أنا التي لم تمت - المدير الجديد - بقلم إكرام | روايتك

اسم الرواية: أنا التي لم تمت
المؤلف / الكاتب: إكرام
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: المدير الجديد

المدير الجديد

شعرت بيدٍ تمسك يدها وتسحبها بعيدًا عن الصندوق قبل أن تفتحه. رفعت رأسها، حاجباها على شكل زاويةٍ حادة، والغضب واضح على ملامحها. قال عمّها مارك بصوتٍ متعبٍ لكنه حازم: لا تفتحي الصندوق الآن، فاليريا. أنصحكِ أن تأخذيه إلى غرفتك، واقرئي محتواه هناك بهدوء. أومأت برأسها موافقة، أغلقت الصندوق برفق، وكادت أن تخطو نحو الباب... لكن صوت أنينٍ مفاجئ قطع سكون الغرفة. استدارت بسرعة لتراه يمسك رأسه ويتلوّى من شدّة الألم. قذفت الصندوق أرضًا، وهرولت نحوه، تمسك بذراعه وتجلسه على المقعد. قالت بنبرةٍ يغمرها القلق: عمي! هل أنت بخير؟ ما الذي يحدث؟ هذه أول مرة أراك على هذه الحال! أنت تهتم بنظامك الغذائي دائمًا، فما المشكلة؟ أشار بيده أن تهدأ، وقال بصوتٍ متقطع: اهدئي يا فاليريا... لا تطرحي الأسئلة الآن. اجلسي، لدي ما أقوله لكِ. مدّ يده نحوها، كأنه يطلب منها وعدًا. شعرت بأن مصيبةً ما تختبئ خلف ذلك الطلب، ومع ذلك، وضعت يدها في يده، وعاهدته. نظر إليها نظرةً لن تنساها ما حييت نظرةً امتزج فيها الثقة والأمل والحزن في وقتٍ واحد، مشاعر لم تعرف كيف يمكن أن تجتمع في وجه إنسان. بصوتٍ متهدّج بالكاد يُسمع، قال: قبل شهرين فقط... بدأت تظهر عليّ أعراض غريبة. صداع متكرّر، قيء مستمر، نوبات متزايدة. ذهبت إلى الطبيب سرًّا دون أن أخبر زوجتي، و... (يصمت قليلًا) كانت الصدمة هناك. تجمّدت فاليريا في مكانها، قلبها يخفق بقوة. تابع العم بصوتٍ مبحوح: بعد الفحوصات، تبيّن أن لديَّ ورمًا خبيثًا في الدماغ... في مرحلته الأخيرة. شهقت فاليريا، وعيناها تتّسعان بالذعر. لا، لا تقل هذا، عمي! لا بدّ أن هناك علاجًا! سنقوم بعملية جراحية، وإن كانت المشكلة في المال، سأعمل ليلًا ونهارًا لدفع التكاليف! قاطَعها بنبرةٍ حازمة رغم ضعفه: لا، يا ابنتي... المرض انتشر. العلاج لن يُنقذني، سيؤجّل النهاية فقط. انهمرت دموعها، وهي تشعر بأن القدر يسلب منها الأب الثاني الذي وهبها الأمان بعد رحيل والدها. ضمّها إلى صدره بحنانٍ وألم، وقال بصوتٍ خافتٍ متكسر: تمنّيتُ أن أراكِ عروسًا، وأن أحتضن أحفادي منك... لكن يبدو أن العمر لن يمهلني. أمسك بيديها وقال بصدقٍ موجع: لهذا السبب أخبرتكِ اليوم بكل ما يتعلق بوالدك. أردت أن أرحل بسلام، دون أن تبقى الأمانة حبيسة صدري. تشبّثت به باكية، كأنها تخشى أن يتلاشى من بين يديها، لكنّه ابتسم رغم الألم، وقال وهو يمسح دموعها: كوني قوية، يا فاليريا. لقد رأيت فيكِ أعظم ما في البشر من قوة وصبر. تذكّري دائمًا... أنتِ ابنتي، حتى لو لم أكن والدك بالدم. أومأت برأسها، وصدرها يختنق بالبكاء، ثم وقفت امتثالًا لرغبته. غادرت الغرفة وهي تحمل الصندوق الأسود بين يديها، بينما الفضول ينهشها لتعرف ما يخفيه وصوت أنين عمها ما زال يتردد في أذنيها، كجرس نذيرٍ مؤلم. تقدّمت فاليريا إلى غرفتها ودموعها تملأ عينيها. أخذت تتلفّت بأنظارها تبحث عن مكان مناسب لإخفاء الصندوق. لمحَت خزانتها الخشبية، فخطر في بالها أن تضعه فوقها. أحضرت كرسي مكتبها، صعدت عليه، ووضعت الصندوق بعناية وهي تحاول كبح فضولها الذي كان يشتعل داخلها. نظرت إلى ساعتها ففزعت؛ لقد تأخرت عن العمل! كادت تسقط من فوق الكرسي في عجلتها. التقطت حقيبتها بسرعة، وأخبرت أهلها بأنها ستغادر دون أن تنتظر ردّهم. وقفت عند الرصيف تنتظر مرور سيارة أجرة، تتمنى في سرّها لو تمتلك يومًا سيارة تريحها من عناء الطريق الطويل. لوّحت بيدها عندما رأت سيارة صفراء تقترب، وهرولت نحوها، لكن فجأة شدّ أحدهم طرف معطفها من الخلف. التفتت بسرعة، ظنّت أن الأمر تحرّش، لكنّها فوجئت بطفل صغير في العاشرة من عمره، ملامحه بريئة وجميلة، يمدّ إليها ظرفًا أسود مكتوب عليه بخطّ أنيق: "إلى فاليريا". نظرت إليه باستغراب وسألته: من أعطاك هذا؟ رفع كتفيه بجهل وقال: لا أعرف، فقط طلبوا مني أن أوصله إليك. ناولها الظرف ثم ركض مبتعدًا. نظرت فاليريا إلى الظرف بشكّ وحيرة، تتساءل إن كان فخًا أو شيئًا غامضًا آخر. استفاقت من شرودها على صوت بوق سيارة الأجرة. ركبت بسرعة وأغلقت الباب، ثم قالت للسائق: إلى مقرّ شركة رولز رويس، من فضلك. كانت تعمل هناك، في واحدة من أكبر الشركات الاقتصادية في بريطانيا، المشهورة بصناعة السيارات الفخمة ومحركاتها القوية. _________________________________________ القائد الأعلى بصوت حازم: توقّف... ماتياس. استدار ماتياس بجسده نحو قائده، وعلامة الاستغراب بادية على وجهه، إذ كانا قد أنهيا حديثهما للتو. قال بنبرة باردة: نعم؟ ماذا هناك الآن؟ القائد الأعلى بغضبٍ ظاهر: انتبه لنبرة صوتك وأسلوبك معي! ماتياس، وقد اشتعل الغضب في عينيه كشرارة حارقة، أجاب بثقة: أنا لست عبدك! بيننا اتفاق واضح، فلا تتجاوز حدودك... أنا رجل حرّ، لا أتبع أحدًا. ضحك القائد ضحكة خافتة مليئة بالسخرية، وقال: ولهذا تحديدًا اخترتك لتقود رجالي... لشهامتك، لقوتك، ولتلك الكبرياء التي لا تنحني. لكن لا تفسّر الأمور كما تشاء، فهناك ما هو أهم من كبريائك يا ماتياس. اقترب منه بخطوات بطيئة ونبرة غامضة: هذه المهمة الثانية التي أوكلتها إليك، وأتوقّع منك أن تنجزها دون خطأ واحد. ماتياس ببرود وثقة: تم تنفيذ الجزء الأول... وما زال الطريق طويلًا، إنها البداية فقط. القائد الأعلى بتهديد واضح: لا أريد أخطاء، وإن حدث ما يُغضبني... أقسم أني سأدمّرك بنفسي. لن أضع لك أي اعتبار، فكل شيء هنا خاضع لمصلحتي فقط. ماتياس بابتسامة هادئة ونظرة تحدٍّ: لا تقلق... أنت تتعامل مع ماتياس، لا مع شخصٍ آخر. ثم أضاف بسخرية: هل أذهب الآن، أم أن هناك شيئًا آخر يا سيدي؟ أشار القائد بيده إشارة مختصرة تدل على الانصراف، فابتسم ماتياس بخفة، واستدار مغادرًا بخطوات واثقة، يترك خلفه صدى توترٍ ثقيل في الغرفة. ركب ماتياس سيارته، وتبعه موكب من السيارات السوداء الفاخرة التي تحيط به كحرسٍ متحرك. أخرج معطفه الأسود ورَتّب ياقة سترته بسرعة، أخرج هاتفه الذكي من جيبه وضغط على زرّ ليتصل. وضع السماعة في أذنه وانتظر الرد. صوت في الهاتف: أهلاً سيدي. قال ماتياس بصوتٍ جاف: استمع إليّ جيدًا... سأطلب منك الآن شيئًا عليك تنفيذه فورًا. اعتبرها فرصةً لإثبات ولائك. بعد أن أنهى المكالمة، بينما كان يقود سيارته في الطريق، وصلته رسالة على واتساب. كانت من خادمته ومربّيته أنستانزيا تفيده بأن ابنته ميلر أغلقت باب غرفتها وتصرخ الآن وتطلب منه الحضور فورًا. تردد في صوته، وقال بحزم: اللعنة، الآن ليس الوقت مناسبًا. مسح وجهه بيدٍ خشنة، ثم ضغط على فرامل السيارة ليوقفها فجأة، وكاد يتسبّب ذلك بحادث للسيارات التي خلفه. خرج مساعده الشخصي من سيارته مسرعًا مستفسرًا عن سبب التوقف المفاجئ. ضغط ماتياس بمزيد من الغضب على المقود وقال بحدة: اذهب إلى الشركة وانتظرني هناك. اعترض وليام، مساعده، قائلاً: سيدي، هناك خطر... قاطعَه ماتياس بغضبٍ شديد: ارحل عن طريقي قبل أن أجعلك عبرةً لمن يعتبر، وتصبح فريسةً لذئابي جائعة! ركب وليام إلى سيارته وأشار إلى سيارات الموكب أن تتبع دون تردّد. عندما تأكد ماتياس من مغادرتهم، اتّجه بسيارته إلى قصره ليحلّ أمر ابنته المشاكسة بنفسه. لم يعلم أن فقدان الأم قد جعل ميلر تبحث عن من يحتضنها؛ ولكن صدق ان الاب الامن والسند في صعوبات الحياة.... ___________________________________________ تردّدت فاليريا قبل أن تفتح الظرف الأسود بين يديها. جمعت شجاعتها كلها، مرّت أصابعها على طيّات الورق، ثم فتحت ببطء. أخرجت بطاقة بيضاء، مكتوب عليها بخطٍّ بارد: "لقاء في منتصف الليل  أمام منزل السيارة السوداء. تحذير: إن لم تأتِ سأتصرف تصرُّفًا لن يرضي أحدنا. بلاك وود بومنت". استغربت من الاسم مدون اسفل الرسالة ولكنها تدركت الامر فلا غيره سيرسل رسالة  وضحكت بغفوت فا انا من سميته بالجواكر الاسود.. غاص قلبها بشيءٍ من الخوف؛ كانت عبارة "إن لم تأتِ" وكأنها سيفٌ يلوح فوق رأسها. أغلقت البطاقة بيد مرتجفة، وصوت صدرها تعلوه دقات متسارعة. همست لنفسها: «إنه جادٌّ في قراره... فاليريا، عليكِ فعل ذلك؛ هو يؤمن بك». دفنت الظرف في حقيبتها، وحاولت إتقان ملامحها حين وصلت إلى الشركة، لكن فضولها وقلقها لم يسكنا. __________________________________________ نزل من السيارة بعد أن ركنها في مكان مناسب، عدّل من هندامه وحاول كبح جماح غضبه قبل أن يلتقي بابنته، فهو لا يريدها أن تخاف منه. تقدّم بخطوات تكسوها الهيبة والوقار نحو مدخل القصر. استقبلته أنستازيا وعلى وجهها علامات اضطراب واضحة، كانت تفرك يديها وتنظر إلى الأرض بتوتر. قال بصوت هادئ تخفي نبرته غضبًا مكتومًا: "أين هي الآن؟" أجابت بتلعثم وهي تخشى غضبه: "إنها حبيسة في غرفتها، كما أخبرتك يا سيدي..." تسلّق الدرجات نحو جناحه، فغرفتها تقع بالقرب منه، إذ كانت أحيانًا تنام بجانبه، أو ينام هو قربها حين تراودها الكوابيس لتشعر بالأمان. طرق الباب برفق وقال بصوت خافت: "افتحي يا ميلر... هيا، حبيبتي." جاءه صوتها المرتجف من خلف الباب، وقد بدا أنها كانت تبكي: "لن أفتح... افعلوا ما تريدون!" قال محاولًا كبح حزنه: "لماذا يا ميلر؟ هل قصّرت معكِ في شيء؟" أجابته ببكاء متقطع: "أنت لا تحبني... منذ وفاة أمي لم تعد تهتم بي، كل وقتك للأعمال التي لا تنتهي، أما أنا فلا وقت لي في حياتك!" زفر بعمق، مدركًا كم كان غافلًا عن تفاصيلها الصغيرة. لم يكن يقصد أن يُشعرها بالإهمال، فقد ظنّ أن توفير كل احتياجاتها كافٍ ليعبّر عن اهتمامه... لكن كلماتها الآن كانت كصفعة أيقظت قلبه. تنفّس ببطء محاولًا طرد كل الأفكار السلبية التي اجتاحته، ثم قال بصوت أكثر لطفًا: "ميلر، عزيزتي... افتحي الباب، لنتحدث بهدوء. لا أريد سوى أن نصل معًا إلى حلّ." ردّت بعد لحظة صمت: "حسنًا... لكن عليك أن تسمعني حتى النهاية." ابتعد قليلًا عن الباب كما طلبت، فسمع صوت القفل يُفتح. ظهرت ابنته ذات العشر سنوات، بعينيها الحمراوين من البكاء، وخدّيها المتوردين، وشعرها الأشقر الطويل المبعثر. كانت الغرفة في حالة فوضى عارمة؛ ألعاب متناثرة، كتب ممزقة، ورسومات مشطوبة  دليل على نوبة غضب اجتاحتها قبل لحظات. جلست على حافة السرير بصمت، بينما سحب هو كرسي مكتبها وجلس قبالتها، ناظرًا إليها بعطف واضعًا كفّيه على وجهه للحظة ثم قال بلطف: "ما بكِ يا صغيرتي؟" نظر إليها مطولًا، يحاول قراءة ما تخفيه ملامحها الصغيرة. كانت تطرق رأسها، تتلاعب بأطراف ثوبها بصمت، ثم قالت بصوت مرتجف: "اشتقت لأمي... كانت دائمًا تسمعني، وتضحك معي، وتغني لي قبل أن أنام... أما أنت، فلا تنظر إلي حتى." شعر وكأن شيئًا انكسر بداخله، كأن كلماتها سقطت في قلبه كسيف بارد. اقترب منها بخطوات بطيئة، وجلس على الأرض أمامها حتى أصبح بمستواها. "ميلر... كنت أظن أنني بحمايتك وتوفير كل شيء لك أكون أبًا جيدًا، لكن يبدو أنني كنت أهرب من حزني بطريقة خاطئة." رفعت رأسها بخجل، ودمعة عالقة على خدها: "كنت دائمًا مشغولًا... حتى يوم ميلادي لم تتذكر ." أخفض عينيه خجلًا من نفسه، ثم مد يده يمسح دموعها بلطف وقال بصوت مبحوح: "أعلم، سامحيني يا صغيرتي.... لكنكِ ما زلتِ النور الوحيد في حياتي، ولن أسمح أن يبتلعني العمل عنكِ بعد الآن." اقتربت منه بخطوة صغيرة ثم ألقت بنفسها في حضنه، فضمّها بقوة، كما لو أنه يحاول تعويض كل لحظة غياب. همس في أذنها: "أعدك... لن أترككِ وحدك بعد اليوم." ابتسمت من بين دموعها وقالت بصوت طفولي: "إذن، لا تذهب غدًا إلى العمل؟" ضحك بخفة ومسح على شعرها: "سأذهب... وغدًا سنقضي اليوم سويًا، فقط أنا وأنت." رفعت وجهها الصغير وقالت بابتسامة: "صفقة!" ضحك وهو يشبك أصابعه بأصابعها قائلًا: "صفقة يا أميرتي." وفي تلك اللحظة، شعر أن العالم توقف قليلًا، وأن قلبه الذي أثقلته المسؤوليات عاد ينبض من جديد، بفضل حضن صغير ودمعة صادقة. تراجعت إلى الخلف بخطوةٍ صغيرة وهي تمسح دموعها. واصل حديثه وهو ينظر حوله إلى الفوضى التي عمّت الغرفة: ـ "سأرسل لكِ الخادمات لينظّفن هذه الفوضى التي أحدثتِها. وأنا الآن مضطر للذهاب إلى عملي... فأنتِ تعرفين أنني صارم عندما يتعلق الأمر بالوقت." نظر إليها بثباتٍ قبل أن يضيف بصوتٍ أكثر لينًا: ــ"أريدكِ أن تكوني فتاة مطيعة، يا ميلر... وعدٌ منّي، إن التزمتِ كلمتك، ستكون هديتكِ القادمة مميزة جدًا." ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجه ميلر، بينما هو غادر الغرفة بخطواتٍ ثابتة، حاملاً في داخله قلقًا دفينًا لا يريد أن تُدركه طفلته... ___________________________________________ ما إن توقّفت السيارة الصفراء أمام المبنى الزجاجي الضخم الذي يحمل شعار "Rolls-Lewis Corporation"، حتى رفعت فاليريا رأسها بتأمل. كانت الواجهة اللامعة تعكس ضوء الشمس كأنها مرآة عملاقة، والزجاج يلمع كالألماس. بدا المكان مهيبًا، فخمًا، يحمل رائحة النجاح والصرامة في آنٍ واحد. ترجّلت من السيارة بخطوات واثقة، رغم اضطرابها الداخلي. سارت عبر البوابة الإلكترونية، حيث اصطف رجال الأمن ببدلات سوداء ونظرات حادة، وانبعث من أجهزة التهوية عبير خفيف من الفانيليا والجلد الجديد. بمجرد أن دخلت بهو الشركة، استقبلها المشهد بصوت صدى أقدام الموظفين وهم يسيرون على الأرضية الرخامية اللامعة، وأصوات الهمسات تتردد في الأرجاء. كانت الوجوه مشدودة، والأعين تلتفت نحوها أحيانًا بخفة، وأحيانًا بخوفٍ مكتوم. رفعت حاجبها بتعجب وهمست لنفسها: "ما الذي يجري هنا؟ كأن الجميع في حالة توتر..." اقتربت من مكتب الاستقبال، حيث كانت إحدى الموظفات تهمس لزميلتها ثم تلتفت إليها بابتسامة مصطنعة. سألتها فاليريا بنبرة فضول: "هل هناك شيء يحدث؟ الكل يتحدث وكأن زلزالًا مرّ هنا." تبادلت الموظفتان نظرات سريعة قبل أن تهمس إحداهما بحذر: "لم تسمعي بعد؟ لقد تم تعيين رئيس جديد للشركة قبل دقائق فقط." اتسعت عينا فاليريا بدهشة: "رئيس جديد؟ لكن... لم يُعلن عن أي تغيير من الإدارة!" أجابت الموظفة الأخرى بصوت منخفض وكأنها تخشى أن تُسمع: "الأمر مفاجئ للجميع... وصل القرار من المقرّ الرئيسي صباح اليوم. ويبدو أن الرئيس الجديد سيباشر مهامه اليوم نفسه." ارتبكت فاليريا للحظة، أحسّت بارتباك غريب يسري في صدرها. همست في نفسها وهي تتجه نحو المصعد: "رئيس جديد؟ من يكون يا تُرى؟ اجابت وهي تحاول تذكر الاسم رئيس الجديد، وبحماس " تذكرت انه يدعي ماتياس..... هل هو ابنه؟، اقصد الوريث.. نفت موظفة "لا ليس وريث، فقد سمعت انه ثم تعينه لكفاءة وثقة رئيس السابق له" ، كأنها تنظر إلى قدرٍ مجهول ينتظرها خلف الأبواب العليا للشركة. تسائلت مستغربة ولماذا تم تعينه  إذا لم يكون وريثه؟ من هو ماتياس هذا؟ إنتبهت الي ساعة وانها تأخرت كتيرا.. هل ستصل في الوقت أو يحدث الامر الاخر؟؟ رنّ صوت المصعد الرئيسي في بهو الشركة، فالتفتت الأنظار نحوه في لحظةٍ واحدة. انفتح الباب ببطء، وخرج منه رجل طويل القامة يرتدي بدلة سوداء فاخرة، يتقدّمه هالة من الغموض والهيبة. كانت خطواته هادئة... لكنها تحمل وزنًا يفرض الصمت أينما مرّ. لم يجرؤ أحد على الكلام، حتى أصوات لوحات المفاتيح توقفت، وكأن الزمن تجمّد احترامًا لقدومه. تبعته امرأتان ببدلات رمادية تحملان ملفات، وخلفهما حارسٌ ضخم يرتدي نظارات سوداء لا يرى من خلفها شيء. ارتفع همس خافت بين الموظفين: "إنه هو..." "الرئيس الجديد..." "سمعت أنه جاء من المقرّ الأوروبي بنفسه..." ألقى الرجل نظرة سريعة حول المكان، عيناه بلونٍ عسلية  بارد كالعاصفة، تُخفي خلفها ذكاءً لا يُستهان به. مرّ بجانب فاليريا، فشعرت بقشعريرة تسري في جسدها دون أن تفهم السبب. كانت تلك النظرة العابرة منه كافية لتشعر أن هذا الرجل يعرفها… أو على الأقل سمع عنها. وقف في منتصف القاعة، وألقى نظرة حادة على الجميع قبل أن يتحدّث بصوتٍ عميق وواثق: ــ "من هذه اللحظة... كل التقارير اليومية تُسلَّم إليّ شخصيًا. لا أريد أخطاء. لا أريد تأجيلًا. الشركة تمرّ بمرحلة دقيقة... وأي تقصير لن يُغتفر." ثم استدار دون أن ينتظر ردًا، واتجه نحو المصعد الخاص الذي لا يستخدمه سوى كبار الإدارة، تاركًا خلفه مزيجًا من الرهبة والفضول في وجوه الموظفين. ظلت فاليريا واقفة في مكانها، تتبعه بنظراتٍ حائرة. ... ، لكنها لم تستطع أن تحدّد من يكون. تاركةً وراءها لغزًا جديدًا سيقلب حياتها رأسًا على عقب. _________________________________________ : قاعة الاجتماعات الكبرى – شركة رولز لويس دقّت الساعة التاسعة تمامًا، واصطفت المقاعد حول الطاولة الزجاجية الطويلة في قاعة الاجتماعات الواسعة، التي غمرها ضوء أبيض بارد يعكس الجدية والانضباط. دخل الرئيس الجديد بخطواتٍ واثقة، يحمل في يده ملفًا أسود، وبجانبه مساعدته الخاصة تدون كل حركة له. وقف الجميع فور دخوله، وبمجرد أن أشار بيده جلسوا في صمتٍ تام، لا يُسمع فيه سوى صوت أنفاسٍ متوترة. جلس على الكرسي الجلدي في رأس الطاولة، ألقى نظرة سريعة على الحضور، ثم قال بصوتٍ ثابت عميق: “يبدو أن الجميع هنا... أو هكذا ظننت.” قلب صفحات الملف أمامه، ثم رفع عينيه فجأة وقال: “أين الآنسة فاليريا مونتغمري!؟... ساد الصمت لثوانٍ طويلة، تبادل الموظفون النظرات، ثم أجابت مديرة القسم بخوف: “سيدي... ربما تأخرت قليلًا في الطريق، إنها عادةً لا تتأخر.” تهمس إحدى  موظفات الي صديقتها: لقد رأيتها في اسفل.... اسكتي فقط. ضرب بيده على الطاولة بقوة، فارتجّ المكان: “تأخرت؟ في أول يوم لي هنا؟!” ارتجف الحضور، وانخفضت الرؤوس في خوفٍ واضح. وقف الرئيس، اتجه بخطواتٍ بطيئة نحو النافذة المطلة على المدينة، ثم قال بنبرة باردة تُخفي خلفها غضبًا عارمًا: “في شركتي... الانضباط ليس اختيارًا. من يتأخر عن اجتماعٍ، سيتأخر عن مستقبله أيضًا.” التفت نحو مساعدته وقال بحزم: “عندما تصل الآنسة فاليريا... أرسلوها فورًا إلى مكتبي، دون تأخير، هل هذا واضح؟” “واضح، سيدي.” غادر القاعة دون أن يضيف كلمة أخرى، تاركًا خلفه وجوًا من التوتر، والموظفين يتهامسون بخوفٍ عن مصير فاليريا المجهول. كانت تلك اللحظة بداية المواجهة بين الرئيس الغامض وفاليريا، مواجهة ستفتح أبوابًا كثيرة من الأسرار والحقائق المدفونة... يتبع في الفصل الخامس....