الفصل الثاني والثلاثون
" the writer Aridj "
.
.
.
وصلوا إلى بوابة المستشفى، يلفّهم صمتٌ متوجّس كغيمةٍ ثقيلة لا تكشف عمّا تحمل.ترجّل رعد من السيارة على عجل، وانطلق يركض بخطواتٍ متوترة، سريعة الى حدّ أنها لم تُمهل أماني ولا خالد فرصة للحاق به.
توقّف أمام مكتب الاستقبال، يستند على أنفاسٍ مضطربة، وسأل بحدّة لم يستطع إخفاءها عن سبب اتصالهم.
ارتبكت الممرضة، تحاول جاهدةً أن تُمسك خيوط الكلمات، فحالة رعد لم تكن تسمح له بتلقي أي خبر قاسٍ كما يبدو من النظرة التي ارتسمت على وجهها. حاولت تلطيف الهواء المشحون بينهما، اصطنعت ابتسامة مزيفة و قالت بصوتٍ منخفض/الدكتور بيجي يشرح لك.
وما إن أنهت عبارتها، حتى ظهر الطبيب أمامه.
وقف الطبيب أمامھ وقال /أستاذ رعد… آسف، بس أمّك وأبوك سوّوا حادث.
ضاقت به الأرض حتى غدت كقبضةٍ تطبق على صدره، وانقبضت روحه كأنها تتهاوى في هاوية لا قرار لها. كانت كلمات الطبيب تتردّد في رأسه بلا رحمة، تصطدم بجدران عقله حتى حجبت عنه رؤية كل ما حوله...«سوّوا حادث…»
كيف؟ متى؟ وأي يدٍ خفية اختارت هذه اللحظة تحديدًا؟
هل يُعقل أن يفقد من أحبتھ بصدقٍ صافٍ، وعلمتھ معنى الحب قبل أن يعرف الدنيا حقّ المعرفة؟
هل سيُضطَر لحمل الاسم الذي كان يومًا يتقاسمه بفخر مع والده—بن عبد الرحمن العتيبي—وحده…؟
يا الله، هو لا يعترض على قدرك، ولا يرفض حكمك، لكن قلبه ليس بقادرٍ على فراقهما.
من سيذكّره بمراجعة ما حفظ من القرآن؟
من سيوقظه لصلاة الفجر بصوتٍ يقطر حنانًا؟
وكيف ستعيش تلك الصغيرة بلا والديها؟
كيف سيتمكّن هو، وهو المنهار الآن، من أن يكون ملجأها وسندها؟
ما الذي يحدث يا رب السماوات؟
أي ابتلاء هذا الذي يهبط على كتفيه دفعةً واحدة؟
كان كل سؤالٍ في داخله يرتجف، وكل نبضة تتحوّل إلى رجاءٍ خافت… كأن روحه كلّها صارت دعاءً معلّقًا بين الأرض والسماء.
رفع بصرھ الى الطبيب وقال بصوت يملؤھ القھر/مات...وا كلھم ؟؟
و بملامح حزينة يجھل كيف يخبرھ بدنو اجلھم /
لسّه يتنفسون، بس مستحيل يعيشون أكثر من ساعة. هم الحين بغيبوبة، ودقات قلوبهم ضعيفة. آسف يا ولدي… سوّينا كل اللي نقدر عليه، والباقي برحمة ربّي.
أجابھ بغضب وكأنھا أول مرة يتحدث قيھا مع كائن حي /ليش الأعمار بيدك تقول إنهم ما راح يعيشون؟ هم عايشين أكيد! وينهم ؟في أي غرفة؟
اقترب منه خالد، الذي لم يعد يحتمل رؤية رعد في هذا المشهد الممزّق للروح. وضع يده على ظهره برفق، كأنها رسالة صامتة تطمئنه بأنّه ليس وحيدًا في معركته مع الألم. ثم تحدّث بصوتٍ ملؤه ثقل الرجال وحزنهم الصامت، ذلك الحزن العميق الذي لا يعرفه إلا من ذاق مرارة الخسارة وأحاطته الوحدة… وما أدراك ما حزن الرجل حين يلتقي الموت بعيني من يحب، فيصير الكلام عارياً، وتبقى الأصوات مجرد صدى يتردد بلا معنى.
خالد /رعد، روح شوفهم، وبعدين راح أتصل على رسيم يجيب وعد، تشوفهم أحسن. لا تبقى تلوم نفسك لأنها ما شافتهم.
انفجر غضبا من كلماتھ وكأنھ يأبى التصديق /حتى أنت يا خالد! هم ما ماتوا، لسه عايشين!