبًا. صرخ بصوتٍ عالٍ هزّ أركان القاعة: "افتح الباب يا جورج! لقد حذّرتك من أن تتلاعب بنا! هذه نهايتك!" تجمّدت إليزابيث في مكانها، بينما أسرع جورج إلى زوجته وابنته الصغيرة فاليريا، وقال بصوتٍ مرتجف: "خذي فاليريا وادخلا الغرفة السرّية! بسرعة!" كانت الكلاب في القصر تنبح بجنون، تستشعر الخطر قبل الجميع. ركضت الأم ممسكة بيد ابنتها الصغيرة نحو الممر الخفي خلف المكتبة، بينما بقي جورج في وجه العاصفة. لكن الرجال المسلحين اقتحموا القصر بأعدادٍ كبيرة، وتحوّل المكان إلى فوضى عارمة. حاول جورج المقاومة، لكنه سقط تحت ضرباتهم. تقدّم قائدهم، رجل ضخم الجسد ذو وشم أسود غريب الشكل يمتد من عنقه حتى يده، وشعره الأحمر الطويل يلمع تحت الضوء الخافت. قال بنبرة باردة: "لقد أعطيناك خيارًا، جورج... إما أن تنضم إلينا، أو تختفي. وها قد اخترت النهاية بنفسك." ثم دوّى صوت طلقٍ ناريٍ واحد، بعده صمتٌ مطبق... وانطفأ كل شيء في عيني الصغيرة. كانت الأم تحتضن ابنتها الصغيرة في ظلام الغرفة السرّية، تسمع أصوات الصراخ والارتطامات تأتي من خلف الجدار السميك. ثم انطلق صوتٌ واحدٌ كان كفيلاً بتمزيق قلبها صرخة جورج. شهقت الأم واندفعت نحو الباب، رغم توسلات ابنتها: "أمي! لا تخرجي! أرجوك!" لكنها وضعت يدها على وجه فاليريا وهمست برجاءٍ مرتجف: "ابقَي هنا، لا تتحركي مهما سمعتِ... هل فهمتِ؟" أومأت الطفلة برأسها، لكنها لم تستطع تنفيذ الوعد. كانت الرغبة برؤية والديها أقوى من خوفها. فتحت الباب بخفة، وزحفت على الأرض حتى اختبأت تحت طاولةٍ كبيرة في الصالة المظلمة. من هناك... رأت المشهد الذي سيلاحقها ما حييت. والدها مقيّدٌ إلى الكرسي، ودماؤه تلطّخ الأرض. وأمها تصرخ وهي تُجرّ من شعرها نحو الحائط، والرجال ينهالون عليهما بالضرب. ارتجفت فاليريا، اختنق صوتها في حلقها، ثم ارتجف جسدها كله حتى اصطدمت يدها الصغيرة بشمعةٍ مضاءة على الطاولة. سقطت أرضًا، وامتد اللهب ببطء نحو الستار المخملي الأحمر... ثوانٍ معدودة، واشتعلت الصالة بأكملها! صرخ الرجال، ارتبكوا، ووسط الفوضى رآها أحدهم. "هناك طفلة!" صاح أحدهم. طفلة تحترق انتشالوها من تلك نار التي بدات تنتشر في مكان، إلا أن لمست وجهها. ركضوا نحوها، أمسكوا بها بعنف بينما هي تصرخمن بين ألالمها واحد في قلبها واحر في جسدها: "أمييي!" حاولت الأم الركض إليها، لكن أحد الرجال دفعها أرضًا بقوة، وأغلق باب الغرفة بإحكام بالمفتاح. صرخت الأم بكل قوتها، تدق الباب بيديها المحترقتين، بينما الدخان بدأ يخنق أنفاسها. جورج بصرخ:" فاليريا، لالللللا. " أما فاليريا... فقد سُحبت خارج القصر، والدموع تحفر على وجهها خطوطًا من الرماد. والنار تلتهم بيتها وكل ما أحبّت. ومن بعيد، دوى الانفجار الأخير... ومع سقوط السقف، ولدت من بين اللهب "فاليريا الجديدة" تلك التي لم تعرف بعد أن تلك الليلة ستدفن طفولتها إلى الأبد. عودة من الفلاش باك توقّف صوتها عند آخر كلمة وأردفت: ومنذ ذلك اليوم بعدما دخلت في غيبوبة دامت عامين، تلقيت خبار وفاة  عائلتي.. توقفت  وكأنها لفظت معها أنفاس قلبها. ساد الصمت بينهما، لا يُسمع سوى صوت أنفاسٍ مرتجفة تتقاطع مع نبضٍ متسارع. خفض وليام نظره، وعيناه تتقاطعان مع عينيها الغارقتين في الدموع. لم تتمالك فاليريا نفسها، فانهار جدار الصبر الذي شيّدته لسنوات. انفجرت بالبكاء، بكاءٍ عميقٍ خرج من أعماق روحها، كأنها تُفرغ كل ما تراكم بداخلها من وجع واحتراق. اقترب منها وليام دون أن يقول كلمة، فقط مدّ ذراعيه وضمّها إلى صدره بهدوء. بكت أكثر، ودفنت وجهها في كتفه كطفلةٍ وجدت أخيرًا صدرًا تتكئ عليه بعد زمنٍ طويل من الوحدة والخوف. لم يقل شيئًا… فقط كان هناك  الحضور الصامت الذي يمسح عن كتفيها ثقل العالم. بين شهقاتها المتقطعة، همست بصوتٍ مبحوح: "كنت أحتاج إلى هذا... إلى أحدٍ يخاف عليّ... يضمني فقط دون أن يسأل." ربت وليام على شعرها بخفةٍ كمن يخشى كسرها، وقال بصوتٍ خافت: "كلانا فقد من كان يجب أن يحتضننا، ربما لهذا التقينا." ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة بين الدموع، ثم مسحت وجهها واعتدلت في جلستها. قالت وهي تحاول استجماع أنفاسها: "دعنا نتوقف عن البكاء. لنفعل شيئًا بدلًا من أن نغرق في الماضي." نظر إليها باستغراب، فأكملت بعزمٍ خافت: "كل واحدٍ منا عليه أن يقوم بشيء يعيد إليه ما سُلب منه." سألها بهدوء: "وماذا تقصدين؟" نظرت في عينيه بثبات وقالت: "أريدك أن تبحث عن والدك الحقيقي... وتواجهه. لا تترك الأسئلة تأكلك كما فعلت بي." صمت لحظة، ثم قال بنبرةٍ متماسكة: "إذن أريد منك شيئًا بالمقابل..." "ما هو؟" "أن تنتقمي لوالدكي. لا أريد دمًا ولا عنفًا... أريد عدلًا. أريد أن تُكشَف الحقيقة، أن يدفع من دمّره الثمن." نظرت إليه مطولًا، ثم مدت يدها ببطء نحوه. "اتفقنا، يا وليام." أمسك يدها بقوةٍ خفيفة، لتولد بينهما في تلك اللحظة هدنة مع الماضي... ووعد بالانتقام النقي. في وقت كل واحد يفكر كيفية تنفيذ عهودهم. بينما انفتح الباب فجأة ودخلت فتاة شابة ذات شعر أسود قصير يلمع تحت الضوء، ترتدي ملابس عصرية غريبة الطابع  مزيج من الجرأة والأناقة  وسروال جينز ممزق مع سترة جلدية، تحمل على ظهرها حقيبة صغيرة مزينة بدبابيس معدنية وكتابات غير مفهومة. رفعت حاجبها وهي تتفقد المكان بعينيها الرماديتين، ثم ابتسمت قائلة: "فاليريا! أيتها المختفية دومًا!" التفتت فاليريا نحوها بابتسامة باهتة وقالت: "إيما! لم أتوقع رؤيتك اليوم." تقدمت إيما بخطوات واثقة وجلست بجانب فاليريا دون استئذان، ثم وجهت نظرات فضولية إلى الرجل الجالس أمامها. همست بصوت منخفض لكنه لم يخلُ من الحماس: "ومن هذا الوسيم؟" احمرّ وجه فاليريا قليلًا وأجابت بسرعة: "هذا… وليام، ضيف عند عمي مارك." ابتسمت إيما بخبث طفولي، ثم همست بصوت يكاد يكون مسموعًا: "ضيف؟ أم شيء أكثر إثارة من ذلك؟" نظرت إليها فاليريا بحدة وهي تهمس: "إيما! لا تُحرجيني!" ضحكت إيما بخفة، رافعة كتفيها ببراءة مصطنعة، بينما كان وليام ينظر إليهما في صمت، تتبدل على ملامحه نظرة استغراب ممزوجة بابتسامة خفيفة، لم يدرِ أهي من طريقة إيما الجريئة أم من رد فعل فاليريا السريع والمضطرب. ___________________________________________ في قصر ماتياس  الحديقة الخلفية كانت الحديقة الخلفية لقصر ماتياس قطعةً من الجنة الأرضية، تمتدّ على مساحة واسعة تعجّ بالألوان والضحكات الصغيرة. تتوسطها نافورة تتلألأ مياهها تحت أشعة الشمس كأنها شظايا زجاج، تحيط بها أرجوحات خشبية صغيرة، ومنزلقات زاهية الألوان، ومجموعة من الألعاب التي تناسب الأطفال الصغار  من المراجيح المعلقة على فروع الأشجار القديمة إلى بيتٍ صغير من الخشب الملوّن، يملؤه صدى ضحكات ميلر. كانت ميلر تركض بخفةٍ بين الألعاب، شعرها الذهبي يتطاير خلفها، ووجهها الصغير يلمع بسعادةٍ بريئة نادرة. تساقطت أوراق الأشجار حولها كأنها تشاركها اللعب، وبدت الحديقة وكأنها تحتضنها بكل ما فيها من حياة وبهجة. وبينما كانت منهمكة في بناء بيتٍ صغيرٍ من المكعبات الملونة، شعرت بظلٍّ خفيفٍ يخيّم فوقها. رفعت رأسها لترى امرأةً في غاية الجمال، ترتدي فستانًا أبيض بسيطًا، وشعرها أشقر الطويل منسدلٌ على كتفيها، وابتسامة حنونة تشرق على وجهها كأنها تعرف ميلر منذ زمن بعيد. قالت المرأة بصوتٍ دافئ: "هل يمكنني الجلوس معك؟ يبدو أنك تبنين قصرًا جميلاً." ابتسمت ميلر بخجل: "نعم! إنه قصر أبي، لكني أريد أن أجعله أجمل حتى لا يشعر بالوحدة." ضحكت المرأة بخفة وجلست بجانبها، وبدأت تساعدها في ترتيب المكعبات الصغيرة. قالت وهي تنظر إلى ميلر بعينين مملوءتين بالعاطفة: "تبدين ذكية جدًا، مثل أمك تمامًا..." توقفت ميلر عن اللعب، وحدقت في وجهها بدهشة طفولية: "أمي؟... لكن أمي ماتت." تجمدت ملامح المرأة للحظة، ثم ابتسمت ابتسامة باهتة يخالطها ألم عميق، ورفعت يدها لتلمس خد ميلر برفق. "أعلم... أعلم يا صغيرتي." وقبل أن تتمكن ميلر من قول شيء آخر، ضمتها المرأة فجأة إلى صدرها بعناقٍ دافئ، عناقٍ حمل رائحة الأمومة التي فقدتها الطفلة منذ زمن. تسمرت ميلر في مكانها من المفاجأة، لم تفهم ما يحدث، لكنها لم تستطع المقاومة شعرت فقط بالأمان، للحظةٍ قصيرة جدًا. لكن قبل أن تنطق بشيء، ارتجفت المرأة فجأة حين سمعت وقع خطوات ثقيلة تقترب من الممر المؤدي إلى الحديقة. إنه صوت ماتياس. اتسعت عيناها خوفًا، وتراجعت بسرعة وهي تهمس بصوتٍ مرتجف: "سامحيني، يجب أن أذهب." وقبل أن تدرك ميلر ما يحدث، كانت المرأة قد اختفت بين الأشجار المظللة، تاركةً خلفها عبير عطرها ورجفةً خفيفة في قلب الطفلة. تقدّم ماتياس إلى الحديقة، نظر إلى ابنته بحنان وسألها: "ميلر، مع من كنتِ تتحدثين؟" رفعت الطفلة رأسها بعينين متسعتين وقالت: "كانت هنا امرأة جميلة يا أبي...." ماتياس باستغرب: "وأين هي الان.. " "لاأعرف أبي عندما سمعت خطواتك ذهبت سريعا.. تصلبت ملامح ماتياس وعلامات استفهام في ملامحه..  ______________________________________ في شارع جانبي هادئ تغمره أضواء المصابيح الخافتة، كان مقهى صغير ينبعث منه عبق القهوة المحمّصة وصوت موسيقى هادئة بالكاد تُسمع. دخل نيو بخطوات واثقة، تتبعه رومي الذي بدت أكثر حذرًا. اختارا طاولة معزولة في الزاوية، محاطة بستائر سميكة تمنح المكان طابعًا سريًا. جلس الاثنان، يراقبان عقارب الساعة، حتى فُتح الباب فجأة، ودخل رجل بملابس سوداء بالكامل، يرتدي معطفًا طويلًا وقناعًا أسود يخفي ملامحه. توقّف الزمن لوهلة، ثم وقف الجميع في المقهى احترامًا له  كان هو الجوكر الأسود، أو كما يُعرف في الدوائر السرّية باسم بلاك وود. اقترب بخطوات باردة، جلس أمامهما، ووضع على الطاولة ملفًا أسود سميكًا، قائلاً بصوت منخفض: "المهمة السابقة أُنجزت كما هو مطلوب... جيد جدًا. لكن الآن، لدينا مهمة أخطر." فتح الملف ببطء، وانعكس ضوء المصباح على صورٍ ومخططات داخله. تابع بنبرة حازمة: "هذه المرة، لا مجال للخطأ. أي انكشاف... يعني النهاية للجميع." تناول نيو الملف، ألقى نظرة سريعة، ثم قال بقلق: "فاليريا... إنها تقترب أكثر من الحقيقة." رفع الجوكر الأسود نظره نحوهما، وابتسامة خفيفة شقّت وجهه خلف القناع: "لهذا السبب أعددنا الخطة... الخُطوبة التي أُعلنت، ليست إلا تمثيلًا. يجب أن تظل فاليريا مقتنعة بكل شيء. لا تسمحوا لها أن تشكّ لحظة واحدة." تبادل رومي ونيو نظراتٍ ثقيلة، يدركان أن أي خطوة خاطئة قد تعني نهايتهما، لا فقط للمهمة، بل لحياتهما أيضًا. نهض الجوكر الأسود من مكانه، وألقى آخر جملة قبل أن يغادر المقهى: "السرّ أكبر مما تظنان... وتلك الفتاة إن اكتشفته، ستحرق العالم بمن فيه." ثم خرج، تاركًا وراءه صمتًا خانقًا ______________________________ جلست فاليريا في مكتبها الصغير، محاطة بثلاثة كؤوس فارغة وأوراق مبعثرة على الطاولة. الضوء الخافت من المصباح يسلط ظلالًا على وجوه الكتب والمستندات، بينما شعرت بالاختناق وسط فراغ الغرفة وصخب أفكارها المبعثرة. شعرت بتوتر شديد، أصابعها تمسك القلم بلا وعي، وتنظر إلى الأوراق وكأنها تتحداها بأن تعطيها الحلول. مرّت يدها على شعرها المبعثر، وزفرت زفرة طويلة، تدرك أن المهمة تحتاج لخبرة أعمق مما تمتلكه الآن. قررت أن تذهب إلى مكتب عم مارك، فهو يعرف كيفية التعامل مع التعقيدات العملية ولديه خبرة واسعة في الإدارة. حملت أوراقها وهاتفها وتوجهت بخطوات متسارعة، وفي قلبها شعور متزايد بالقلق والحاجة إلى التوجيه. وصلت إلى مكتب عم مارك، دقت الباب بقوة، لكنها لم تسمع أي رد. كررت طرقها بصوت أعلى: "عم مارك!" ظل المكان صامتًا، فدفعت الباب ببطء، لتجد مكتب عمها فارغًا، لا أحد بداخله، أوراق متناثرة وكأن شخصًا ما غادره على عجلة. شعرت فاليريا بالقشعريرة، حاولت البحث حول المكان، وخطواتها تتسارع بين الطاولات، حتى لاحظت ظلًا على الأرضية. فجأة، من بين الظلال، ظهر عم مارك وهو ممدد على الأرض،. صرخت فاليريا، قلبها يخفق بشدة: "عم مارك!" يتبع.....