أنا التي لم تمت - إختطاف - بقلم إكرام | روايتك

اسم الرواية: أنا التي لم تمت
المؤلف / الكاتب: إكرام
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: إختطاف

إختطاف

الفصل الخامس أسرعت فاليريا إلى مكتبها، تلهث من شدّة الجري. فهي تُعدّ من أفضل ثلاثة مصمّمين في الشركة، لكنّ هذا اليوم لم يكن عاديًا أبدًا. جلست على كرسيّها محاولةً استعادة أنفاسها، وما إن فعلت حتى دخلت صديقتها وزميلتها في العمل، ملامحها يكسوها الخوف والهلع. قالت بصوتٍ متقطع: "فاليريا! الرئيس غاضب جدًّا… لقد نادى باسمك أكثر من مرّة ولم يتلقَّ أيّ رد، وطلب منّا أن نُخبرك فور وصولك… يبدو قاسيًا وجادًّا للغاية، وأنا خائفة عليك منه!" اتّسعت عينا فاليريا وابتلعت ريقها بصعوبة، الخوف بدأ يتسلّل إلى قلبها: "هل أذهب إليه الآن… أم أنتظر حتى يهدأ قليلًا؟" جلست مجددًا على مقعدها، تشعر بأن أعصابها تتآكل من القلق. قالت صديقتها بحذر: "أنصحك أن تذهبي الآن، لا مفرّ من مواجهته، فالانتظار لن يُغيّر شيئًا… لكن بيني وبينك، رغم قسوته، إلا أنه… وسيم جدًا، بل حلم كل فتاة في الشركة!" أطلقت فاليريا زفرة طويلة، محاولة تهدئة ضربات قلبها، ثم نهضت لترتّب هندامها وشعرها، خصوصًا غرتها التي تغطي نصف وجهها المشوّه. خطت نحو مكتبه بخطواتٍ متردّدة، طلبت الإذن من السكرتيرة التي بدت صارمة كعادتها. توقفت أمام الباب الخشبي الكبير، تفصلها عنه بضع سنتيمترات فقط، ثم طرقت بخفةٍ مرتين. جاءها صوتٌ عميقٌ وجوهري من الداخل، يحمل شيئًا من الهيبة والرهبة: "ادخلي." داخل مكتب الرئيس فتحت فاليريا الباب ببطء ودخلت بخطواتٍ حذرة، كانت أنفاسها تتسارع وهي تشعر بثقل نظراته قبل أن تراه. رفع ماتياس رأسه من وراء مكتبه الفخم، عينيه الباردتين تلمعان خلف نظارته، وصوته خرج منخفضًا لكنه قاطع: ماتياس: تأخّرتِ. فاليريا (بصوتٍ خافت): أعتذر، سيدي... لم أقصد التأخير، فقط حدثت بعض الظروف في الطريق. ماتياس (يضع قلمه على الطاولة ببطء): ظروف؟ في عالم الأعمال لا مكان للظروف يا آنسة فاليريا. هل تعلمين كم مرة ناديت اسمك ولم أسمع ردًّا؟ فاليريا (تخفض رأسها): مرّة… أو اثنتين، سيدي. ماتياس: خمس مرات. خمس مرّات وأنا أنتظر. في كلّ دقيقة كنت أفكّر… هل هذه هي المصمّمة التي يقال إنها من الأفضل في الشركة؟ فاليريا (بتوتر): سيدي، أعدك أن هذا لن يتكرّر أبدًا. ماتياس (ينهض من مكانه، يتقدّم ببطء نحوها): لا أريد وعودًا… أريد نتائج. في شركتي، الأخطاء تُعاقَب بالعمل، وليس بالكلام. فاليريا (تبتلع ريقها، تنظر إليه بخوف): أفهم، سيدي… ما المطلوب منّي؟ ماتياس: ستتولين تصميم النموذج الجديد لسيارات R-Black بنفسك، من الفكرة إلى النموذج الأولي. ثلاثة أيام فقط… لا أكثر. وإن فشلتِ… فمكانك لن يكون هنا بعد الآن. فاليريا (بدهشةٍ وارتباك): ثلاثة أيام فقط؟! لكنّ هذا المشروع يحتاج أسبوعين على الأقل ماتياس (يقاطعها بحدة): لقد سمعتِ المدة. ثلاثة أيام. أخرجي الآن… وابدئي العمل فورًا. صمتٌ ثقيل ملأ المكان. انحنت فاليريا بخوفٍ وقالت بصوتٍ خافت: "كما تأمر، سيدي ماتياس." خرجت من المكتب بخطواتٍ مرتجفة. تزامن خروج ماتياس من المكتب مع رنين هاتفه. أخرج الجهاز من جيب سترته السوداء وضغط على زرّ الرد. ماتياس: تكلّم يا وليام. وليام (بصوت رسمي): أهلًا سيدي، لدي أمران هامّان أودّ إبلاغك بهما. الأول… المراقبة على "روبي" تمت كما طلبت، ولم نلحظ أي تصرّف مريب. كل شيء يبدو طبيعيًا. ماتياس (ببرود): والأمر الثاني؟ وليام (بتردّد): لكن… إن سمحت لي بسؤال، لماذا نراقب "روبي" أصلًا؟ فهي تبدو مخلصة، وولاؤها للمنظمة لا غبار عليه. هل تشكّ في أمرها، سيدي؟ رفع ماتياس حاجبه وأجاب بنبرة هادئة، لكنّها كانت تحمل بين طيّاتها غضبًا مكتومًا: ماتياس: الثقة يا وليام لا تُمنح، بل تُختبر. أبقِ مراقبتك… ولا تسأل مجددًا. ساد صمتٌ قصير على الخط، قبل أن يتنهد وليام وقال بصوتٍ منخفض يحمل حزنًا خفيًا: وليام: سيدي… اليوم مررتُ برجلٍ في الطريق، كان يمسك بيد ابنه بحنانٍ غريب، كأن العالم لا يحتوي سواهما. لا أدري لماذا، لكن ذلك المشهد جعلني أشعر بسوءٍ شديد… فطلبت أن تعفيني من العمل اليوم، لأواجه شيئًا لطالما تهرّبت منه. ماتياس (بهدوء حازم): حسنًا… افعل ما تشاء. وليام (بتردّد): هل تعتقد أن قراري صائب؟ ماتياس: عليك أن تواجه الحقيقة يا وليام، مهما كانت مرّة. فالراحة لا تأتي من الهروب… بل من المواجهة. وليام: شكرًا سيدي. أغلق الخطّ، وبقي ماتياس ينظر إلى الفراغ أمامه... ___________________________________________ في مكانٍ جديد تمامًا… دار نشرٍ أنيقة، يغلب على تصميمها الطابع الأوروبي الراقي، تتزين جدرانها بدرجات الأبيض والأزرق الفاتح، مما يمنح المكان سكينة وهدوءًا يُلهم كل من يدخله. دخل السيد مارك مكتبه بخطواتٍ واثقة، فاستقبلته سكرتيرته بابتسامةٍ مهنية وهي تحمل بين يديها دفتر المواعيد. بدأت بإخباره بجدول أعماله لهذا اليوم، ثم توقفت فجأة لتقول بنبرةٍ غامضة: بالمناسبة يا سيدي… قبل يومين، جاء رجل شاب ضخم البنية، عيناه بنيّتان وشعره طويل قليلًا يصل إلى منتصف عنقه. طلب مقابلتك بشدّة، وقال إنه سيعود قريبًا. رفع مارك حاجبيه باستغراب: ألم يُخبركِ باسمه؟ هزّت رأسها نافية: لا، قال فقط إنك ستعرفه عندما تراه بنفسك. حسنًا، يمكنكِ العودة إلى عملك الآن. أومأت السكرتيرة وغادرت، تاركةً مارك وحده في مكتبه الواسع. كان المكان يغصّ بالكتب المرتّبة بعناية على الرفوف، كتب في الإدارة، الاقتصاد، وفنون القيادة، فلطالما كان مارك عاشقًا للقراءة والهدوء رغم ثرائه الكبير. جلس على مقعده الجلديّ المخصّص للقراءة، وأسند رأسه إلى ظهر الكرسي، يغوص في أفكاره، بينما كان الفضول ينهش عقله: من يكون ذلك الشاب الغامض… وما الذي يريده منه..  في مكتبها الواسع المليء بالتصاميم والملفات، جلست فاليريا تُحدّق في شاشة الحاسوب بعينين مرهقتين. تنهّدت بعمق، وأسندت رأسها إلى راحة يدها قائلة بصوتٍ منخفض: يومٌ آخر طويل... لو يعلموا فقط أنني لست آلة تعمل بلا نهاية. نظرت إلى الساعة التي تجاوزت مزال لديا من الوقت ، وتذمّرت وهي تقلب بين الأوراق المكدّسة أمامها: مشاريع، تقارير، واجتماعات... وكأنهم يظنون أن النوم رفاهية. مدّت يدها نحو فنجان القهوة الباردة، تذوّقت رشفة، ثم عبست متمتمة: حتى القهوة صارت تكرهني. في لحظة من التعب، أراحت رأسها على ذراعها فوق المكتب، فقط لتغلق عينيها "لخمس دقائق" كما وعدت نفسها. لكن الوقت خانها إذ غفت بهدوء دون أن تشعر، فيما ظلت أضواء المكتب تلمع فوق وجهها الشاحب وأوراق العمل تهمس حولها بأسرار الليل الطويل. ___________________________________________ قد حلّ الليل، وأسدلت ستائره على يومٍ مزدحمٍ بالأحداث، متعبٍ للبعض وسعيدٍ لآخرين. كان "السيد مارك" يتّجه إلى منزله بعد أن أنهى أعماله المرهقة والمحببة في آنٍ واحد. لم يستقل سيارة ولا وسيلة نقل، فمقرّ عمله لا يبتعد كثيرًا عن بيته؛ كان يحب فكرة أن يكون مكان عمله قريبًا، ليتمكّن من التجوّل بسهولة دون عناء يُذكر. كانت خطواته تُصدر صدى خافتًا على الطريق المؤدي إلى المنزل، بين أزقةٍ مظلمةٍ يلفّها السكون. لكن وسط سيره، شعر بأنفاسٍ غريبة خلفه... وصدى خطواتٍ تتبعه في الظلام. تملّكه شعور غريب بالمراقبة، وبدأ القلق يتسلل إلى صدره. استدار برأسه فقط، دون أن يحرّك جسده، علّه يلمح شخصًا أو حتى قطة تبرر ما يشعر به. غير أنه أقسم بأن هناك حركة حقيقية خلفه، كأن أحدهم يتربّص به. تسارعت خطواته، كما تسارعت دقات قلبه من هول الفكرة. وحين وصل إلى باب منزله، لم يجرؤ على النظر خلفه؛ أدخل المفتاح بسرعة، ودخل وهو يضع يده على صدره المرهق من الخفقان، ومسح جبينه المبتلّ بقطرات العرق رغم برودة الجو. اقترب من النافذة المطلة على الشارع، نظر طويلًا، لكن لم يرَ أحدًا... فقط صمتٌ مريب يخيّم على المكان. حاول إقناع نفسه بأنه يتوهم، ربما من شدة التعب وقلة النوم. تنفس بعمق واتجه نحو مكتبه، ليضع الأوراق التي أحضرها معه على الرفّ المخصص. لكن في الخارج، كان هناك شخص ما يرتدي بدلة رمادية وقميصًا صوفيًا أبيض، ذا شعرٍ بنيّ وملامح وسيمة، يراقب المنزل بعناية. كان يبحث عن طريقة للدخول، إلى أن لمح نافذة مفتوحة قرب شجرة طويلة عارية الأوراق. تسلّقها بخفةٍ واحتراف، ودخل من خلالها. وفي لحظاتٍ، وجد نفسه وسط مكتبةٍ كبيرةٍ ذات طابعٍ كلاسيكيٍّ، تتناثر فيها الكتب في كل زاوية، تعبق برائحة الورق والهدوء... ابتسم بخفةٍ، وكأن ما ينتظره بدأ للتو. ___________________________________________ استيقظت "فاليريا" من غفوتها كما ظنّت، تحدّق بعينيها المرهقتين حولها بدهشةٍ واستغرابٍ شديدين. كيف نامت في مقرّ عملها؟! لكنّ ما كان أغرب من ذلك هو خلوّ المكان تمامًا… لا أحد. المكاتب فارغة، الصمت يملأ الأرجاء، والهواء ساكنٌ كأنّ الزمن توقّف. نهضت بسرعة، لكنّ الكرسي سقط معها بصوتٍ مزعج، فتسارعت أنفاسها وهي تنظر إلى ساعة الحائط بعينين متّسعتين؛ العاشرة ليلًا! كادت عيناها تخرجان من مكانهما من شدّة الصدمة، أمسكت هاتفها بسرعة لتتفاجأ بسيلٍ من المكالمات الفائتة من عائلتها. "يا إلهي... كم نمت؟!" تمتمت بصوتٍ مرتجف. ثم أطلقت تنهيدة غاضبة وهي تقول في نفسها: "ذلك الرئيس... هو السبب في ما وصلت إليه!" حاولت لملمة أفكارها المبعثرة، مرّرت راحتيها على وجهها لتستعيد وعيها قليلًا، وعدّلت خصلات شعرها المنفلتة، ثم التقطت حقيبتها وهرولت نحو بوابة الشركة. كان المكان غارقًا في الظلام، والممرّات تُضيء بإنارة خافتة بالكاد تكشف الطريق أمامها. تحدّثت مع نفسها بصوتٍ مرتعش: "لماذا لم يوقظني أحد؟ لماذا تركوني هنا؟" بدأت الدموع تتجمّع في عينيها، تهدّد بانفجارٍ وشيك، ثم لم تستطع المقاومة أكثر… عندما وصلت إلى البوابة الخارجية، كانت المفاجأة القاسية بانتظارها البوابة مغلقة! أي لا مفرّ من الخروج. تجمّدت في مكانها، ثم ارتمت على الأرض يائسة، تتفجّر منها نوبة بكاءٍ حادّة. كانت دموعها تنهمر مع كلّ ذكرى سيئة مرت بها، وصوت نحيبها يرتدّ في أرجاء الشركة الفارغة، كأن الجدران تبكي معها. وحين أنهت انفجارها العاطفي، بدأت تستعيد أنفاسها ببطء، تمسح دموعها وتهمس لنفسها بصوتٍ واهن: "اهدئي يا فاليريا... فكّري، هيا." تناولت حقيبتها مجددًا تبحث فيها عن هاتفها، فتحت مصباحه لتستطيع الرؤية، ثم اتجهت إلى مكتب الاستقبال. بدأت تتصفّح سجلّ المكالمات في هاتف المكتب، تبحث عن رقم الحارس المسؤول عن أمن الشركة... كان أملها الوحيد أن يجيبها، وينقذها من هذا الموقف الذي بدأ يبدو وكأنه كابوسٌ لا ينتهي. بعد بحثٍ طويل بين الأرقام والسجلات، وجدت أخيرًا اسم الحارس بصعوبة شديدة، تذكّرته بعد جهدٍ كمن تذكّر اسمًا من الماضي. انتزعت رقم الهاتف وكتبته على عجل، وضغطت زرّ الاتصال بيدٍ ترتجف. مرّت الثواني ببطءٍ قاتل كأنها ساعات. وأخيرًا، جاء الصوت من الطرف الآخر، خافتًا متعبًا، يدلّ على أنه كان نائمًا. الحارس: "من معي؟" فاليريا (بتعب): "أنا... فاليريا، هل تتذكرني؟" الحارس: "آه، نعم، أنتي مصممة الشركة... هل حدث شيء يا آنسة؟" فاليريا: "أعلم أني أطلب منك أمرًا صعبًا، لكن أرجوك، لن أنسى لك هذا المعروف أبدًا." صمت الحارس قليلًا، ثم قال بنبرة جادة: "قولي لي، هل أنتي بخير؟" فاليريا (بصوت متردد): "هل يمكنك المجيء إلى الشركة؟ لقد... علِقت هنا، والليل قد حلّ، وأنا خائفة جدًا." ساد الصمت للحظاتٍ جعل قلبها يخفق بعنف. فاليريا (بقلق): "هل أنت معي؟" جاء صوته أخيرًا، ولكن هذه المرّة بنبرة حزينة: الحارس: "آسف يا آنسة... لقد سافرت اليوم، أخذت إجازتي السنوية، وتم استبدالي بحارس آخر. لا أستطيع المجيء الآن." شعرت "فاليريا" بأن الأرض تميد تحتها. فاليريا (بصوت مختنق بالبكاء): "حقًا؟ ماذا سأفعل الآن...؟ حسنًا، سأتصل بعمي أو بنيو..." لكن صوته قاطعها بسرعة: الحارس: "انتظري، لا تغلقي الهاتف! سأحاول الاتصال بالرئيس. سمعت أن قصره قريب من الشركة، ولديه نسخة من مفاتيحها، قد يستطيع مساعدتك." فاليريا (بتوتر): "لا، لا أريد إزعاجه الآن... ربما يكون مع زوجته أو ابنته..." الحارس (بهدوء): "لا تقلقي، زوجته توفيت منذ سنوات، ولديه ابنة واحدة فقط. سأهتم بالأمر." ثم أغلق الخطّ دون أن يسمع ردّها. حدّقت في الهاتف للحظات، قبل أن تنهيدة طويلة تفلت من صدرها. أعادت الاتصال بعَمّها "مارك"... لا ردّ. ثم حاولت "نيو"… ولا أحد يجيب. وضعت الهاتف جانبًا، تمتمت بانفعالٍ خافت: "أوفف... حتى الهاتف تواطأ ضدي الليلة!" في مطعمٍ راقٍ يتلألأ بضوءٍ ذهبي خافت، جلس ماتياس أمام ابنته "ميلر" التي بدت غارقة في النظر إلى طبق الحلوى أمامها أكثر من حديث والدها. كانت المائدة مرتّبة بعناية، والجو يعكس سكونًا نادرًا في حياة رجلٍ اعتاد أن يُطارد الصفقات والقرارات لا لحظات الهدوء. ماتياس (بصوتٍ هادئ وهو يقطع قطعة من اللحم): ميلر، ألم أقل لك أن عليكِ تناول الطعام لا اللعب به؟ ميلر (بخجل وهي ترفع عينيها): آسفة أبي، فقط... لا أشتهي الأكل. ابتسم بخفة، تلك الابتسامة التي لا تظهر إلا حين يكون "الأب" وليس "الرئيس". ماتياس: هل لا زلتِ غاضبة مني؟ هزّت رأسها بالنفي وهي تعبث بشوكتها بخجلٍ طفولي. أوشك أن يمدّ يده ليمسح على شعرها عندما رنّ هاتفه الموضوع على الطاولة بنغمةٍ رسميةٍ قاطعةٍ كسكينٍ في صمت المكان. تجمّدت نظراته لثوانٍ، ثم التقط الهاتف. ماتياس (بصوتٍ رسمي): نعم، من معي؟ جاء صوت الحارس عبر السماعة مترددًا وقلقًا: الحارس: سيدي ماتياس، آسف لإزعاجك في هذا الوقت، لكن الأمر عاجل... يتعلق بالسيدة فاليريا. ارتسمت على وجهه علامات التركيز الفوري، بينما رمق ابنته بنظرةٍ سريعة. ماتياس: ماذا بها؟ تكلم. الحارس: تلقيت اتصالًا منها قبل قليل، كانت محبوسة داخل مبنى الشركة بعد انتهاء الدوام... يبدو أنها بقيت وحدها، ولا تستطيع الخروج. حاولتُ مساعدتها، لكنني في إجازة، ولا يوجد حارس بديل حتى الآن... صمت ماتياس للحظة، ثم نهض بهدوء من مقعده قاطعه ماتياس: "لا داعي... سأهتم بالأمر بنفسي." أنهى المكالمة دون وداع، وضع هاتفه في جيبه، ثم انحنى نحو ميلر: ماتياس (بلطفٍ مصطنع يخفي توتره): عزيزتي، عليّ الذهاب إلى مكانٍ مهم. سيأخذك السائق إلى المنزل، حسنًا؟ رفعت ميلر رأسها باستغراب: ميلر: لكن أبي... وعدتني أن نذهب  لحديقة الملاهي بعد العشاء! تردد لحظة، ثم ابتسم لها بخفةٍ وأجاب بصوتٍ دافئ: ماتياس: وعدي لا يُكسر... فقط تأجّل قليلًا، يا صغيرتي. ربت على كتفها، ثم غادر المطعم بخطواتٍ ثابتة تفيض هيبة، تاركًا خلفه ضوء الثريا ينعكس على نظراته المليئة بشيءٍ لم تفهمه ابنته… مزيج من الغضب، القلق، والفضول. ___________________________________________ في مكتب مارك، كانت الخطوات تتسلل بحذر خلفه، خطوات رجلٍ مجهول يراقبه بصمتٍ قاتل. مارك كان منشغلاً بترتيب أوراقه داخل خزانةٍ حديدية، دون أن يشعر بالمتربص الذي يقف وراءه كظلّ ثقيل. وفجأة، انقضّ الرجل المجهول عليه، وأمسكه بقوة، ليدفعه نحو الحائط محاصرًا إياه بذراعين قاسيتين حول عنقه. ارتجفت أنفاس مارك وهو يحاول التملص، لكن قبضته كانت كالفولاذ، تخنقه ببطء أخيرًا. قدٍ، وحزنٍ، ومشاعر مختلطة يصعب فهمها. قال بصوتٍ مبحوحٍ يغلي بالألم: "لماذا تركتني؟! والأسوأ من ذلك… لم أولد بعد!" تلعثم مارك بصعوبة وهو يلهث: "ماذا تقول أيها الرجل؟ ما الذي تعنيه بأنني تركتك؟" قهقه الرجل بمرارةٍ موجعة، وقال: "ألم تتعرف عليّ يا أبي؟" تجمدت ملامح مارك، وكأن الكلمات سقطت عليه كصخرةٍ على صدره، تمتم بصوتٍ خافتٍ مشوش: "أبي…؟ هل لديّ ابن؟ ما الذي يحدث هنا؟ لا أفهم شيئًا…" تجمّدت أنفاس المكان. وقف ويليام أمام مارك، عينيه تشتعلان غضبًا وألمه يسبق كلماته. ويليام (بصوت مرتجف): أمي أخبرتني أنك والدي… قبل أن تموت قالت إنك تخلّيت عني وعنها! تراجع مارك خطوة، ملامحه بين الدهشة والارتباك: مارك: ماذا تقول؟ من أنت أصلًا؟ ويليام: أنا ويليام… ابن ليندا. قالت إنك أبي، وإنك تركتنا بعد زواج قصير، وتزوجت بأخرى… وتركتنا نعاني وحدنا  . ساد صمتٌ ثقيل، ثم همس مارك وكأن صاعقة ضربت ذاكرته: مارك: ليندا… يا إلهي! كانت زوجتي الأولى فعلًا… لكنها لم تخبرك الحقيقة الكاملة ،وأنا  لم أتركها. أخفض ويليام نظره، وجهه متوتر، لا يريد أن يصدق. ويليام: كاذب! لقد سمعت الحقيقة منها بنفسها قبل وفتها. اقترب مارك بخطوات بطيئة، يخرج من درج مكتبه ظرفًا قديمًا بالٍ، أخرجه بعناية. مارك (بحزن): قبل أن تغادر، قومنا بتحليل تدل أنك الطفل ليس لي… وأنها خافت أن أرفضها لو عرفت الحقيقة. اتسعت عينا ويليام بصدمة: ويليام: ماذا؟ هذا مستحيل… تقصد أنا إبن غير شريعي.. مارك (بصوتٍ متهدج): صدقني يا بني… أحببت أمك بصدق، لكننا انفصلنا بعدما إكتشفت  الحقيقة. لم أكرهها يومًا، فقط… رحلت بصمت. جلس ويليام على أقرب كرسي، يضع يديه على رأسه، صوته يخرج مبحوحًا: ويليام: إذًا… عشتُ حياتي أكرهك ظلمًا… وأكره نفسي أكثر. اقترب مارك ووضع يده على كتف الشاب بلطفٍ أبويّ: مارك: لا تلُم نفسك يا ويليام… أمك كانت خائنة،  وبسببها دخلت الى السجن واخذت كل أملاكي بحيلة ذنيئة جدا. أردف بحزن على حاله بائسة: ما زال الباب مفتوحًا إن أردت أن تبدأ من جديد. انهارت دموع ويليام بصمتٍ، كأن الحقيقة أطفأت النار في داخله اخيرا... جلس ويليام على الأرض، عيونه زائغة، وصوته يخرج مبحوحًا من بين دموعه: ويليام: كل شيء انهار بداخلي… كرهت رجلاً لم يكن يستحق الكره، وصدّقت كذبة دمرتني. اقترب مارك ببطء، ثم جلس أمامه، يمد له منديلاً بصمتٍ حنون. مارك: الماضي انتهى يا بني، المهم ما ستفعله الآن. رفع ويليام نظره، صوته متردد كطفلٍ خائف: ويليام: لا مكان لي أذهب إليه… هل يمكن أن أبقى هنا، فقط الليلة؟ ابتسم مارك بخفوتٍ وأومأ برأسه: مارك: البيت بيتك يا ويليام. أغلق ويليام عينيه، وانفجر بالبكاء أخيرًا، بينما مارك بقي صامتًا، يحمل في قلبه ثقل الحقيقة التي جاءت متأخرة جدًا. ___________________________________________ في اللحظة التي بدأت فيها دموع فاليريا تجف، سمعت أصوات خطوات قوية تقترب من الممر المعتم، وصوتًا رجوليًا صارمًا يقول: ماتياس: فاليريا… رفعت رأسها ببطء، عيناها متسعتان من الدهشة والخوف والارتياح معًا. فاليريا (بصوت متهدج): سيدي… أنت؟ كيف؟ توقف أمامها، نظراته قاسية في ظاهرها، لكن فيها قلق دفين. ماتياس: هل هذه طريقتك في إنهاء يومك؟ النوم في المكتب حتى تغلقي على نفسك؟ خفضت رأسها خجلًا، تحاول أن تبتلع ارتجاف صوتها. فاليريا: لم أقصد… فقط غفوت قليلًا من الإرهاق… ولم أنتبه للوقت. تنهد ماتياس، ثم أدار وجهه جانبًا محاولًا إخفاء ابتسامة صغيرة، قبل أن يخلع سترته ويضعها على كتفيها بلطف: ماتياس: الجو بارد… لا أريد أن تمرضي، فعملي يحتاجكِ غدًا. نظرت إليه بدهشة، قلبها يخفق بقوة تحت عباء من الخجل. فاليريا (بهمس): شكرًا… ماتياس (بصوت منخفض): لا تشكريني، فقط لا تكرريها. قادها نحو سيارته السوداء الفاخرة، فتح لها الباب بنفسه دون أن ينظر إليها مباشرة. خلال الطريق، كانت تراقب ملامحه المنعكسة في زجاج السيارة؛ هادئة، لكنها تحمل شيئًا لا تعرفه… وعندما توقفت السيارة أمام منزلها، مد يده ليمنعها من النزول فورًا وقال بنبرة أخف من المعتاد: ماتياس: المرة القادمة… إن شعرتِ بالتعب، اخبريني. لا أريد أن أجدكِ في موقف كهذا مجددًا. أومأت بخجل، وغادرت السيارة.. دخلت فاليريا إلى المنزل بعد رحلةٍ طويلةٍ ومتعبة، بالكاد ألقت نظرة على أفراد عائلتها قبل أن تصعد إلى غرفتها. كان التعب يثقل جسدها، وكل ما أرادته هو حمّام دافئ يمسح عنها فوضى هذا اليوم المزدحم بالأحداث؛ من أسرارٍ اكتشفتها عن والدها، إلى مرض عمّها، ثم ذلك الموقف المرهق في الشركة. خلعت ملابسها واتجهت إلى الحمّام، تاركة الماء ينهمر فوق جسدها كأنه يغسل الهمّ من قلبها قبل جسدها. بعد قليل، خرجت وهي تلف جسدها بثوب الحمّام، ارتدت قميصًا صوفيًا أبيض ناعم الملمس، وسروالًا أبيض مزدانًا بخطوطٍ ذهبية خفيفة. بينما كانت تُسرّح شعرها، دوّى صوت إشعارٍ من هاتفها على الطاولة. مدّت يدها بتكاسل، فتحت الشاشة، لتتسع عيناها فور أن قرأت الرسالة: "منتصف الليل... تحت منزلك. بلاك وود." صفعت جبينها بخوفٍ وارتباك، تذكّرت الموعد الذي نسيته تمامًا… ثم التفتت بسرعة إلى الساعة، فارتجف قلبها حين رأت العقارب تشير إلى الحادية عشرة وخمسين دقيقة. خرجت متسلسلة من منزل بعد ان ارتدات معطفها واغلقت الباب ببطئ شديد لكي لايسمع صوت غلقه.. حلّ منتصف الليل، وكانت شوارع لندن شبه خالية إلا من ضوء المصابيح المتراقص على الأرصفة المبلّلة من أثر المطر. الهدوء يخترقه فقط صوت خطوات فاليريا، الحذرة، وهي تقترب من المكان المحدد في الرسالة  أمام منزلٍ متداعٍ، تقف عند بابه سيارة سوداء لامعة كأنها تنتظرها منذ قرون. تردّدت لحظة، نظرت حولها... لا أحد. مدّت يدها نحو الباب الأمامي للسيارة، لكن فجأة، انبعث ضوء أحمر خافت من داخلها، ثم فُتح الباب تلقائيًا ببطءٍ مريب. همست بخوف: من هناك...؟ لم يُجبها أحد، لكن صوتًا رجوليًا عميقًا خرج من مكبر صغير داخل السيارة: ادخلي، فاليريا... الوقت لا ينتظر أحدًا. ترددت، ثم استجمعت شجاعتها ودخلت. كانت المقاعد من الجلد الأسود، تفوح منها رائحة دخانٍ ممزوجة بعطرٍ رجالي قوي. ما إن جلست حتى أُغلِق الباب خلفها تلقائيًا، وتحركت السيارة دون سائق! وضعت يدها على صدرها تحاول تهدئة نبضها، بينما يرافقها صوت موسيقى كلاسيكية هادئة. بعد لحظات توقفت السيارة أمام جسرٍ حجريٍّ مهجور يلفّه الضباب. فُتح الباب من جديد، وخُيِّل لها أن الظلام نفسه يتشكّل على هيئة رجلٍ يقترب منها بخطواتٍ بطيئة. كان طويل القامة، يرتدي معطفًا أسود طويلًا وقناعًا معدنيًا يخفي وجهه، إلا من عينين لامعتين تشعّان تحت القناع. تراجعَت خطوة إلى الوراء وقالت بصوتٍ مرتجف: أنت... "الجوكر الأسود"؟ ابتسم بخفة، وصوته يقطر غموضًا: وأخيرًا التقينا يا فاليريا... كنتُ أنتظر هذه اللحظة منذ زمن. أجابت بحذر: ماذا تريد مني؟ ولماذا أنا بالذات؟ اقترب منها أكثر حتى شعرت بحرارة أنفاسه تلامس وجهها رغم برودة الليل، ثم قال بنبرةٍ خافتة: لأن دمكِ يحمل سرًّا... سرًّا أخفاه والدكِ عن الجميع. حدّقي جيدًا في الظلام، فكل ما ظننته صدفة... لم يكن كذلك أبدًا. توسعت عيناها رعبًا، وارتجفت شفتيها وهي تهمس: ماذا تقصد؟ ما علاقة والدي بك؟ ضحك بخفّة، واستدار متجهًا نحو السيارة وهو يقول: قريبًا ستعلمين، يا ابنة جورج مونتغمري... قريبا جدًا. ثم اختفى داخل الظلام، تاركًا خلفه بطاقة صغيرة تسقط عند قدميها، كتب عليها: "المرحلة الأولى بدأت..." اقترب منها بخطواتٍ هادئة، تتسلل منها نية خفية لا تُفهم بسهولة، أمسك بقطعة قماش مبلّلة برائحة غريبة، وما إن وضعها على أنفها حتى اتسعت عيناها للحظة ثم بدأ بصرها يبهت شيئًا فشيئًا، تمايل جسدها كزهرة ذابلة، ثم سقطت بين يديه بلا حراك. نظر إليها  جوكر الاسود كما اسمته، بصمتٍ طويل، ملامحه لا تُفصح عمّا يدور في أعماقه، حملها برفقٍ غريب وكأنها كنز ضائع، وضعها في المقعد الخلفي لسيارته السوداء، ثم انطلق لوجهةٍ مجهولة، تبتلعها ظلمة الليل وصوت المحرك الهادئ لم يكن أحد يعلم إلى أين يأخذها، ولا السبب الحقيقي وراء تلك النظرة التي اختلط فيها الغضب بالشفقة.