أنا التي لم تمت - الذئب المشتعل - بقلم إكرام | روايتك

اسم الرواية: أنا التي لم تمت
المؤلف / الكاتب: إكرام
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الذئب المشتعل

الذئب المشتعل

الفصل السادس استيقظت فاليريا متألمة، رأسها وكأن صدى الليلة الماضية يضرب جدران عقلها. تذكرت آخر ما رأته قبل أن تُختطف  تلك العينان المظلمتان تحت قناعٍ أسود، والابتسامة الباردة لجوكر الاسود. أدارت نظرها في المكان بدهشة. كانت الغرفة صغيرة جدًا، لكنها نظيفة بشكل مريب. كل شيء فيها داكن، من الجدران إلى غطاء السرير الأسود الذي تستلقي عليه. لاحظت وجود مكتبٍ صغير في الزاوية، وفوقه ظرف أسود أثار انتباهها. نهضت متثاقلة، أمسكت رأسها المتألم، ثم اقتربت من المكتب وفتحت الظرف بحذر. في داخله ورقة بيضاء كُتب عليها بخط حاد وواثق: "عند استيقاظك، ارتدي الملابس الموضوعة على الكرسي، وضَعي العصابة السوداء على عينيك. بجانب الباب يوجد جهاز إنذار، اضغطي عليه عندما تكونين جاهزة." رفعت نظرها نحو الباب لتتأكد من صدق الرسالة، ثم نظرت إلى الكرسي فرأت المعطف الأسود والسروال الجينز بنفس اللون. ابتسمت بسخرية: "حتى ملابسي... سوداء، كأنني في جنازةٍ لذاتي." ارتدت الملابس على مضض، شدّت العصابة على عينيها، ثم تقدّمت بخطوات حذرة نحو الباب. مدّت يدها تتحسس الجدار حتى وجدت الجهاز، وضغطت عليه بخوفٍ وارتباك. لم تمضِ ثوانٍ حتى سمعت صوتًا خافتًا قادمًا من الخارج، يتبعه فتح الباب ببطء. تدفقت إلى أنفها رائحة قوية، مزيجٌ من عطر رجولي حاد ودخان سجائر محترقة. ثم سمعت خطواتٍ ثابتة تقترب منها. قال الصوت بنبرة واثقة منخفضة: "هيا، ليس لدينا وقت. سيُزال الغطاء عن عينيك لبعض الأسئلة فقط، وبعدها... كل شيء سيتضح في عقلك الصغيرة." ابتسمت بسخرية متوترة، تحاول إخفاء خوفها: "أوف، أملك عقلًا أكبر منك يا هذا." لم تجبها الكلمات، بل يد قوية أمسكت بيديها فجأة، تسببت بارتعاشة سرت في جسدها كله، وارتفعت دقات قلبها كطبولٍ في ليلٍ غامض... اتجهت معه بخطواتٍ حذرة، أحاول ألّا أصطدم بشيءٍ يصدّني، وهو بدوره كان حريصًا على ذلك. مررنا عبر ممراتٍ عديدة، حتى شعرتُ وكأنني أطير في السماء بعدما حملني بين ذراعيه. اتضح أن هناك سلالم يصعدها، لكن العصابة على عيني كانت تُعيقني عن تسلّقها. أنفاسي باتت بطيئة، ودقات قلبي أقسم أنها كانت تُسمع في الصمت. العرق يتصبّب رغم برودة الجو، وأفكاري تتناوب بين الخوف والفضول. توقّف أخيرًا، ووضعني على قدميّ برفقٍ بعد أن أنهى تسلّق الدرج. ثم أمسك يدي مرةً أخرى، وقادني إلى الأمام بخطواتٍ محسوبة. سمعتُ صوت دقّاتٍ خفيفة على الباب، تلاها صوتٌ خشن من داخل الغرفة يأذن بالدخول. اقتادني إلى الداخل، وأجلسني على كرسيٍّ خشبي، ثم نزع العصابة السوداء عن عيني. شعرت بحرقةٍ خفيفةٍ في جفوني من أثرها، وبدأت عيناي تتأقلمان مع الضوء. وأوّل ما رأيتُه كان وجه “جوكر الأسود” يرمقني بنظرةٍ غامضةٍ بينما قال بهدوء: "ستُفتح الشاشة المقابلة لكِ الآن، سيتحدث معكِ زعيمنا الكبير… ليوضح المراحل القادمة من خطتنا معكِ." أومأت برأسي صامتة، بينما ابتعد بخطواتٍ ثابتة، ووقف إلى جانبي كظلٍّ لا يُفارقني. رفعت بصري نحو الشاشة المُعلّقة على الحائط، والتي بدت كأنها بوابة لعالمٍ آخر… غرفة فخمة التصميم، يكسوها الغموض، وقلبي كان يهمس داخلي: "ما الذي ينتظرني في الجانب الآخر؟" تسلّط الضوء الخافت على الشاشة المقابلة لها، قبل أن يصدر منها صوتٌ غريب… مبحوح، مُعدّل بجهازٍ إلكتروني يخفي هوية صاحبه. ساد الصمت لثوانٍ، ثم جاء الصوت الهادئ لكنه يحمل رهبة عميقة: الصوت الغامض: "مرحبًا بكِ يا فاليريا … كنا نراقبك منذ زمن، وها قد بدأت رحلتك أخيرًا." ارتجفت أنفاسها، لكنّها لم تنطق. تابع الصوت بعد لحظةٍ قصيرة، نبرته تتقلب بين الغموض والهيبة: الصوت الغامض: "من هذه اللحظة، ستبدئين سلسلة من الاختبارات. كل اختبار سيأتيكِ في صندوقٍ أسود. وفي كل صندوق، مهمة مختلفة… أحيانًا تكون صفة يجب أن تكتسبيها، وأحيانًا تجربة عليك تنفيذها. لن تكون جميعها سهلة، وبعضها سيُريكِ الجانب المظلم من نفسك." تقدمت فريا بخطوة صغيرة نحو الشاشة، لكن الصوت قاطعها: الصوت الغامض: "اختباراتك ستُراقَب بدقة. وسنرسل لك جوكر الاسود ، هو من سيرافقك في المهام القادمة عن بعد … نجاحك أو فشلك سيُحدَّد من خلاله. كل نجاح يعني وصول صندوقٍ جديد، وكل إخفاق سيُعبَّر عنه بطريقة واحدة فقط…" توقف قليلًا، ثم صدر صوتُ ورقةٍ تُسحب، تلتها جملة خافتة جعلت فريا تشعر بالقشعريرة: الصوت الغامض: "سنرسل لكِ ظرفًا أسود بداخله ورقة رمادية فارغة. حين تراها… ستعلمين أنكِ فشلتِ." ارتجف حاجباها، لكن الصوت لم يترك لها مجالًا لردّ الفعل: الصوت الغامض: "في حال الإخفاق، لن تنتهي المهمة. بل ستُعاد بصيغةٍ مختلفة، حتى تنجحي. لن نرسل الصندوق التالي إلا بعد إثبات قدرتك على النهوض من الخطأ." صمت لبرهة، ثم قال بصوتٍ أكثر حدة، كأنه يختبر إرادتها: الصوت الغامض: "الآن أمامك خيار واحد… إما أن تقبلي وتبدئي رحلتك معنا دون رجعة، أو ترفضي وتنتهي قصتك هنا… قبل أن تُكتَب سطورها الحقيقية." تجمّدت فاليريا في مكانها، عيناها تتأملان الشاشة، وأفكارها تتصادم كالأمواج داخل رأسها. الضوء من حولها خفت أكثر، وكأن الظلام ينتظر جوابها. تجمّدت الكلمات في حلقها، كأن الهواء من حولها ثقلَ فجأة. الضوء المنبعث من الشاشة يعكس ظلّ وجهها المتردد، بينما أنفاسها تتلاحق كمن يسير على حافة الهاوية. مدت يد جوكر الاسود بصندوق الاسود بقرب من وجهها تنظر اليه وفي داخلها، كانت هناك معركة: بين الخوف الذي يشدّها للوراء، والفضول الذي يدفعها للأمام. فاليريا (بصوتٍ مبحوح، متردد لكن حازم): "إن كانت هذه الطريق ستكشف الحقيقة… فسأسير فيها حتى النهاية." عمّ الصمت الغرفة، قبل أن يصدر من الشاشة صوتٌ خافت يشبه تنفّسًا إلكترونيًا باردًا، ثم ضحكة قصيرة مشوّشة: الصوت الغامض: "قرارٌ جريء… كنت أعلم أنكِ لن تتراجعي، يا فاليريا من هذه اللحظة، لا عودة للوراء." أضاءت الشاشة فجأة بوميض أحمر خافت، ظهرت فيه عبارة: "المرحلة الأولى: الصندوق رقم واحد" انطفأت الأنوار، وغرقت الغرفة في عتمةٍ ثقيلة، بينما بقي الصندوق الأسود أمامها يلمع بوميضٍ خفيف كأنه قلبٌ ينبض ينتظر أن يُفتح. مدّت يدها ببطء نحوه، وابتسمت بخفوت وهي تهمس لنفسها: "لن أكون الضحية بعد الآن… بل سأكون السرّ ذاته." مدّت يدها نحو الصندوق، لكن يدًا قوية أمسكت بمعصمها وأوقفتها في اللحظة الأخيرة. تجمدت في مكانها، شعرت بحرارة أنفاسه قريبة من أذنها، وصوت خافت قال بصرامة: "ليس الآن." وقبل أن تملك فرصة للسؤال، سُمعت خطواتٌ أخرى تقترب من الباب. رفع رأسه قليلًا وقال بصوتٍ أكثر هدوءًا: "علينا الذهاب." أعاد العصابة السوداء إلى عينيها بإحكام، فتحت فمها لتعترض، لكن أصابعه كانت أسرع، شدّ العقدة وقال بنبرة لا تقبل جدالًا: "عليك قيام بخطوة قبل بدأ الاختبار" اقتادها بخطواتٍ محسوبة، حتى شعرت بنسيمٍ بارد يضرب وجهها وصوت المحرك يدور قربها. سمعت صدى الأبواب تُفتح وتُغلق وهمهمات رجال حولها  أدركت أنها في ساحةٍ خارجية. فتح أحدهم باب السيارة، وضع يده أسفل ذراعها لتصعد، ثم لحق بها وجلس بجانبها، لتنطلق السيارة في طريقٍ بدا لا نهاية له. كان الصمت ثقيلًا، لا يُسمع سوى هدير العجلات ووقع أفكارها المتسارعة. حاولت تمييز الاتجاه أو الزمن، لكن العصابة كانت حاجزًا بين الواقع والضياع. توقفت السيارة بعد رحلةٍ طويلة، شعرت باهتزازٍ خفيف حين فتح الباب. أمسك بيدها من جديد وأخرجها، ثم نزع العصابة عن عينيها ببطء. تألّقت الأضواء أمامها، عمارة حديثة البناء ارتفعت أمامها ، بدا المكان هادئًا بشكلٍ مريب. تبعته بصمت إلى الداخل، وصعدا بالمصعد دون أن ينظر إليها أو يكلّمها بكلمة. كان وجهه مغطى بقناعٍ أسود يضفي عليه هيبة غامضة، فشعرت بفضولٍ ينهش داخلها وهي تفكر: هل يخفي قبحًا؟ أم أنه يخفي نفسه عن العالم؟ قطع أفكارها صوته الحاد وهو يقول ساخرًا: "لا تتعبي رأسك الصغير في تخيّلي، ستعرفين شكلي في الوقت المناسب… يا بَاندا." رفعت حاجبيها بغضب، وردّت بحدة: "أولًا، عقلي ليس صغيرًا كما تظن، فقد كنت الأولى في مدرستي، ومن أفضل المصممين في الشركة. وثانيًا، لا تنادِني بباندا، اسمي فاليريا… واضح؟" ضحك بخفةٍ ممزوجة بالسخرية وهو يردّ ببرود: "حسنًا، يا الأولى في المدرسة… اسكتي الآن، لقد أرهقتني ثرثرتك، يا باندا." تمتمت بغضبٍ وهي تعض على شفتيها: "يا له من غبي متغطرس!" ثم نظرت إلى يديه القويتين بحذرٍ وارتباكٍ خفي… توقّف المصعد عند الطابق الثالث، لتقابلها باب شقة تحمل الرقم 25. تحرّك بلاك وود بخطواتٍ واثقة نحوها دون تردّد، كأنه يعرف وجهته مسبقًا. فتح الباب قبل حتى أن يطرقه، وكأنّ أحدهم كان ينتظره خلفه. ظهر في المدخل رجل غريب، يغطي جسده وشمٌ يمتد من عنقه إلى جانبي وجهه، وحتى خلف أذنه. جسده رياضيّ، ومعصماه يبرزان كلّما رفع أكمام قميصه الأبيض، أما شعره البني الطويل فكان مربوطًا بإهمالٍ يصل إلى خصره. قال الرجل بابتسامةٍ مائلة: "أهلاً، بلاك وود... معجزة أن أراك هنا بعد كل هذا الغياب." تجمّدت فاليريا للحظة، متأكدة الآن أن ما رأته في الرسالة لم يكن كذبة... الاسم "بلاك وود" حقيقي. أجابه الجوكر الأسود بصوته العميق الهادئ: "أهلاً بك، آرْسِن من لندن... دعنا ننهي العمل بسرعة، لديّ ما يكفي من الالتزامات الأخرى." نقل آرْسِن نظراته نحو فاليريا، متفحصًا إياها بتدقيقٍ مزعج جعلها تشعر بعدم الارتياح. ثم أومأ لها بيده كي تدخل. خطت إلى الداخل بخطواتٍ مترددة، فامتلأت عيناها دهشة الجدران كانت مغطاة برسوماتٍ غريبة وأدواتٍ لم تفهم وظيفتها، بعضها يشبه أدوات جراحة، وأخرى كأنها تخص فنونًا مظلمة. قال بلاك وود ببرود وهو يشير إلى كرسيٍ معدنيّ في وسط الغرفة: "اجلسي هناك." اتسعت عيناها خوفًا وتراجعت خطوتين إلى الخلف، يداها ترتجفان وهي تهمس: "ما الذي... ما الذي ستفعلانه بي؟" لم يجبها. تقدّم بخطواتٍ باردة، أمسك بذراعها برفقٍ حازم، وأجلسها على الكرسي رغماً عنها. ارتجف جسدها، وحين لامس البرد الحديدي جلدها، شعرت أن قلبها يكاد يتوقف. ثم صرخ بلاك وود بصوتٍ خشن: انزعي سترتكي " شهقت فاليريا بفزع: "ماذا؟! ماذا ستفعلون؟!" أغمضت عينيها بشدة، تحاول أن تتماسك رغم رعبها، فابتسم آرْسِن ابتسامة ساخرة وقال ببرود: "اهدئي… لن نفعل بك ما تفكرين به. إنه فقط وشم صغير… علامة تُظهر أنك أصبحتِ واحدة منا." كلماته الأخيرة اخترقت صدرها كطعنة. واحدة منهم؟ أسئلة كثيرة صارت تتقافز في عقلها، وكلّها تؤدي إلى طريقٍ توجد الأدوات المعدنية الموضوعة بعناية فوق الطاولة. جلست فاليريا متوترة على الكرسي المعدني، يداها مكبلتان بخيوطٍ سوداء رفيعة، تشبه خيوط الحرير لكنها قوية كالفولاذ. أخذ آرْسِن قطعة معدنية دقيقة تشبه القلم، تتوهج نهايتها بضوءٍ أحمر كالجمر. ابتسم بخبثٍ وهو يقترب منها: "سيكون هذا سريعًا... لكنه مؤلم قليلاً، فقط تذكّري أن الألم بداية التحوّل." همست وهي تحاول فكّ يديها: "أي تحول؟ ما الذي تريدونه مني؟!" لم يجبها، فقط وضع طرف الأداة على كتفها المكشوف، وانبعث منها صوت حارق خافت كصفيرٍ معدنيّ يلامس الجلد، تلاه ألمٌ لاذع اخترق جسدها حتى العظم، جعلها ترتجف وتكتم صرخة خرجت رغماً عنها. رسم آرْسِن ببطءٍ رموزًا ملتفّة على شكل ذئبٍ مشتعلٍ باللهب، أنيابه منقوشة بخطوطٍ دقيقة تتوهج بلونٍ أحمر داكن، وكأنّ النار تسري في جلدها حيّة. تساقط العرق على جبينها، ووجهها يلتوي من شدّة الألم، بينما كان الجوكر الأسود واقفًا في الظل، يميل رأسه قليلاً، يتابع كل حركة بعينين باردتين كأنهما حجرتان من ليلٍ لا نهاية له. قال آرْسِن وهو يمسح العرق عن جبهته: "تمّ الأمر... الذئب المشتعل سيرافقك من الآن. هذه ليست مجرد علامة، بل عهد." رفعت رأسها بصعوبة، أنفاسها متقطّعة وعيونها دامعة، سألت بصوتٍ مبحوح: "عهد على ماذا؟" تقدّم الجوكر خطوة واحدة نحوها، وقال بصوتٍ خافتٍ معدنيّ يخرج من خلف القناع: "على أن النار فيك لن تنطفئ... حتى تكتشفي سر الصناديق السوداء." فجأة، انبعث ألمٌ حارق في ذراعها كأن لهبًا اشتعل تحت جلدها. صرخت بصوتٍ مكتوم، تراجعت للخلف وهي تمسك موضع الألم، لكن الصرخة اختنقت في صدرها حين رأت العلامة تتوهّج أكثر، ذئب مشتعل يزأر من تحت جلدها وكأنّه يحاول الخروج إلى السطح. ارتجّ بصرها، تلاشت الأصوات من حولها، لم يبقَ سوى وجه جوكر يحدّق بها بعينين لا تُقرأ، ابتسم بخفة، تلك الابتسامة التي تجمع بين السخرية والشفقة، ثم قال بصوتٍ منخفض: "بدأت اللعنة تستيقظ، فاليريا..." لم تكمل سماع كلماته، إذ خارت قواها فجأة وسقطت على الأرض، عيناها نصف مفتوحتين، والعلامة المشتعلة ما زالت تتوهّج كجمرةٍ في العتمة. ______________________________________ كانت تركض وسط الغابة، تهرول بكل ما تبقّى من قوتها. أنفاسها تتلاحق، وصوت خطواتٍ مجهولة يطاردها من الخلف. لم تستطع تمييز ما يلاحقها… هل كانت ذئابًا؟ أم بشرًا؟ الرؤية كانت ضبابية، والليل كثيف كستارٍ من ظلام. تعثّرت قدمها بجذرٍ خفي، سقطت أرضًا وصرخة ألم خرجت من بين شفتيها. دموعها انهمرت وهي تحاول النهوض من جديد، لكن كل خطوةٍ كانت تزيد وجعها وتُسرّع نبض قلبها الذي يكاد ينفجر. صرخت بأعلى صوتها: "أرجوكم... أنقذوني! هل من أحدٍ يسمعني؟!" صوتها تلاشى بين الأشجار، ولم يُجبها سوى صدى الريح. بدأ الأمل ينطفئ بداخلها كشمعةٍ تذوب في العتمة... وفجأة، سمعت صوتًا خلفها... ثلاثة ظلالٍ تتقدّم بخطواتٍ بطيئة، يقاتلون شيئًا لم تستطع رؤيته، لم تتضح ملامحهم بعد. تجمّدت في مكانها، ثم رأت أحدهم يجلس على كرسيٍ متحرك، وبجانبه رجلان قويّا البنية، ملامحهم غارقة في الظل. ارتفع صوتهم في آنٍ واحد: "لا تقلقي... نحن حُرّاسك من هذا العالم، جنودٌ في الخفاء." تراجعت خطوة وهي تهمس بخوف: "من... أنتم؟" ابتسم الرجل الجالس على الكرسي وقال بهدوءٍ غامض: "نحن ملاذك... وأمانك... وهويّتك." ثم بدأوا بالاختفاء ببطءٍ، كأن الضباب ابتلعهم. صرخت وهي تمدّ يدها نحوه: "توقّفوا! لا تتركوني وحدي!" شهقت بقوة، فتحت عينيها على واقعٍ مختلف... كانت غارقةً بالعرق، تتنفس بصعوبة، وفي تلك اللحظة أدركت أنها كانت في حلمٍ أو كابوسٍ لم وضعت يدها على موضع الوشم، تشعر بألمٍ خافت بدأ يهدأ تدريجيًا. تنفّست بعمق، محاولة استيعاب ما حدث... ثم همست لنفسها: "بلاك وود... هو من أحضرني إلى هنا بعد أن فقدت وعيي." رفعت كتفيها بلا مبالاة، لكنها توقفت فجأة حين لفت نظرها صندوق أسود صغير موضوع على الطاولة بجانب سريرها. تجمّدت للحظة وهي تتأمل شكله الغريب، ثم مدّت يدها بترددٍ لتمسكه. جلست على حافة السرير، يعلو صدرها شهيقٌ وزفيرٌ ثقيلان، وكأنها تستعد لاكتشاف شيء لا تودّ معرفته. كان الصندوق مغلقًا بقفلٍ صغير، وفجأة لمحت بعينيها ذكرى بعيدة… صندوقًا مشابهًا أهداه لها عمّها قديمًا، وقال لها حينها إن مفتاحه معها دائمًا، لكنها لم تفهم قصده وقتها. رفعت يدها إلى عنقها، حيث تتدلّى قلادة صغيرة على شكل نجمة رباعية، يتدلى منهاقلادة اخرى بمفتاح دقيق الحجم، كأنه صُنع خصيصًا لذلك القفل. نزعت القلادة ببطء، أدخلت المفتاح في القفل… "طقطقة" خفيفة تبعتها فتح الغطاء ببطءٍ مهيب. في الداخل، ورقة بيضاء مطويّة بعناية. فتحتها بخوفٍ وفضول، لتجد مكتوبًا بخطٍ أنيق: "عليك أن تثقي  بنفسك، وتكشفي عن جمالك الحقيقي خلف هذا التشوّه، أحبّي نفسك كما أنت... فحين تفعلين، ستحبّك الحياة والناس من حولك." تجمدت الكلمات في ذهنها... هل هذه رسالة من عمّها؟ أم من شخصٍ آخر يعرف ما تعانيه في داخلها؟ أمسكت الورقة بقوة، تتأملها بين يديها، تسأل نفسها بصوتٍ خافتٍ مليء بالارتباك: "كيف يمكنني أن أغيّر نظرتي إلى نفسي؟ كيف يمكنني أن أكسر هذا الحاجز؟" بدا الأمر مستحيلًا... لكن في أعماقها الصغيرة، اشتعلت شرارة خفيفة من الأمل. خرجت فاليريا من غرفتها بعد أن أخذت حمامًا منعشًا واهتمت بمظهرها، وأجرت اتصالًا سريعًا إلى الشركة تخبرهم فيه بنبرة رسمية: "لن أستطيع الحضور اليوم، سأتابع عملي من المنزل... إلى أن أنتهي من مهمتي موكلة لي". أغلقت الهاتف بابتسامة خفيفة، واتجهت نحو الصالون تبحث عن قهوة الصباح، لكنها تجمّدت في مكانها حين رأت رجلًا غريبًا ممددًا على الأريكة! حدّقت فيه لثوانٍ، ثم همست: "نيو؟ مستحيل... نيو ما ينام في الصالون، عنده غرفته!" اقتربت بخطوات بطيئة، ثم اتسعت عيناها فجأة وهي تهمس بفزع: "هــذا... هذا ليس نيو!!" وقبل أن تفكر أكثر، صرخت بأعلى صوتها: "لصّ!! لصّ في المنزل!!" ركضت نحو المطبخ وهي تلهث كالمجنونة، أمسكت مقلاة ضخمة بكل شجاعة، وعادت بخطوات بطولية وهي تلوّح بها مثل محاربة من العصور الوسطى! في تلك اللحظة، خرجت عمّتها "حما" بثياب النوم، شعرها منكوش وتحمل مكنسة مقلوبة! وقفت بجانب فاليريا وصرخت بدورها: "أين اللص؟!!" تحوّل المشهد إلى حربٍ منزلية مصغّرة فاليريا بالمقلاة، عمّتها بالمكنسة، والرجل الغريب يستيقظ مذعورًا من النوم يصيح: "توقفوا! توقفوا!! لستُ لصًااااا!" لكن لا أحد يسمعه فاليريا تصرخ: "خد هذا يا لصّ!" و"حما" تصيح: "خذي من المكنسة يا بنتي!" وفي خضم الفوضى، ظهر نيو ورومي من الغرفة المجاورة، عيونه نصف مفتوحة، وقال بارتباك وهو يرمش: "ما الذي... يحصل هنا؟!" تجمّد الجميع للحظة، ثم صدحت صرخة مدوّية من الممرّ: "توقفوا جميعًا!!!" كان الصوت لعمي "مارك"، يقف عند باب الصالون رافعًا يديه وكأنه يعلن نهاية الحرب! توجّهت الأنظار إليه، فقال بنبرة مشحونة بالغضب والضحك معًا: "إنه ليس لصًا! إنه ويليام!" عمّ الصمت لثانيتين… ثم قالت فاليريا وهي تلهث وتمسح عرقها بالمقلاة: "آه... ويليام؟! ومن وليام هذا.. كنتُ على وشك قتله بالمقلاة الذهبية!" أما "ويليام"، فجلس على الأريكة، شعره منكوش وعلامة المقلاة على جبينه، يتمتم بامتعاض: "يا للترحيب الحارّ... فعلًا منزل مضياف." عمّ الصالون بعدها انفجار من الضحك، حتى أن عمّتها جلست على الأرض من شدّة الضحك وهي تقول: "لو كنتَ لصًا حقيقيًا، لهربت من أول صرخة!" يتبع...