الفصل الخامس : وداع و بداية
"أنت ذاهب باكرا على غير العادة يا هيت"
"لقد كانت الوحوش البارحة اقوى من ذي قبل، و هي تزداد تطورا و قوة، و لا أدري حتى من اين تأتيها هذه القوى الغريبة_"
"سيدي، و سيدتي، اسف على المقاطعة لكن أظن أني رأيت_"
قطع المحادثة انفجار، انفجار هائل، عم السماء، عم الارض، حرك النجوم، هز الجبال، قذف الرعب، في من؟، في الكل، في كل من يمتلك سحرا، في كل من وطأ السحر قلبه، لا بل، في كل من كان له قلب
"ما كان هذا؟، اظن انه ينبعث من_"
لم يتمم جملته حتى انطلق الوالدان انطلاق السهم، لقد أحسا بهذا، ليس احساسا عاديا، انه احساس الأبوة و الأمومة، لم يمر على هذه البلدة شيء كهذا، قوي لدرجة دخول القلوب، سريع لدرجة عدم مجارات الاحساس له، كثير لدرجة الخوف
وصلت الأخت اولا، كانت هناك مرمية على الأرض، تنظر الى مصدر الاختلال، الاهتزاز، الخوف، الى مصدر القوة، كانت خلفه و كان أمامها، كان يبدي دور الأخ من الداخل، لكن أنى يفهم؟
استدرك الأب الوضع، اشتعلت بين رفوف مكتبة ذكرياته تلك الذكرى، على رف القدر، التفت، كانت زوجته حائرة، فقد اجتمعت قلوبهما على نفس الذكرى، على نفس الرف، لقد عاشاها معا
"هاذان الجناحان، هذه الهيئة"
"سأريكم سحر شخص عديم السحر الآن"
"راكس ضع السيفين جانبا لنتحدث"
لم اسمع شيء، لم اكن هناك، كان عقلي يسبح في بحر عميق، لا يسمع و لا يحس فيه شيء، لا يرى و لا يمس فيه شيء، و هل يسمع فاقد السمع؟، او يرى فاقد البصر؟، فأنا الآن كلاهما
"لا اظن انه معنا الان، لكني لا أرى منه إلا أثر حمايته أخته"
"لكن الا ترى أنه_"
"ألا تثقين في ابنك يا جين؟"
نقرة على جدار صخري، أتفعل شيء؟
"عن نفسي فلن يفعل ابني راكس شيء مريعا كهذا"
نقرة على جدار صخري، أتفعل شيء؟
"و لو اقتضى الامر أن اموت ليكون سليما، فليكن"
توالت النقرات و النقرات، على الجدار المهيب، تبدوا كالدغدغة، تبدوا كاللعب او المسح فقط، توالت و توالت، لم لا يستسلم فاعلها؟، ألا يعلم ان النقر لا يكسر الحجر؟، ألا يعلم ان الصخر يكسر بالقوة حتى؟، اعاد و اعاد، لم يستسلم، لم يتوقف، إلى أن...
التفت راكس الى أبوي، كان في عينيه لمعان الغضب، كان في قلبه شعور الأسى و الحزن، كان في وجهه انعكاس قلبه، كان كئيبا، لكن شعلة الأمل فيه لم تنطفئ، بل امست الآن تحرق كل شيء
كان لهيئته وقع مخيف، وقع مشؤوم، الم يكن اخي لا يملك سحرا؟، كان هذا السؤال يطرح على وجه والدي، اقترب من الفتية، من كانوا سبب هذا الهيجان، رفع سيفه نحوهم، ظنوا أنها النهاية بالنسبة لهم، صد أبي الضربة في لمح البصر، كان اسرع من أن تواكبه عيناي
"مالذي تفعله يا ركس؟، هيا عد الى رشدك"
أرجع راكس سيفه بعد أن صد، رجع للخلف قليلا، ارجع رجله اليسرى الى الخلف، جعل سيفه مستقيما نحو خصره، كان مركزا بشكل مذهل و مخيف، نظرت الى متلقي الضربة، فزعت، كان والدي مندهشا، كانت امي كذلك
"لقد تعلمتها اذا، سنرى ان كان تطبيق مهارة ملكية كهذه سهلا"
أمعنت النظر، كانت تلك ضربة أبي، رايتها مرة و كانت مدمرة حقا، كنت خائفة، كان الفتية كذلك، لم اقوى على الحراك، كنت العب دور المشاهد، انتشرت المانا بقوة في الجو، كانت خانقة و مشؤومة، خطى راكس خطوة، كانت كفيلة بايصاله الى مقربة من أبي، عم الهدوء لحظة مع انتشار الدخان، و ماهي الا ثوان حتى
"جين، استيقظي رجاءا، لا، هذا غير ممكن"
"هيت... ار..جوك، ساعد..راكس"
وقف ابي بعدها، ذهب البريق من عينيه، نظرت الى امي، قد حل شق كبير صدرها، فزعت و صرخت، جريت نحوها بقوة، لم يبق في العالم سواي انا و هي، وقفت جانبها لم أتخيل أن يحصل هذا، فما بالك أن يحصل من طرف أخي، احسست بعدها بتدفق مألوف، تدفق المانا هذه المرة قوي جدا
"انت يامن حكمت جسد راكس، سأريك معنى القوة"
ارتفع الضغط في الجو، ارتفعت حرارة المكان، كانت الانظار مصوبة نحوه، نحو الساحر الملكي الناري، تلك القوة التي صقلت منذ سنين، لتصير مثال للمثالية، تلك القوة التي لا يمكن للارواح و لا الاجساد النظر الى غيرها، كالنجم الاكثر وهجا بين النجوم، كالقمر في سواد الليل، و الشمس في زرقة الصباح
لكن هل للعدو ان يرضى و يبقى مكتوف الايدي، لا، بل سيبين للعالم ان القمر و ان كان متوهجا فسوف يقطع وهجه، و الشمس ان كانت متوهجة فسوف يقطع وهجها سواد الغيوم
كانت خطوة واحدة، كان ابي خلف اخي مباشرة، سدد لكمة، لا أظن -إن كنت مكانه - اني ساصدها، لكننا نتحدث عن قوة كامنة و قوة حديثة، صدها راكس بسرعة خيالية، التشكيل الناري، و اذا به سيف، استخدم ابي سلاحه المفضل، الذي تتدرب على كامل معلوماته و تجاربه، و خطى معه اجمل اللحظات و اسوأها، و إن كان لا بد لي من التصنيف، فلا يممكنني ان اصنف هذه على أنها سيئة و لا جيدة، إنها مهمة استرجاع
"أحقا يا راكس فعلت هذا بأمك، أحقا؟"
توقف فجأة عن الحراك، فرصة مواتية، لكن ابي رأى ما لم استطع أن أرى، لقد راى راكس بين ثنايا هذه الهيئة، لقد راى ذلك الطفل الغير قادر على استخدام السحر بين ثنايا هذه الجناحين
وقف أبي بعيدا قليلا، أرجع قدمه اليسرى الى الخلف، وضع السيف مستقيما على حوضه، احقا سيستعملها، قد تؤدي الى كارثة، ارتفعت حرارة المكان، و ازداد الضغط، لم اقوى على استنشاق الهواء حتى، لم استطع حتى الوقوف
"ستكون هذه نهاية هذا العذاب لك يا راكس، لم أكن أريد أن أأذيك لكن، هذا من أجلك"
اندفاع صاروخي ثم
"لا، هذا غير ممكن، لماذا؟، لماذا يحدث هذا؟"
انقشع الضباب، رجع الضغط بعدها الى طبيعته، رجع الجو بعدها الى طبيعته، لكن، كان الثمن غاليا، غاليا جدا
"ابي، ه..هذا لا يمكن، لا يمكن"
لقد طعن والدي، أحقا سيستمر الجو الغائم، لكن لم هذا؟، لماذا؟، منذ متى و هذه القوة داخل أخي؟، ليصنع بها هذا
"لا يضرب ابني ابدا شخص غيري يا فتى"
صوت بعيد مألوف، صوت سمعته منذ زمن
"إذن أنت راكس عديم القوى، حسنا، سيكون لي شرف هزيمتك"
"لا تتحمس كثيرا فتؤذي الفتى"
لا تخافي يا نوران، لن أؤذي حفيدي"
ارتفع الضغط فجأة، ماهي الا لحظة حتى انقشعت الغيوم، لقد اختفت المانا المشؤومة داخل ذلك الغطاء من الدخان، اتى الي حاملا راكس بيت ذراعيه و خلفه نوران، لقد كان جدي، الابتسامة تعلو محياه و كأنه لم يحصل شيء، اقترب مني، رأى ما كنت وسطه، جسدا والدي الذين انهكا و جرحا من القتال
"مرحبا يا جولي، أأنت بخير؟"
حضنته بقوة، بكيت فرحا و حزنا، لقد عاد اخي، لكن والدي
"انا سعيدة جدا بقدومكما، لكن والدي؟"
"لا تكثري الكلام و انت منهكة، سنعالجهما في المنزل، هيا ساعدي جدك با جولي"
حملناهما طول الطريق الى البيت، ذلك الطريق الذي عج بأهل المدينة ممن رعبوا من شدة ما رأو و أحسوا، دخلنا المنزل، وضعا على فراشين و معهما راكس، اتصلنا بالطبيب، كان ماهرا حقا في علاج أقوى الجروح و أعمقها، عالج أمي أولا، خرج بعد ذلك من الغرفة، لا يبدوا وجهه يبشر بخير
"لقد تمكنت من علاج جين، لكن_"
"لكن ماذا عن أبي و راكس؟"
"تعقلي يا جولي، ايها الطبيب هل حدثت مشكلة ما؟"
"هيت أصيب بجرح قوي، لذا فأمر شفائه يعتمد عليه، أما راكس فهو ليس مصابا ابدا لكنه لا يظهر أي شيء حاليا"
خرجت أمي بعدها، ما زالت الإصابة مؤثرة فيها، اقتربت مني و حضنتني
"هل أنت بخير يا جولي؟"
قالتها بصوت هادئ جدا حتى كدت ألا اسمعها
"انا كذلك يا أمي"
التفتت إلى جدي و جدتي
"شكرا لكما يا سيد ليونارد و نورن، اشكركما على إرجاع راكس آمنا"
"لا تقلقي على هذا أبدا، انه حفيدي بعد كل شيء"
"لم تتاذو، اليس كذلك؟"
ضحك ضحكة أبي المعتادة
"هاهاهاها، أنا اتأذى؟، لم تؤذني الحروب أو توقفني فكيف يؤذيني هذا الفتى الصغير. اعترف حقا بقوته لكنه يمتلك سحرا مميزا حقا، هاهاها، هذا واضح، فوالداه_ "
"هذا ما أردت اخبارك به، فراكس لا يمتلك سحرا حتى الآن"
"إذن، فقد كان اعتقادي صحيح"
"مالذي اعتقده سيد ليونارد؟"
"لا، ليس الآن، دعينا نلقي نظرة على حفيدي و أبني الضعيف ثم نكمل حديثنا"
دخلنا الغرفة، كانا نائمين على سريرين منفصلين، فتحت النوافذ فألقت شمس المساء عليهما، اقتربنا من كليهما، فتح أبي عينه، لقد كان واعيا، احتضنته أمي بقوة، تفاجأ برأية ابويه، التفت الى راكس الذي كان كأنه جثة هامدة
"هيت، أأنت بخير؟"
"و ماذا تظنين مني، أبا فاشلا؟"
"نعم أنت كذلك ايها ال 'أنا' الصغير"
"شكرا لكما يا أبي و أمي على حماية راكس"
"لا، لا تشكرنا فهو واجبنا، بالحديث عنه فإني لا أحس منه بأي طاقة"
"هذا ما جعلنا نحتار، حتى انه سخر سحرين لا سحر واحد"
"هيت، أأحسست بها؟"
"نعم، تلك الطاقة المشؤومة، لا أدري لكنني احسست بالاتصال بها و البعد عنها ايضا، كانني اصارعك و جين في نفس الوقت"
"لا أدري لكن، اظن أن هذا الفتى يواجه صعوبة الآن، لن ينجيه منها لا نحن و لا غيرنا"
فتحت عيني. فلم أجد إلا البياض، نظرت أمامي، يميني و يساري، لاشيء، نظرت خلفي بلا ادراك، كان جالسا تحت تلك الشجرة، الشجرة العظيمة التي تكاد تكون اسطورية، اقتربت و جلست، سيفان لا سيف واحد، حمل أحدهما و تراجع قليلا، رفعت عيني إليه، نظرة اختفى منها البريق، وقفة لا تراها حتى يبدأ جسدك في الارتعاش
ظهر ظلان من بعيد، يكبران و يكبران، يقتربان و يقتربان، سحران مختلفتان، متضادان، عشت بين هذين السحرين فترة، فتذوقتهما مرارا، رأيتهما مرارا، احسست بهما مرارا، وقفا و في وسطهما مستظل الشجرة، الرجل الذي لا تزال صورته تحكي بلا كلمات
"افهمت معنى اصنع نفسك عندما قلتها؟"
لقد عاد بي خمس سنين الى الخلف، لم اجد الكلمات فقد كانت مبعثرة، كان كما المعلم الذي اجهد نفسه ليفهم تلامذته الدرس، فأخذوا الصفر في الامتحان، فزعت لتلك الوقفة، تلك النظرة، ذلك التعبير، تعبير خسارة
"إلى أين أوصلك تفكيرك في مستقبلك؟"
أمر أكثر من كونه سؤال، لا بل كان أمرا، أن تصنع نفسك هو أمر سهل، لكن 'ابتغاء ماذا' هو الصعب، كيف و إلى أين ستصل، متى و إلى أين ستصعد، افكرت في من سيكون عائقا، افكرت من سيكون مساعدا و من س_
"حسنا اذا"
رفعت رأسي، توقف التفكير، بدأ سيفي يرتجف،كانت فطرة و لم تكن متعمدة، علامة عضب، تتصاعد و تتصاعد، تكبر و تكبر، عدلت وقفتي كأني استعد، فتلك الوضعية لا تكن إلا الهجوم، كانت لحظة، بل أقل
"لديك الوقت للتفكير، ففكر"
.....
فتحت عيني فلم أجد إلا البياض، نظرت يميني و يساري، امامي وضع ذلك السيف، قمت و استدرت خلفي و مشيت، استعدت لهذا الامر، جسدي يؤلمني رغم أنه سليم، كنت مستعدا للضربة، مستعدا جدا، تأملت المنظر، ملك على جانبيه حامياه، نفس الوقفة، انطلاقة كالسهم، نفس موقع الضرب، صددت الضربة، خطوات سريعة أصبح بها خلفي ثم
"لديك وقت للتفكير ففكر"
.........
فتحت عيني مجددا، و مجددا و مجددا، لا ينتهي التجديد إلا بالتذكير، فكر فإن لديك الوقت، بدات أتعب، صار الألم يقتلني، مرارا و تكرارا، صار عقلي فارغا، لا أدري على ما أركز، أموت دون رحمة، كم مت من مرة، ألا يموت الانسان مرة واحدة، فيوضع ختم النهاية على كتاب حياته
قمت مجددا كما العادة، لقد صارت عادة، حملت ذلك السيف النظيف، لم لا يتعلم من صديقه الذي احمر دما، نظر إلي نظرة إرادة، ماذا يطمح مني أن افعل؟، لم يفعل الشخصان على جانبيه شيء، لم تكن هذه المرة كسابقاتها، فقد تحركا، وقفا أمامه ينظران إلي، تحرك ذلك الوهج فيهما، ماذا يحصل معهما، توضحت ملامحهما، مألوفة، أليس هذان والدي؟، اشتقت لهما، ترى كم بقيت في هذا المكان؟، ألا يستطيعان الدخول إلى هنا؟
رفع سيفه، كانا ينظران إلي نظرة سعادة حزينة، نظرة الأمل الأخير، لم هذا التعبير الخائف على وجهيهما؟، رفع سيفه عاليا، لوح به ثم....
"افعلت هذا قصدا، كيف تجرؤ على_"
"لقد تجرأت عليك فكيف لا اريك ما سيصير اذا لم تكن"
ها. هاها.. ها. هاهاهاها. هااهاهاها، تريد مني ان أصير إذن، تريد مني ان اصير لأصلح هذا، حسنا ايها الوحش، ارجو المعذرة، فوقت توحشك قد انتهى"
خفيف كالريح، قوي كالصخر، حاد كالنار، هادئ كالماء، خطوة و إذا أنا خلفه، رد فعل سريع تلته صدة على جهة العنق، دفعة بالقدم، صنعت مسافة بيننا، اقترب بعدها بسرعة، أأصبح ابطأ أم أن عيني قد صارتا أقوى، صدة و صدة، ضربة جهة الرأس، استخدم قوته كدافع، استخدمت الغضب، قذفت إلى السماء، تبعني بعدها
"انتصر !!!"
توالت الضربات و الصدات، لا يوجد مجال للتوقف، لا مجال للراحة، ضربته أرضا، تراجع، اقتربت بسرعة، انها فرصة، قد تكون نجاحا، قد تكون له هزيمة، حركة تعودت عليها عيني، جربت علي مرارا، الرجل اليسرى نحو الخلف، السيف عند الحوض مستقيما، اغمضت عيني، بات كل شيء اسود، وميض امامي، دفعت بالرجل الاولى، سرعة لا تصلها الاعين، استعد لتلقي الضربة، انفجار الاصطدام، قوي جدا، تصاعد الدخان، عم الهدوء صوت الانفجار
انقشع الدخان، هدأ المكان، رجلان، واقف و جالس، وصل بينهما بريق السيف، كان نقطة النهاية، الصفحة الاخيرة
"أكملت اختبارك أيها الفتى، لكن لم تحصل هلى العلامة الكاملة"
لقد كانت نقطتان لا نقطة واحدة، الا يدل تتابع النقاط على الاستمرار؟، طعنتان لا طعنة، جريحان لا جريح، دماءان لا دماء، خاسران لا خاسر
قام بصعوبة، حمل السيف و ارجعه غمده
"تابع المسير و التقدم، اصنع نفسك و فكر إلى اين تريد أن تنهي الطريق"
خطى خطوات الوداع، تسألت : 'أكنت الرابح أم الخاسر؟' لم أجد الجواب، و كيف يجد الجواب من ليس له من يسأل؟
"اصنع نفسي إذن، لا تقلق، نلتقي عندما أجد الاجابة"
لوح بيديه و مضى، حاملا معه النقطة و الختم، تلاشت الانوار بعدها، اصبح الضياء ظلام، هل سينتهي هذا الحلم ام أن هذا مجرد خط بداية جديد؟