عزلاء الهتان - الفصل الثامن عشر : دائرة السيف - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: عزلاء الهتان
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثامن عشر : دائرة السيف

الفصل الثامن عشر : دائرة السيف

كانت ميس واقفة في وسط الغرفة الواسعة، ساكنة الجسد، مضطربة الفكر. الجدران الحجرية العتيقة انعكست عليها أضواء المشاعل من الخارج، فبدت الظلال وكأنها تتحرّك مع أنفاسها المتثاقلة. كانت ترتدي زيّ الخطوبة التقليدي لقبيلة الدهّام… ثوبًا داكن اللون، مطرّزًا بخيوط معدنية ثقيلة عند الصدر والأكمام، يهب الهيئة وقارًا لا يليق بالعروس بقدر ما يليق بمحاربة تُزفّ إلى قدرها. الحزام العريض المشدود إلى خصرها لم يكن للزينة وحدها، بل رمزًا للرباط الذي لا يُفكّ إلا بالموت أو الوفاء. تقدّمت فدوة نحوها بخطواتٍ رقيقة، تحمل بين يديها أساور فضية ثقيلة. ألبستها واحدة تلو الأخرى، ثم وضعت عقدًا بسيطًا لكنه يحمل ختم الدهّام عند نحرها. ثم وقفت خلفها… وأخذت تسرّح خصلات شعرها السوداء الطويلة بهدوء، تمرّر أصابعها بين الخيوط الحريرية وكأنها تتعامل مع شيء نادر وخطير في آن. قالت فدوة بصوتٍ مبهور وهي تحدّق في انعكاسها في المرآة: " لم أرَ جمالًا كهذا في حياتي…" لم تستدر ميس. لم تبتسم. لم تسمع أصلاً. كان عقلها بعيدًا تمامًا عن الغرفة، عن الثوب، عن الأساور، عن الخطوبة، عن كل هذا الاستعراض الصامت. كان عقلها هناك… عند بن ناصر. كانت تحسب خطواتها بدقة: كيف ستدخل؟ بأي نبرة ستتكلم؟ متى ستخفض عينيها؟ ومتى سترفعهما؟ كانت تعرف تمامًا ما الذي يجب عليها فعله: عليها أن تجعله يصدق… أنها تريد رضاه. أنها تخشى غضبه. أنها تشتاق للعودة إلى المرجان من أجل "الأسرة"، من أجل والدة ثريا، من أجل شقيقاتها، من أجل الحنين المزيّف. وبهذا… سيفعل ما توقّعته تمامًا. سيستغلها. وسيعطيها – دون أن يدري – كل ما تحتاجه لتعرف مخططاته، وتحرقها من الداخل. مرّرت فدوة أصابعها بين خصلات شعرها مرة أخرى، وقالت بإعجاب صادق: " يقال إن جمال المرجان لا يشبه أي جمال… لكن الآن فهمت لماذا." رفعت ميس عينيها أخيرًا، ونظرت إلى انعكاسها في المرآة. توقّف الزمن للحظة. المرأة التي تراها… ليست ثريا. وليست ميس وحدها. كانت مزيجًا من: الجسد الذي وُلد ليكون جميلًا، والعقل الذي خُلق ليكون خطيرًا. عيناها الداكنتان كانتا ساكنتين، بلا أي أثر للفرح. الشفاه المتزينة لم تحمل ابتسامة عروس، بل صمت لاعبة تعرف أن الرقعة بدأت تمتلئ. همست فدوة، وكأنها تتحدث إلى نفسها: " كأنكِ خُلِقتِ لهذا الثوب ياسيدتي ..." وفي تلك اللحظة… لمعت فكرة في رأس ميس. لم تكن خاطرة عابرة… بل إدراكًا حادًا لشيء كانت تغفله طوال الوقت. هذا الجمال… ليس عبئًا. بل سلاح. تحرّكت زاوية شفتيها ابتسامة صغيرة. صغيرة جدًا… لكنها بدأت تتّسع شيئًا فشيئًا في أعماقها، لا على ملامحها. قالت في سرّها: ربما… عليّ أن أستغل هذه النقطة قليلًا. ليس لتغوي. ولا لتتقرّب. بل لتُعمِي. لأن بعض الرجال لا يرون أبعد من الجمال حين يظنّون أنهم يملكونه. وساعتها… سيظنّ بن ناصر أنه يمسك بخيوطها، بينما هي من ستشدّ العقدة حول عنقه ببطء. وبينما كانت فدوة تضع آخر قطعة زينة عند صدغها، كانت ميس قد انتهت من تجهيز أخطر شيء في هذه الليلة: وجه ثريا المزيف. الذي سيدخل به إلى ساحة المشاعل… لا كعروس، بل كطُعم حيّ في قلب الحرب. _____ خرجت فَدْوَة من غرفة ميس وهي تُغلق الباب خلفها برفق، وما زال أثر الدهشة مرسومًا على ملامحها من فرط ما رأت من جمالٍ لم تألف مثله. لم تكد تستدير في الممر حتى اصطدمت بجسدٍ صلبٍ ثابت كالجدار. رفعت رأسها بسرعة، واتسعت عيناها حين رأت زُبيدة تقف أمامها، متكئة على عكّازها، ونظرتها نافذة لا تمنح مجالًا للارتباك… لكنها فرضته قسرًا. انحنت فَدْوَة فورًا وقالت باضطراب: " أ… أعتذر يا كبيرتي، لم أركِ." أومأت زبيدة إيماءة قصيرة لا تحمل غضبًا ولا رضا، ثم سألت بصوتٍ أقل لينًا من السابق: " هل انتهت ابنة المرجان؟" أسرعت فَدْوَة بالإيماء: " نعم، يا كبيرتي… جاهزة تمامًا." ثم أفلتت منها عبارة لم تحسب لها حسابًا، خرجت محمّلة بالحماس الصادق: " لقد أصبحت رائعة. جمالها لا يُوصَف." في تلك اللحظة، تبدّلت نظرة زبيدة. انطفأ أي ظلّ حياد في عينيها، وحلّت مكانه قسوة صامتة. فذلك الجمال، مهما بلغ، لن يكون في نظرها إلا جمال المرجان… والمرجان لا يُرى جميلًا في عينيها أبدًا. لم تُعلّق. اكتفت بنظرة باردة جعلت فَدْوَة تبتلع كلماتها وتخفض رأسها بخضوع، ثم انسحبت بهدوء ومرور خائف. دفعت زبيدة باب غرفة ميس دون استئذان. التي كانت واقفة عند النافذة، تُطلّ على ساحة القصر حيث كانت الاستعدادات تُستكمل لطقس دائرة السيف. مشاعل تُنصَب، فرسان يتحركون، وساحة تُفرغ ليُرسم فيها المصير علنًا. خلفها، دوّت خطوات زبيدة الثقيلة على أرض الغرفة. استدارت ميس ببطء، وألقت عليها نظرة سريعة، نظرة تقييم صامتة، لا تحمل خوفًا ولا ترحيبًا. قالت زبيدة بنبرة آمرة: " استعدّي. ما إن ينتهي الزعيم ورجال القبيلة من تثبيت بنود الاتفاقية الجديدة في المجمع، ستُستدعين إلى الساحة." أومأت ميس إيماءة واحدة مقتضبة، ثم همّت بالتقدّم نحو الباب. لكن يدًا قاسية أطبقت على ذراعها فجأة. شدّت زبيدة قبضتها عليها بقوة مفاجئة، أوقفتها عن الحركة بعنفٍ مقصود. التفتت ميس إليها بنظرة استنكار حادة، وكادت تسحب ذراعها فورًا، غير أن زبيدة ثبّتها أكثر، وقربت وجهها منها حتى صار النفس بينهما ثقيلًا ومحمّلًا بالتهديد. قالت زبيدة بصوتٍ منخفض… لكنه قاطع لا يقبل جدالًا: "إن حاولتِ فعل أي شيء ياابنة المرجان… بإرادتك أو دون إرادتك… يمسّ هتّان أو الدهّام بسوء…" ثم شدّت على ذراعها أكثر وهمست ببطء قاتل: فستندمين ..." سكنت الغرفة لحظة، ثم تابعت بوضوح خالٍ من أي رحمة: "أنا قبلت بهذه الزيجة فقط لأن حفيدي أوفى بدَينه ووعده. لكن لا تنتظري مني يومًا أن أقبل بالخيانة. ولا تنتظري أن أرى دم المرجان يتطهر بالمصاهرة." خفضت صوتها أكثر، وكأنها تُلقي حكمًا أبديًا: " سأقضي ما تبقّى لي من عمرٍ في منع دم المرجان من أن يختلط بالدهّام. تلك الدماء… التي تجري في عروقكِ حتى دون إرادتك… هي في نظري دماء خيانة، وغدر، وخداع." لم تغضب ميس. لم تهتز. لم يرتجف في عينيها شيء. ربما لأن هذا الدم… ليس دمها. وهذا الجسد… ليس جسدها. اكتفت بنظرة باردة صافية، خالية من أي انفعال، ثم سحبت ذراعها بهدوء حاسم من قبضة زبيدة، دون كلمة واحدة. فتحت الباب وخرجت من الغرفة بخطى ثابتة. _______ انتهى النقاش في المجمع، لا لأن القلوب اقتنعت، بل لأن الكلمات استُنفدت، والقرارات فُرضت بثقل الأمر الواقع. ساد الصمت لحظة طويلة بعد تلاوة البنود الأخيرة من الاتفاق. كان رجال الدهّام يقفون في صفوفهم بوجوه متصلّبة، نظراتهم مشدودة، يطفح منها الاستياء والضيق المكتوم. لم يكن في عيونهم رضا، بل قبول قسري، قبول من يعرف أن السيف وُضع هذه المرة على عنقه لا في يده. بعضهم كان يشيح بوجهه عن وفد المرجان. وبعضهم كان يحدّق في الأرض. وقلّة فقط ثبتت أنظارها على هتّان، كأنها تبحث في عينيه عن جواب لم يُقال: هل كان هذا حقًا الخيار الوحيد؟ هل كانت تلك المراة تستحق كل هذا التنازل ؟ أما رجال المرجان… فكانوا يقفون بنظراتٍ مختلفة تمامًا. نظرات كره واحتقار قديم، تتدثّر بقناع المجاملة. شفاههم تبتسم، لكن أعينهم لا تخفي شعور النصر الباهت الملوث بالثأر. كانوا ينظرون إلى رجال الدهّام كما ينظر المنتصر إلى خصمٍ أُجبر على خفض رأسه دون أن يُكسَر تمامًا. وفي صدرهم جميعًا… كان يقف بن ناصر. مختلف عنهم جميعًا. كان سعيدًا. لا تلك السعادة الفجة، بل سعادة التاجر الذي أُغلقت أمامه الأبواب سنوات، وها هي الآن تُفتح دفعة واحدة دون أن يدفع ثمنها. كان يضغط على هتّان لا بصوت مرتفع، بل بحقّه الجديد: حق الشرف. ذلك السلاح الذي لا يُشهر، بل يُطعن به من الداخل. خلال هذا الاتفاق، سقطت أخطر ثلاثة قيود: 1. إسقاط منع المصاهرة والنسب رسميًا بين المرجان والدهّام. 2. فتح العبور الكامل عبر حدود الدهّام دون رسوم أو قيود. 3. والأهم… كسر احتكار الدهّام لكونها الحاجز الفاصل بين المرجان وبقية القبائل. والدهّام… لم تكن مجرد قبيلة. كانت بوابة. بوابة تجارة. بوابة نفوذ. بوابة دم. موقعها كان استراتيجيًا حدّ اللعنة: من يمر عبر الدهّام، يصل إلى كل شيء. ومن يُغلق في وجهه طريق الدهّام، يُخنق اقتصاديًا وسياسيًا. وبن ناصر… كان يدفع ذهبًا في كل قافلة، وقافيات في كل موسم، ورجالًا في كل احتكاك. أما اليوم… فقد جاءته الفرصة أخيرًا ليتوقّف عن الدفع. لا كضيف. بل كنسيب. كان يتأمّل وجوه رجال الدهّام بارتياحٍ مكتوم، وهو يدرك في أعماقه أن ما لم يُنجز بالسيوف، أُنجز اليوم بالمصاهرة. بفضل تلك الابنة التي لم يرها يوما كذلك ...لكنها الان اصبحت على الأقل ذات فائدة له ! اقترب من هتّان في نهاية المجمع، وضغط كفّه أثناء المصافحة ببطءٍ مقصود، وقال بصوتٍ خافت لا يسمعه سواهما: " اليوم فتحنا باب السلام… وغدًا ستُفتح أبواب الرزق." كانت ابتسامته ناعمة… لكن المعنى خلفها كان حادًا: لقد عبرتُ من ثغرتك. هتّان لم يبتسم. لم يسحب يده. لم يُبدِ أي انفعال. فقط نظر إليه بنظرة ثابتة تحمل في عمقها تحذيرًا غير منطوق: " السلام الذي يُبنى على كسر الظهور، لا يدوم." لكن بن ناصر كان قد حصل على ما يريد. والتاجر حين يُغلق صفقة رابحة، لا يعود ليسمع العواقب. بدأ الوفدان بالانسحاب. رجال المرجان خرجوا برؤوس مرفوعة، يختلط في خطواتهم الغرور بالحذر. رجال الدهّام خرجوا بخطوات أثقل، كأن الأرض صارت فجأة أضيق تحت أقدامهم. أما المجمع… فبقي شاهدًا صامتًا على اتفاقٍ لم يولد من القناعة، بل من الضرورة، وسيُطالب الجميع بثمنه… عاجلًا أو آجلًا. _______ كانت الساحة قد امتلأت عن آخرها. اتّسعت دائرة الرمل في قلب الدهّام كقلبٍ مفتوح على مصيره، تحيط بها صفوف القبيلة من كل الجهات، رجالًا ونساءً، شيوخًا وفتيانًا، وعلى الأطراف اصطفّ الفرسان بخيولهم المهيبة، سروجهم تلمع تحت ضوء الشمس المائل، وأيديهم قريبة من قبضات السيوف كعادةٍ لا تُترك حتى في الاحتفال. وفي الجهة المقابلة… جلس رجال المرجان كضيوف ثقيلين. وجوه غريبة عن المكان. ملابس أكثر فخامة. نظرات فاحصة، بعضها مشبع بالفضول، وبعضها بالشماتة الصامتة. الهواء كان ثقيلًا. ليس من الحر وحده، بل من تراكم الأنفاس، والترقّب، والعداوات المؤجَّلة. الهمهمات كانت منخفضة لكنها لا تتوقف: تفسيرات، توقعات، اعتراضات مكتومة، وأحاديث تُقال بلا أصوات واضحة. الكل ينتظر. في وسط الساحة… فُرشت دائرة السيف. رملٌ مُسوّى بعناية، يتوسّطه رمح مغروس في الأرض، ينسكب عليه الضوء كخيط فضة، وعلى جانبي الدائرة وُضعت السيوف المرفوعة، رمز الشرف، والاختبار، والقرار الذي لا يُردّ. كان هذا الطقس أقدم من الجميع. طقس يُقال فيه ما لا يُقال بالكلام. ويُحسم فيه ما تعجز عنه المجالس. وقف كبار الدهّام في صدر الساحة بوقار ثقيل. وجوه أنهكتها السنين، لكن عيونها ما زالت تحمل سلطة لا تُكسر بسهولة. خلفهم الفرسان، وخلف الفرسان الناس. أما هتّان… فكان يقف عند حدّ الدائرة، صامتًا، كتفيه مستقيمان، وملامحه جامدة كصخرة تتلقى العاصفة دون أن تنكسر. وفجأة… سكن كل شيء. توقفت الهمهمات كما لو أن يدًا خفية أطبقتها على أفواه الجميع. تجمّدت الحركة. وانصبّت الأنظار تلقائيًا إلى جهة واحدة. ظهرت. ميس… أو كما بات اسمها يُقال في هذا اليوم الرسمي: ثُريّا. خطت أول خطوة إلى الساحة، فكأن الأرض نفسها انتبهت لوقع قدميها. كانت تمشي ببطء، ليس تباطؤ ضعف، بل تباطؤ وعي حاد بكل عين تراقبها، وبكل قلب يرفضها. تقاطرت عليها النظرات من كل الجهات، نظرات تحمل ألوانًا مختلفة من الكراهية: كره ناس قبيلتها… الذين رأوا فيها امرأة خرجت عن الصف، وحملت وزر قرار لم يغفروا له بعد. وكره الدهّام… الذين لم يكونوا يرون فيها سوى: المرأة التي كسرت سلامًا قديمًا، وأجبرت زعيمهم على قرار فوق طاقته الشخصية. كان عليهم أن يتحمّلوها. لا لأنهم رضوا بها، بل لأن هتّان قال كلمته، وكلمة الزعيم في الدهّام لا تُرد. كانت تشعر بكل ذلك. تشعر بالهالة الثقيلة التي تسبقها كظلّ بارد: هالة رفض. هالة اتهام. هالة عداوة صامتة. انقبض صدرها لثانية. وشعرت بوخز توتر صاعد من قدميها إلى حلقها. لكنها… لم تتوقّف. رفعت ذقنها قليلًا. ثبّتت نظرتها إلى الأمام. ورتّبت أنفاسها ببطء. ارتسمت على شفتيها ابتسامة متوترة… باردة، ابتسامة لا تحمل دفئًا، بل تحدّيًا هادئًا يشبه قولًا غير منطوق: أنا هنا، سواء رضيتم أم لم ترضوا. حدّثت نفسها وهي تخطو خطوة أخرى: " يبدو أنني نجحت حقًا… جمعت الأعداء جميعهم في صفٍ واحد." ابتسامة خفيفة عبرت ملامحها للحظة، سريعة كوميض، ثم اختفت. كانت الأصوات من حولها تتلاشى. لم تعد تسمع شيئًا بوضوح. لا صرير السروج، ولا وقع الأقدام، ولا همسات النساء خلف الصفوف. كل ما كانت تشعر به هو: رمل الساحة تحت قدميها. ودقات قلبها. وثقل العيون الذي يكاد يُلمس. كل خطوة كانت امتحانًا. وكل ذبذبة في الهواء كانت كأنها سؤال: هل ستتراجع؟ هل سترتجف؟ هل ستنكسر أمام الدائرة؟ لكن ميس… لم تفعل. تقدّمت حتى بلغت حدّ دائرة السيف. وقفت هناك. على الخط الفاصل بين ما كانت، وما ستُجبر أن تكونه من الآن فصاعدًا. في تلك اللحظة، لم تكن امرأة فقط… كانت قرارًا حيًا يمشي على قدمين. وكانت الساحة كلها تحبس أنفاسها، بانتظار ما سيُقال بالسيف، لا بالكلام. _______ ساد صمت أثقل من كل ما سبقه. صمتٌ ليس غيابَ صوت، بل حضورُ ألفِ صوتٍ محبوس في الحناجر. ثم… تحرّك هتّان. خطا خطوة واحدة إلى داخل دائرة السيف. فارتفعت معه الأنفاس. وتصلّبت الأكتاف. وانحنت الرؤوس قليلًا دون وعي، كما لو أن الجميع يُفسح الطريق لقدرٍ قديم يعود ليُبعث من جديد. كان دخوله رسميًا… لكن وقعه كان أشبه بإعلان حربٍ صامتة. وقف في مركز الدائرة. وبحركة بطيئة ثابتة، مدّ يده إلى أحد السيوف المرفوعة. قبض على المقبض بقوة، ورفع السيف عاليًا فوق رأسه. عندها فقط، تقدّم كبير القوم خطوة إلى الأمام، وصوته الجهوري يشقّ السكون كما لو أنه يشقّ جوف الأرض: "نُشهِد الدهّام… أن السيف قد رُفع، وأن الدائرة قد فُتحت، وأن من يدخلها اليوم… لا تحميه الكلمات، بل الحماية تُكتب له بالدم إن لزم." ثم التفتت العيون كلّها إلى ميس. إلى المرأة الواقفة عند الحد، بين عالمين لا ينتميان إليها حقًا. تقدّمت ميس خطوة… وفي اللحظة نفسها، رفع هتّان نظره. وتلاقَت الأعين. اصطدمت النظرتان في فضاء الدائرة كما تصطدم شفرتا سيفين في أول اشتباك. لم يتكلّما. لم يتحرّك أحد. لكن كل شيء تحرّك داخلهما. في نظرتها مرّ شريط طويل من الذكريات: — الغابة عند حدود القبيلتين، حين رأت هذا الرجل لأول مرة لا كزعيم… بل كرجل جريح. — دمه على يديها وهي تنقذه من الموت، وبين أضلاعها خوفٌ لم تفهمه وقتها. — وعده لها بالحماية، وهي لا تثق بالوعود. — تلك السهرة في قصره، حين عرّفها على أهله بأنها الحكيمة، وأدخلها بيته قبل اسمه. — يوم جاء رجال المرجان يبحثون عنها، ونظرة الشك الأولى التي شقّت عينيه. — ولحظة انكشاف كذبها، حين سقط كل شيء دفعة واحدة… الثقة، والاسم، والستار. — ثم تلك اللحظة القاسية التي أدركا فيها معًا: أن ما ربطهما منذ البداية لم يكن صدفة، ولا خطّة، بل قدرٌ أثقل من كليهما. كل هذا مرّ بين رمشتين. وفي نظرته هو… كان هناك شيء آخر: ليس غضبًا. ليس عتابًا. بل ذلك الإدراك المرّ، أنها مهما حاولت الهرب، وهو مهما حاول الابتعاد، فهما الآن في دائرة واحدة… أمام قبيلتين، وأمام تاريخ كامل من الدم. ارتعشت نظراتها للحظة قصيرة… ثم تماسكت. أنزلت عينيها فقط حين وصل السيف إلى مستوى صدرها. تقدّمت إلى داخل الدائرة. ومع دخولها، أُغلق الصف من حولها. رجلان من الفرسان تحرّكا في اللحظة نفسها، وسحبا سيفين آخرين، وشكّلا بهما قوسًا خلفها. الدائرة أصبحت مغلقة. لم تعد هناك طريق للعودة. قال كبير القوم بصوت أوطأ هذه المرة، لكنه أشد وقعًا: "من هذه اللحظة… هذه المرأة داخل حماية الدهّام. ظلمُها ظلمُنا. وكسرُها كسرُنا. ودمُها إن أُريق، يُطالب به هذا السيف." رفع هتّان السيف قليلًا، ثم خفّضه ببطء، حتى صار بينه وبين ميس خطٌّ من فولاذ لامع يفصل مصيريهما. هذا هو التقليد. – رفع السيف: إعلان القبول. – إغلاق الدائرة: إعلان الحماية. – مواجهة العريس للعروس داخل السلاح: إعلان الاشتراك في المصير. تقليد لم يُقم منذ ستة وعشرين عامًا. منذ زواج والده… من امرأة لم تكن من المرجان. واليوم، ها هو يتكرّر… لكن بثمنٍ أثقل، وبدمٍ أكثر تعقيدًا. الناس كانوا يراقبون بأنفاس مشدودة. شيوخ الدهّام يتبادلون نظرات صامتة، فيها رهبة الذكرى وخوف التكرار. الفرسان يشدّون على مقابض سيوفهم توترًا. نساء القبيلة يضعن أيديهن على صدورهن بلا وعي. حتى الريح… بدت كأنها توقفت. وفي طرف الساحة، كان بن ناصر يراقب. وجهه جامد، عينيه ثابتتين، لكن في العمق شيء يشبه الرضا البارد. لم يبتسم. لم يتجهّم. كان يحصي الربح فقط. هو يعرف معنى الدائرة. ويعرف أن ما يحدث الآن… يُسقط آخر ما تبقى من الحواجز بين القبيلتين. كان يعلم أيضًا… أن ابنته — أو من يظنها ابنته — تقف الآن تحت سيف رجلٍ من الدهّام. ورغم ذلك، لم تتحرّك له عضلة. عاد التركيز إلى داخل الدائرة. هتّان، الزعيم الشاب الذي حمل عبء قبيلته منذ سنوات، كان يقف أمام ميس لا كزعيم فقط… بل كرجل قُدِّر له أن يقف في هذا الموضع تحديدًا أمام هذه المرأة تحديدًا. رفعت ميس عينيها من جديد. وتلاقَت النظرات مرة أخرى. هذه المرة لم يكن فيها دهشة، ولا شك، ولا صدمة. كان فيها شيء أقسى: القبول القهري بالمصير. عيناه تقول: كنتِ عابرة… فصرتِ قدرًا. وعيناها تقولان: هربت منك بكل الطرق… فعدت إليك بكل الطرق. دون كلمة واحدة، كانا يعترفان أن: كل ما حدث بينهما، من الغابة إلى القصر، ومن الوعد إلى الخيانة، لم يكن سوى طريقٍ طويل ينتهي هنا… داخل دائرة السيف. في قلب الدهّام. أمام قبيلتين. وأمام تاريخ لا يرحم. ______ كانت تُسدل غطاءها على رأسها بعجلة، أصابعها ترتجف وهي على وشك الخروج من الكوخ، حين تقدّمت والدتها بخطوات متثاقلة، وصوت الدهشة يسبقها: " إلى أين ياابنتي ؟ أليس من المفروض أن تجهّزي نفسك لسهرة هذا المساء في قصر الزعيم؟" توقّفت غيداء لحظة، دون أن تلتفت. كيف يكون مزاجها حسنًا… وهو الرجل الذي تخيّلته يومًا لها، يُخطب الليلة لامرأةٍ أخرى؟ لـ امرأة من المرجان… قالت بجمود وهي تشدّ الغطاء أكثر على رأسها: " سأعود فورًا." ثم خرجت. تركت الباب مفتوحًا خلفها، وصوت والدتها يلحق بها من الداخل: " غيداء! غيداء!" لكنها كانت قد انطلقت. ______ ظهرت غيداء بين أزقة الدهّام كلوحةٍ تنبض بالحياة. شعرها الكستنائي الكثيف المموج يتدفق على كتفيها في ضفائر غير متكلفة، بعشوائية ساحرة. عيناها الواسعتان بلونهما القريب من الأخضر كانتا تشيان بذكاءٍ وحساسيةٍ مفرطة. بشرتها البيضاء تنعكس عليها ألوان القبيلة الترابية فتزيدها حضورًا لافتًا. كانت ترتدي صدرية داكنة تُبرز عنقها وكتفيها بأناقة، مطرّزة بخيوط معدنية رفيعة، مع أكمام بيج واسعة تضفي عليها طابعًا ريفيًا أنيقًا. تنورتها الداكنة تنسدل برشاقة، مشدودة عند خصرٍ نحيل بحزامٍ جلدي عريض. وقلادة بسيطة تتدلّى فوق صدرها، كأنها تعلن هويتها دون ضجيج. كانت ركضها متسرّعًا، غير واعٍ. أقدامها لم تكن تسأل إلى أين تذهب… قلبها فقط كان يقودها. قبيلة الدهّام بدت أقل ازدحامًا من المعتاد. معظم الرجال ذهبوا إلى ساحة دائرة السيف. الفرسان، الشيوخ، والضيوف… كلهم هناك. وهي هنا… تركض بلا هدف واضح، إلا أمنية واحدة تتكرر في صدرها بعناد موجع: "فقط… فقط أراه قبل أن يصبح لامراة آخرى . قبل أن يصبح لامرأة من المرجان…" تجاوزت بعض النساء عند أطراف السوق، لم تنتبه لنظرات الفضول، ولا للهمسات. كانت تركض… فقط تركض. وفجأة، شعرت بيدٍ تقبض على ذراعها. توقّفت بعنف. استدارت بحدة… وجد. رجل أبيض البشرة، تنتشر على وجهه نمشات خفيفة، وشعره يميل إلى البرتقالي. ملامحه بسيطة، عيناه صريحتان أكثر مما ينبغي. ذلك الشاب الذي لم يتوقف يومًا عن طلب يدها، والذي لم تتوقف هي عن رفضه منذ الصغر. سحبت ذراعها منه بقسوة: " ماذا تريد؟" سألها وهو ينظر إلى اتجاه ركضها: " إلى أين أنتِ ذاهبة؟" رمقته بنفاد صبر: " وما شأنك؟" اقترب خطوة، ونبرته تحمل يقينًا مؤلمًا: " ذاهبة إليه، أليس كذلك؟ إلى الزعيم؟ لقد خُطِب، انسَيْه يا غيداء… وفكّري بي أنا. سأخطبك في الوقت الذي تريدينه." زفرت بضيق، كأن أنفاسها تضيق فجأة: " ابتعد عن طريقي. أنا مشغولة. وانسَ أمر الخطوبة، فلن أتزوجك أبدًا. ابحث عن امرأة أخرى… نساء الدهّام كثيرات." تغيّرت ملامحه. انكسر شيء في عينيه، ثم تحوّل إلى قسوة جارحة وهو يقول: " وهل كنتِ تظنين أن الزعيم سيتزوجكِ أنتِ؟ احمدي الله أني قبلتُ بكِ أصلًا! الزعيم زعيم… ولا يأخذ راقصة. وحتى لو خُيّر بين امرأة من قبيلته وبين امرأة من القبيلة المعادية، فسيختار المعادية… لأنها صاحبة أصل، أما الراقصة…" لم يُكمل. لكن الكلمة الأخيرة كانت كافية لتذبح ما تبقى في صدرها. تجمّدت غيداء في مكانها. عيناها اتّسعتا بصدمة. تجمّعت الدموع فيهما في لحظة واحدة. فكّرت أن ترد. أن تصرخ. أن تهينه كما أهانها. لكنها أغلقت فمها بصمت… واستدارت، وتابعت ركضها. خلفها، ضرب وجد الأرض بقدمه بعنف، ومسح على شعره بعصبية، وهو يحدّق في أثرها بعينٍ ممتلئة بالغيظ دون أن يدري ان بعض من الرجال الملثمين يقتربون منه . ______ كانت تركض الآن وهي تبكي. دموعها لم تكن فقط بسبب كلام وجد… بل لأن الكأس قد فاض. هي راقصة، نعم. يُستدعونها في الحفلات، كحفلة هذا المساء في قصر الزعيم. لكن قلبها لم يكن يومًا راقصًا. كانت تختنق وهي تتذكر طفولتها. حين كانت تجلس على الأرض بجوار والدتها، بعد الحرب، بثيابٍ رثّة وقلبٍ خائف. هو… هو من أنقذها. هو من وفّر لها كوخًا. وهو من أمن لوالدتها عملاً. وكان دائمًا يسأل عنها، دائمًا يهتم… رأت فيه الرجل الذي تمنته. الأب الذي فقدته. والأخ الذي قُتل. رأت فيه كل شيء. والآن… ها هو يختفي من أمام عينيها إلى الأبد. لم تعد قادرة على الرؤية. الدموع غطّت كل شيء. ركضت دون وعي، حتى خرجت من أحد الأزقّة الضيقة… واصطدمت فجأة بجسدٍ صلب كجدار. ارتدّت إلى الخلف بقوة، وسقطت على الأرض. الاصطدام كان عنيفًا، أفقدها توازنها وأنفاسها للحظة. رفعت رأسها بصعوبة، تمسح دموعها بكمّ ثوبها المرتجف… لترى أمامها رجلًا ضخم البنية. ملامحه حادّة، متجهّمة. بشرته داكنة شديدة السمرة. عيناه سوداوان قاسيتان. لم تره من قبل في أزقة الدهّام. تمتمت بصوت مكسور: " أعذرني… لم أنتبه لك." ومدّت يدها نحوه، تنتظر أن يُعينها على النهوض. كأي رجلٍ في الدهّام كان سيفعل. لكن… هو نظر إلى يدها للحظة. ثم… تركها معلّقة في الهواء. واستدار مبتعدًا دون كلمة. تجمّدت. استنكار اجتاحها. أيّ رجلٍ يترك امرأة على الأرض ويمضي؟ وأي رجلٍ يرى غيداء، أشهر راقصة في الدهّام… ويمضي؟ صاحت خلفه، وكأنها تُفرغ كل غضبها ووجعها فيه: " أيها الوقح! أيها القبيح! عد!" كان يبتعد دون أن يلتفت. ولم تكن تعلم… أن ذلك الرجل الذي تجاهل دموعها وترك يدها في الهواء، كان هو… أبلج.