الفصل التاسع عشر : خيانة من الداخل
اكتملت دائرة السيف.
انتهى الطواف الأخير للسيوف، وتصاعد صدى الصيحات في السماء، ثم خفت كل شيء دفعة واحدة…
كأن الهواء نفسه حبس أنفاسه.
كانت ميس واقفة في موضعها،
تنظر إلى الدائرة التي ما زالت الرمال فيها ترتجف من وقع الأقدام، ترى آثار السيوف على الأرض، ترى الدم الذي اختلط بالغبار، وترى النتيجة وقد فُرضت على الجميع دون أن يُسأل أحد.
رفعت بصرها ببطء…
فوجدت هتان.
نظرتها له لم تكن نظرة عروس، ولا نظرة امتنان،
بل نظرة وعيٍ كامل:
هذا الرجل أصبح الآن درعها… وسجنها.
وفي اللحظة التي التقت فيها أعينهما...
انطلق السهم.
كان صوته أشبه بصفير الموت،
شق الهواء بسرعة الريح،
مرّ بمحاذاة وجهها، لم يفصل بينه وبين الأرض التي تقف عليها سوى مليمترات، ثم ارتطم بالرمال بعنف.
جفلت ميس بعنف، واختل توازنها، وسقطت جالسة على الأرض بصدمة كاملة، عيناها متسعتان، قلبها يكاد يخرج من صدرها.
كانت قبل لحظة… على وشك الموت.
انفجر الصراخ من كل الجهات.
اضطربت الصفوف، ارتفعت الأصوات، اندفع الفرسان في كل اتجاه، كأن الساحة تحولت في لحظة إلى فوضى عارمة.
أما هتان…
فتجمد لجزء من الثانية.
جزء صغير جداً، لكنه كان كافياً ليشعر بأن الدم في عروقه توقف.
ثم تحرك.
اندفع نحو ميس بخطوات خاطفة، انحنى عليها،
وأحاط خصرها بذراعه بقوة، وجذبها إلى خلفه،
ثم وقف أمامها بجسده كاملاً كدرع حي، سيفه مرفوع،
وعيناه تمسحان المكان بحدة قاتلة.
في تلك اللحظة انطلق صراخٌ من أعلى التلة:
صرخة عالية،
مرتبكة،
غاضبة،
كأنها تطلب أن يُنظر إليها رغماً عن الجميع.
كان الصوت صوت وجد.
كان واقفاً على القمة،
خلفه السهام مغروسة في الأرض، وبيده القوس ما زال مشدود الوتر، وعيناه تقدحان غضبا
كان يصرخ،
يلعن آل المرجان واحداً واحداً، يصُبّ حقده في الهواء بلا حساب.
ساد ذهول ثقيل.
هتان نظر إليه بصدمة قاسية…
لم يتوقع،
لم يتخيل،
أن يخرج التمرد من داخل قبيلته،
علناً،
وفي قلب هذا اليوم.
أما ميس، فكانت تنظر من خلف كتف هتان،
عيناها لا تصدقان ما تريان، تبحث في وجه وجد عن تفسير…
عن عقل…
عن أي شيء يبرر ما حصل.
لم يحاول وجد الهرب.
في لحظات، انقض عليه فرسان الدهام،
أطاحوا به أرضاً، كبلوا يديه، وانتزعوا منه القوس.
وفي خضم ذلك، تقدم بن ناصر بخطوات بطيئة متعمدة،
ملامحه جامدة، لكن في عينيه بريق خفي من الانتصار.
توقف أمام هتان، وتكلم بنبرة باردة تحمل سُمّاً واضحاً:
"يبدو أن قبيلتك هي من خان العهد أولاً… يا زعيم الدهام."
تصلب وجه هتان.
فكه شدّ بقوة، عيناه احترقتا بغضب مكبوت، لكنه لم يتكلم.
كان يعلم أن ما حصل ضربة في ظهره، ضربة علنية أمام الجميع.
من خلفه، كانت ميس تراقب تعابير وجه بن ناصر بدقة،
ترى تلك الراحة الخفية المختبئة خلف قناعه الوقور،
وترى كيف استقر الموقف لصالحه في لحظة.
وفي عقلها،
لمعت الفكرة بوضوحٍ مرعب:
لابد أن بن ناصر فعل شيئاً.
وفي الجهة الأخرى من الساحة…
كانت غيداء قد وصلت للتو،
توقفت عند أطراف الجموع،
صدرها يعلو ويهبط من الركض،
وعيناها اتسعتا بصدمة مطلقة عندما رأت المشهد.
وجد؟
هو؟
يطلق سهماً؟
أمام الجميع؟
تعقد عقلها ارتباكاً…
تركتُه قبل قليل…
هل تمرد؟
هل جنّ من كلامها؟
لكن… هذا خيانة صريحة.
خيانة للدهام… قبل أن تكون لحبِّه…
وعلى بعد غير بعيد، خلف شجرة كبيرة عند طرف الساحة،
كان أبلج واقفاً يراقب بصمت ثقيل.
ذراعاه مشدودتان على صدره،
فكه مقفل، وعيناه تتابعان هتان من بعيد ببرود غاضب.
كان يشعر بشيء ينسحب من بين يديه ببطء…
حق شرفه… يضيع.
لا بسهم، ولا بخيانة، بل بقرار زعيمه نفسه.
______
سُحب وجد بعنف ليُطرح أمام هتان وبن ناصر. أُجبر على الجثو على ركبتيه، وفارسان من الدهام يقفان خلفه،
سيوفهما قريبة من عنقه، تحسبًا لأي حركة طائشة.
وقف هتان شامخًا أمامه،
وصوته خرج عميقًا، باردًا، لكنه محمّل بغضب صامت:
"ما هذا الذي حاولت فعله؟ أتدرك عاقبة ما فعلت؟"
لم يرفع وجد رأسه. لكن كلماته خرجت متكسّرة، يحاول أن يجعلها شجاعة بينما جسده كله كان يرتجف، والعرق يتصبب من جبينه.
"هي السبب… هي ابنة العدو."
عينان فقط كانتا تراقبان كل ذبذبة خوف فيه…
ميس.
نظراتها تنتقل ببطء بين وجد، ثم إلى بن ناصر، ثم تعود لهتان.
قبل أن يعلّق هتان، سبقَه بن ناصر بصوته المسموم،
موجهًا حديثه لهتان بابتسامة خفيفة:
"أرأيت؟
رجل من قبيلتك حاول قتل ابنتي."
ثم أضاف ببرود أخطر:
"وربما لو لم تمسكوه… لكنت هوجمت ايضا "
وأمال رأسه قليلًا:
"هل أنت متأكد، يا زعيم الدهام، أن هذا ليس جزءاً من خطتك؟"
اشتعلت عينا هتان نارًا.
وللحظة خاطفة…
فكّر فعلًا أن يشهر سيفه في وجهه.
لكنّه تمالك نفسه.
وقال بصوت قاطع يحمل شرفه كله:
"أنا لا أُقاتل بالخفاء، ولا أختبئ خلف رجال. إن حاربتُ… حاربتُ كرجـل. ولا أطعن في الظهر."
اكتفى بن ناصر بإيماءة باردة، وكأن الكلام لا يعنيه.
عاد هتان ينظر إلى وجد، وصوته أصبح أشد قسوة:
"التي حاولتَ قتلها… ستصبح زوجتي. ومحاولة اغتيالها… هي محاولة اغتيالي أنا."
رفع وجد رأسه فجأة.
عيناه اتسعتا في هلع واضح.
هز رأسه بعنف:
"لا… لا… أنا لم أقصدك يا زعيم…"
لكن الضرر قد وقع.
كان هتان في موقف لا يُحسد عليه.
وجهه اسود أمام عدوه.
وبدل أن يُمسك بالخيط الذي كان ينوي أن يخنق به بن ناصر او يثبت أنه يخطط لامر ما مستغلا هذا التقارب …
أصبح هو المتهم بسوء ضبط رجاله .
تقدم بن ناصر خطوة خفيفة أخرى، وقال بنبرة متعمدة الهدوء:
"كيف ستعاقب هذا الرجل إذًا؟
وكيف ستعلم رجالك احترام هذه النَسَبة وتقبلها ؟"
لأول مرة…
تردد هتان.
العقوبة معروفة.
واضحة.
الإعدام.
لكن…
لماذا شعر للحظة أن الأمر ليس بهذه البساطة؟
وقبل أن ينطق
تقدمت ميس خطوة من خلفه.
وصوتها خرج حادًا، صادمًا، حتى هتان التفت إليها بذهول:
"هذا الرجل حاول قتلي"
ثم أضافت بثبات قاتل:
"وحاول قتل والدي."
"وطبعًا لن يمرّ الأمر بسلام… أليس كذلك؟"
وألقت بنظرة جانبية خاطفة نحو بن ناصر.
في تلك اللحظة…
اتسعت ابتسامة بن ناصر قليلًا،
فرِحًا،
موقنًا أن ابنته ما زالت — في نظره — ساذجة،
مثل كل النساء.
"ستدافع عنه…"
فكر بثقة.
لكنها لم تتوقف.
"فلتقتله."
قالتها بوضوح صادم.
"فليُؤخذ حقي منه."
ثم أشارت ببطء نحو وجد:
"ألم يعترف بفمه بأنه حاول قتلي؟"
عقد هتان حاجبيه، حدّق فيها بصدمة مكبوتة.
أما وجد، فقد بدأ جسده يتصبب عرقًا بشكل واضح،
أنفاسه تسارعت، وعيناه زاغتا فزعًا.
لكن ميس كانت تواصل،
تضغط عليه بكلماتها كما لو كانت تشد الحبل حول رقبته:
"أنت لم تطلق السهم في الهواء."
"أطلقته نحوي."
"ولو أصابني… لكنتَ الآن تفاخر بأنك قتلت ابنة المرجان بيدك."
ثم انحنت قليلًا لتجعله يسمعها وحده:
"تكلم بصوت أعلى…
قل أمام الجميع من دفعك."
تصلب جسد وجد.
______
اشتدّ ضغط ميس على وجد بنظراتها قبل كلماتها، كانت عينان ثابتتان، لا ترمشان، كأنهما تمسكان بروحه كما تمسك السيوف بجسده.
وفي اللحظة التي فتح فيها هتان فمه ليتكلم…
انفجر وجد.
خرج صوته مبحوحًا مرتجفًا، ممزوجًا بالبكاء والرعب:
"لم أكن أريد هذا… أقسم أنني لم أكن أريد… هم من هددوني!"
ارتجف صوته، واهتز جسده كله تحت قبضتي الحارسين.
"أمسكني رجالٌ ملثمون… قالوا لي: إن لم أتخلص من ابنة المرجان سيقتلون عائلتي… قالوا إنهم يعرفون بيتي… يعرفون كل شيء…"
انفجرت دموعه، وتحول وجهه الأبيض إلى احمرار فاضح من الاختناق والخوف.
"أقسم… لم أرد قتلها… أقسم بدم أمي… لم أكن لأفعل…"
انبرى هتان فورًا، وصوته خرج صارمًا كأسنة الرماح:
"من هم؟ أيّ رجال؟"
في تلك اللحظة، أدارت ميس بصرها ببطء نحو بن ناصر.
كانت تراقب ملامحه بدقة قاتلة.
لكن…
وجهه كان محايدًا.
ساكنًا.
جامدًا كصخرة لا تعترف بشيء.
أما وجد فهزّ رأسه بعجز:
"لم أعرفهم… كانوا ملثمين… لم أرَ وجوههم… لكنهم كانوا يعرفون كل شيء عني… عن أمي… عن إخوتي… لو لم أفعل… لذبحوهم…"
شهق، ثم أعاد القسم بصوت مكسور.
في صفوف المرجان، خرج صوت ساخر حاد من أحد رجالهم:
"ما هذه القصة السخيفة؟" ثم أضاف باحتقار:
"اعترف أنك أنت من خطّط!"
"هكذا تفي قبيلة الدهام بكلامها؟ تستغلون حضورنا لتقتلونا خفية؟"
وقبل أن يكمل…
رفعت عينا هتان إليه.
كانت نظرة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لتُسقط كلماته من فمه، وليعود الصمت إلى شفتيه مذعورًا.
بعد لحظة ثقيلة، التفت هتان إلى الحارسين وقال بقرار قاطع لا يقبل الجدل:
"خُذاه… إلى السجن."
ارتج جسد وجد بعنف. قبل أن يُسحب، رفع رأسه أخيرًا نحو هتان.
كان يبحث عن رحمة… عن إشارة تراجع… عن أي شيء.
لكنه وجد وجهًا بلا تعبير. وجه زعيم.
وسُحب.
خُطواته كانت تتعثر، شهقاته كانت تُسمع، وصوت قيوده كان أعلى من بكائه.
بعد أن ابتعد، اقترب بن ناصر من هتان بخطوات محسوبة، وقال بنبرة باردة متزنة تخفي أكثر مما تُظهر:
"أتمنى فقط، يا زعيم الدهام… أن لا تكون لك علاقة بما حدث."
ثم استدار ومضى، كأن شيئًا لم يكن.
اقتربت ميس من هتان في صمت، وقفت قرب كتفه، وهمست بصوت منخفض لا يسمعه سواهما:
"بن ناصر له علاقة بكل ما حدث…هو من كلف أولئك الرجال… أنا متأكدة."
اتسعت عينا هتان ببطء. كان على وشك أن يسأل…
لكن ميس قاطعته بهدوء حاسم:
"لاحقًا."
كانت قد لاحظت نظرات بن ناصر التي بدأت تتابعهما.
ثم ابتعدت بخطوات ثابتة، لتكمل ما سمّته في داخلها:
"الترتيب الثالث."
وفي طرف الساحة، كان أبلج قد سحب نفسه ببطء إلى الظلال، وغاب دون كلمة، كأنه ابتلع غضبه… مؤقتًا.
أما غيداء…
فكانت واقفة بين الجموع، تضغط يدها على صدرها، وكأن قلبها يتمزق قطعةً قطعة.
لم تعد ترى السيوف، ولا الدائرة، ولا الجموع.
كانت ترى فقط حقيقة واحدة تسقط فوقها كالصاعقة:
"تلك المرأة… أصبحت زوجة هتان فعلًا."
وانطفأ آخر شيء كانت تتمسك به في صمت.
_____
في ساحة القصر، أُقيم الطقس التقليدي:
ذُبح قربان، ورُشّ شيء من دمه على تراب الساحة، دلالة على العهد الذي لا يُنقض إلا بالموت.
وُضعت يد ميس على صدرها (لتثبيت العهد على الذات).
وُضعت يد هتّان فوق يدها دون لمس مباشر (تأكيد على أن هذا رباط سياسة لا قلب).
وأُعلن بصوت جهوري: "اليوم خطبة... وغداً مصير."
لقد حدث، وأصبحت ميس رسمياً "مخطوبة" لزعيم الدهّام.
بعد انتهاء طقس القسم، جاء وقت السهرة. كانت الساحة الكبيرة في القصر مُضاءة بـمشاعل الزيت المُذهبة والأضواء الخافتة الدافئة، لكن الأجواء ظلت متوترة. المشروبات والأطعمة الفاخرة كانت متوفرة بكثرة، لكنها لم تنجح في تلطيف الجو.
كانت السهرة أقرب ما تكون إلى اجتماع سياسي مُقنّع، حيث جلس كبار رجال الدهّام وقادة المرجان يترأسهم بن ناصر في مكان واحد للمرة الأولى منذ سنوات.
كانت ميس تجلس إلى جوار هتّان، تراقبهم باستمرار.
لاحظت أن ابن ناصر كان يتأكد من شرابه، يشم رائحته، وليس هو وحده؛ بل كان رجاله أيضاً يفعلون الأمر نفسه بحذر شديد. عندها، لمعت في ذهنها فكرة قديمة: "إن من فيه طبع سيئ، يراه في الناس جميعاً." بن ناصر، لكونه خبيثاً، يتوقع الخيانة من الجميع.
انحنى هتّان وهمس لها، يسألها عما قصدته بكلامها الغامض الذي قالته أمام الساحة بشأن القتل.
فهمست له ميس بتوضيح، كان أشبه بتحليل بوليسي بارع:
"أعتقد أن بن ناصر هو من كلف أولئك الرجال بتهديد ذلك الشاب الذي حاول قتلي "
سألها هتّان بشك: "وما الغرض من ذلك؟"
"الغرض هو تثبيت أن قبيلته بريئة وليست متمردة، بل الدهّام هم من يرفضون المرجان وينوون اغتيالها. يريد أن يُثبت أن من يخون الاتفاقية أولاً سيكون الدهّام، وليس هم."
ثم أضافت بربط ذكي للأحداث: "أنا لا أظن أنهم كانوا يخططون لقتلي فعلاً، إلا لو كان ذلك الشاب لا يُجيد الرماية. فما معنى أن يكون الهدف بعيداً عني قيد أُنملة، إلا لو لم يكن يخطط من البداية لإصابتي؟ ولو كنتُ مُحِقّة في أن بن ناصر سينوي استغلالي (كوديعة)، فهو لن يتخلص مني بهذه السهولة. على الأرجح، طلبوا منه أن يرمي دون أن يُصيب، وبهذا نعمم الفوضى بحجة التهديد، وتظهر المرجان كضحية."
نظر لها هتّان بدهشة على تحليلها الدقيق للأمور، وسألها بشكوك متزايدة:
"إذاً، كلامكِ عن القتل، وعن أنه حاول قتلكِ وقتل..."
قاطعته ميس، تنظر في عينيه بجدية:
"لقد كان يجب عليّ أن أكسب ثقة بن ناصر، أو على الأقل أن يدرك أنني سأدافع عنه. ومن جهة أخرى، الضغط على ذلك الشاب الذي كان خائفاً، مجرد الضغط عليه قليلاً كان كافياً ليعترف. رغم أنني توقعتُ أن يعترف أن بن ناصر أو على الأقل رجال المرجان من فعلوا ذلك، لكن بن ناصر كان ذكياً؛ رجال ملثمون هكذا يمكن الاشتباه بالجميع."
ثم أخذت تنظر للأمام تفكر بصوت مسموع مع هتّان:
"لو أردنا إثبات أن بن ناصر أو المرجان من خطط لذلك، يجب علينا إيجاد الرجال الملثمين..."
أخبرها هتّان أن هذا صعب قليلاً. خصوصاً أن القبيلة كانت فارغة اليوم وهؤلاء الرجال اختفوا.
في ذلك الوقت، كانت تراقبهما غيداء.
كانت ترتدي ثياباً زهرية مُشرقة، تتباين مع الأجواء القاتمة للسهرة.
غطت غيداء وجهها بنقاب خفيف من الشاش الشفاف أو القماش الزهري الفاتح، تاركةً عينيها فقط ظاهرتين.
بدأت في رقصة فردية هادئة، كانت رقصتها ليست مجرد حركات، بل كانت أشبه بحوار صامت. تمايل جسدها الممشوق بخفة، كانت حركاتها انسيابية، تجمع بين القوة والأنوثة، تعبيراً عن البهجة المُصطنعة في ظل التوتر. كانت يداها ترتفعان وتنخفضان بنعومة، وقدمها تضرب الأرض في إيقاع بطيء ومدروس.
عيناها تتبعان ميس وهتّان من خلف ذلك النقاب ، تراقبهما باهتمام، وكأنها تحاول قراءة همساتهما وحركاتهما المتوترة، او بالاحرى اقناع نفسها ...
هو لم يعد لها ...كما لم يكن من قبل
_____
انتهت سهرة الخطوبة، التي كانت أشبه بمجلس حرب مُجمَّد. الأجواء الثقيلة التي خيّمت على ساحة القصر لم يفلح في تلطيفها لا خفق المشاعل ولا نغمات العود الخافتة المصاحبة لرقصة غيداء الهادئة.
وقف بن ناصر في نهاية المجلس، وتوجّه نحو هتّان بوقارٍ مصطنع.
"أيها الزعيم. لقد استثقلنا عليك، ونحن الآن نستأذن بالانصراف. ليس من الحكمة أن نترك قبيلة المرجان ليلةً كهذه دون أن يرأسها زعيمها."
لم يُبدِ هتّان أي محاولة للإصرار على بقائه. كان يعلم أن بن ناصر جاء لفرض شروطه ثم المغادرة، لا لتمضية الوقت.
"ما تراه حكمةً لقبيلتك، فهو لك. الطريق آمنة."
أومأت الجدّة زبيدة، التي كانت تتابع المشهد بصمت ثقيل، إيماءة موافقة قصيرة لا تحمل أي وُدّ. كان ابتعاد المرجان عن أرضها هو الهدف الأول.
وبينما كان بن ناصر يستعد للرحيل، تذكّر الورقة الأخيرة التي يملكها: مصير وجد، الذي استخدمه كطُعم.
"كلمة أخيرة أيها الزعيم... بخصوص هذا الرجل الخائن الذي حاول قتل ابنتي."
تصلّب هتّان. كان يعلم أن هذا السؤال هو امتحان علني لولائه للعهد الجديد.
"ماذا ستفعل به؟ هل ستعدمه لترى المرجان أن نسبنا حقيقي ومحمي؟ أم ستتركه حياً لإرضاء قبيلتك الرافضة؟"
خرج رد هتّان بارداً وقاطعاً، مُحبطاً توقعات بن ناصر التي كانت تنتظر قراراً فورياً وحاسماً:
"لن يُعدم وجد، ولن يُطلق سراحه. سيبقى سجيناً لدينا حتى يتم القبض على أولئك الرجال الملثمين الذين هددوه."
تجّهَّم وجه بن ناصر قليلاً للحظة؛ لم يكن هذا الجواب الذي يريده. إلقاء اللوم على طرف ثالث يقلل من انتصاره في إدانة الدهّام.
هتّان يتابع بحدة:
"وعندما نجد أولئك الرجال، ونعرف السبب الذي دفعهم لمحاولة الاغتيال... عندها فقط، سنُقرر مصير وجد. لا يُعاقَب رجل في الدهّام دون أن تُكشف الحقيقة كاملة."
حاول بن ناصر استعادة السيطرة على الحوار، قائلاً بنبرة أخف، وكأنه يشفق على غباء هتّان:
"إن السبب واضح يا زعيم. رجال قبيلتك يرفضون امرأة المرجان وهذا النسب. لا داعي للبحث عن أطياف ملثمة."
هتان لم يعلق و في هذه اللحظة، حوّل بن ناصر نظره ببطء نحو ميس، التي كانت تقف قريبة من هتّان بزيّ الخطوبة الداكن.
وبنبرة ذات سلطة أبوية ناداها :
"ثُريّا! تعالي هنا. أحتاج أن أتحدث إليك قبل أن أغادر."
رفع نظره إلى هتّان، وكأنه يطلب إذناً من زوج ابنته، لكن عينيه كانتا تحملان شعور التملك.
"هل تسمح لي أيها الزعيم؟ إنها ابنتي، وقد تكون هذه فرصتي الأخيرة لأكلمها بخصوص اهلها قبل أن تعيش هنا."
أومأ هتّان بهدوء مصطنع، لكن فكّه كان مشدوداً:
"طبعاً. هي ابنتك."
في تلك اللحظة، تلاقت أعين هتّان وميس بنظرة سريعة واحدة. نظرة لم تحمل شيئاً من المودة، بل إدراكاً حاداً بأن اللحظة قد حانت. حان وقت بدء تمثيلية "الثريّا الخاضعة".
تحرّكت ميس بخطوات ثابتة نحو والدها، ووقفت خلفه بمسافة مهذبة.
بدأ بن ناصر بالانسحاب نحو أطراف الساحة، حيث كانت خيوله جاهزة، وميس تسير خلفه.
لم يتحرك هتّان فوراً. انتظر قليلاً، بصره مثبت على ظهري بن ناصر وميس وهما يبتعدان. كان الصمت الذي تبعهما ثقيلاً، ومحمّلاً بالإحساس بأن شيئاً ما خطيراً على وشك أن يُقال ثم لحق بهما
_______
توقّف بن ناصر عند زاوية مظلمة ومُنعزلة بالقرب من بوابة القصر الداخلية، مكان يكفي لتبادل الحديث دون أن يُسمع همسه، لكنه قريب بما يكفي ليكون تحت بصر حراسه.
كانت ميس تقف أمامه، وهي تستجمع كل ما لديها من رباطة جأش لتبدو كالابنة الخائفة.
في تلك اللحظة، تحرّك هتّان بخطوات خفيفة، غير مسموعة تقريباً على الرمل. اختار موقعاً استراتيجياً خلف جدار حجري عريض، يتيح له رؤية ظليهما وسماع معظم الحوار دون أن يُكشف أمره. كان يعلم أن ما سيُقال الآن هو جوهر الاتفاق.
لم يُضيّع بن ناصر وقتاً. بمجرد أن أيقن أنهما وحدهما، أمسك بذراع ميس بقبضة قاسية ومفاجئة، تعبيراً عن سلطته المطلقة وغضبه المكبوت.
وبلهجة قاسية وهمس حاد قال:
"أنظري إليّ يا ثريّا. هل تظنّين أن انحناء رأس هذا الهمجي ليّ يعني أنني غفرت لكِ ما فعلتِ؟ ما زلتِ تحملين عار القبيلة، وعار الهروب من حق الشرف الذي كان ينتظركِ!"
توقعت ميس القسوة. لكنها لم تجفل، بل رفعت عينيها إليه ببطء. لم يكن في نظرتها تمرد، بل لين موجع، يشوبه حزن عميق وفقدان للأمل.
وبصوت منخفض، يرتعش فيه الحنين المُزيّف: "يا أبي... كيف حال أمي وشقيقاتي؟ أهن بخير بعد كل ما حدث؟"
صدم السؤال بن ناصر. لم تتوسّل إليه للصفح، بل سألت عن الأسرة .
أرخى بن ناصر قبضته قليلاً، فقد أدرك أنه لم يعد يتحدث إلى فتاة متمردة، بل إلى فتاة مكسورة وتشتاق لأهلها. هذا هو الوتر الذي يجب أن يضربه.
فاستبدل القسوة بـنبرة أبوية محبطة: "الأمور ليست بخير. والدتك تعبت كثيراً من أجلك، يا ثريا . والقبيلة ترى فيكِ الآن سُمعة... ليست محمودة."
ثم أضاف بنبرة حزينة:
"وبعد أن قررتِ الانحناء لهذا الزعيم، لن يكون سهلاً أبداً أن أسمح لكِ برؤية وجه والدتك من جديد."
في الظل، شعر هتّان بالدهشة تجتاح صدره. لم تكن هذه المرأة التي عرفها، الحكيمة القوية التي تقف أمامه بندية. لقد كانت تمثل ببراعة تفوق كل توقعاته، حتى أنه كاد يشك للحظة في حقيقة الموقف.
رفعت ميس رأسها، وقد لمعت الدموع في عينيها – دموع ممثل متمرس – واستغلت اللحظة للدخول في صلب الموضوع:
"ولكن... يجب أن أراهم. إنني أسيرة في النهاية يا أبي. لكنهم أهلي. ماذا عليّ أن أفعل لأستعيد رضى القبيلة... وأرى والدتي وأخواتي؟"
في تلك اللحظة، شعر بن ناصر بالانتصار. لقد حصل على مدخل استغلالها: الحنين الأسري.
فعاد إلى نبرته القاسية، يضع الشرط:
"إن كنتِ تريدين مني أن أسمح لكِ برؤية والدتك وأهلك بين الحين والآخر، فهذا ليس مجانًا يا ثريّا. أنا رجل يحكم قبيلة، ولا يمكن أن أغفر خطأكِ بتلك السهولة. عليكِ أن تدفعي، وأساساً هذا واجبكِ!"
تجهمت ملامح ميس بخفوت، كأنها لم تفهم المقصود.
"أدفع؟ ماذا أُقدّم يا أبي؟"
بن ناصر همس ببرود:
"بحكم أنكِ الآن من المرجان، ولن تخوني المرجان مرتين... عليكِ أن تثبتي ولاءكِ لمنصبكِ الجديد كـ'زوجة الزعيم'، وتثبتي ولاءكِ لقبيلتكِ القديمة."
أمال رأسه قليلاً، وعيناه تضيئان بالدهاء:
"أنتِ الآن في قلب بيت العدو. أنتِ وديعتنا، وعيننا، وجسرنا الذي سيعيد إلينا كل ما خسرناه من نفوذ وطرق تجارة. سأخبركِ بما أريد... وعليكِ أن تنفّذي."
تظاهرت ميس بالتردد والحيرة، بينما هتّان، خلف الجدار، كان يشدّ قبضته على سيفه بغضب صامت. لقد تحققت كل شكوكه.