الفصل 71
** 𝒜𝓂𝒶𝓃𝒾 𝒶𝓁𝒶𝒿𝒶𝓏𝒶𝓇𝒾𝒶**
آمـآنيـﮯ آلجزآئريـﮯهہ
.
.
.
.
.
.
كانت الطائرة ساكنة…
الركاب قاعدين، المضيفات يتحركون بهدوء، والهمسات المنتشرة تضيع بين صوت المحركات اللي بدت تشتغل استعدادًا للإقلاع.
اسما جلست عند الشباك…
تشد طرف عباءتها بين أصابعها، تحاول تثبت نفسها بأي شكل.
تحس صدرها يضيق…
وكل ما تطالع الأرض من تحتها، يزداد خوفها لأنها تعرف إنها بعد دقائق… ما عاد عندها طريق رجعة.
فؤاد جلس جنبها.
مسافة بسيطة تفصل بينهم…
لكن ثقل حضوره كان يغطي المكان.
ما تكلم…
ولا نظر لها.
كان مستند على كرسيه، كوعه على ذراع المقعد، وعيونه مسمرة قدّام، كأنه غارق بتفكير ثقيل ما ينقال.
المضيف مرّ عليهم:
“Please fasten your seat belts.”
اسما ارتجفت وهي تمسك الحزام… ما تعرف تركّبه من الارتباك.
أصابعها ترتعش، والحزام يطيح منها مرتين.
التفت لها فؤاد.
لحظة وحدة بس…
ثم مد يده وأخذ الحزام منها، ربطه لها بخطوات ثابتة، بدون ما يرفع عينه على وجهها.
قال بنبرة منخفضة:
"ارخي كتوفك… لا تتوترين."
ما ردّت.
عيونها مثبتة على الزجاج… على مدرج المطار اللي بدأ يتحرك.
تمسح دموعها وهي تطالع بعيد:
"أنا ما أبي… أبعد. ما أبي الطيارة."
ترك كلماتها تعدّي…
بلا تعليق…
كأنه يعرف إن ردّه بيزيد غضبها، أو يمكن لأنه ما يملك شيء يطمّنها.
مرّت دقيقة…
ودقيقة ثانية…
إلى أن قالت بصوت مرتعش:
"ليش تسوي كذا فيني؟ ليش؟"
التفت لها هالمرة ببطء.
عيونه ما كانت قاسية…
ولا ندمانة…
كانت متعبة، وتخفي شي أكبر من مجرد قرار طائش.
قال بهدوء شديد، هدوء يضرب أقوى من الصراخ:
"اسما انا ابيك... وشاري قربك.... ماعد اقدر اتحمل بعدك عني او انك بيوم بتكونين لغيري
وأنا… ما أسمح."
شهقت بخوف:
"أنا مو ملكك! لا تتحكم بمصيري!"
خفض صوته أكثر:
"ولا أفكر أتحكم…
أنا بس… أمنع خراب كان بيجي عليك. ولو تحسين إني غلطان… الزمن يبيّن."
هزّت راسها بعناد مجروح، دموعها تنزل:
"ما أبي زمنك ولا حمايتك…"
لف وجهه للجهة الثانية، أسنانه تضغط على بعضها…
واضح إنه يحاول ما يفقد هدوءه.
الطائرة بدأت تتحرك للأمام.
الأرض تهتز…
وكل شيء يرجف مع قلبها.
أغمضت عيونها بقوة…
ترفع يدها على فمها، تحاول تكتم رعشة بكاها.
حاولت تخفي خوفها، لكن صوتها انكسر رغماً عنها:
"… أنا أخاف… أخاف من الطيارات…"
التفت لها بخفة.
هذي الجملة ضربت شيء داخله ما كان يبغى يبينه…
نظرة صغيرة بس… فيها لين ما طلع من أول.
مد يده…
قربها من يدها، مو ماسكها… لكن قريبة كفاية إنها تحس وجوده.
صوته هابط، نبرته هادية جدًّا:
"ولا همّك… بس أسمعيني.
ركزي على صوتي…
مو على الطيارة."
رجفة خفيفة طلعت منها.
جوتها حرب…
ما تدري تخاف منه؟
ولا من السفر؟
ولا من مصير ما تعرف وجهته؟
الطائرة رفعت سرعتها…
صارت تركض فوق المدرج.
وضغطت يدها على المقعد بقوة.
وصوت بكاها يطلع بنبرة محبوسة.
وقالت كلمتها. " انت قتلتنا بتهورك يافؤاد خلاص. حكمت علينا بلأعدام. "
وبمجرد ما انفصلت عجلات الطائرة عن الأرض—
انحنى فؤاد لها قليلاً وقال بهمس صادق، بنبرة رجل رغم كل عناده… يخاف عليها:
"اسما… أنا هنا.
لا تخافين."
كانت أول جملة ما كسّرتها…
بل خلت دموعها تنزل بصمت أثقل.
وبين هالرجفة…
وبين السماء اللي تفتح تحتهم…
قلب مكسور يبحث عن مصيره ونهاية قدره
.
.
.
.
.
.
.
.
.
المجلس – بيت سعود
كان سعود تايه بين الغضب والقهر، واقف بنص المجلس، وصوته يجلجل في المكان.
قلب الطاولة بعصبية، وصرخ وهو يحس صدره يحترق:
"كييييف؟! كيف تسوّيها؟! كيف تهررب وتخون ثقة أهلها؟! البنت اللي كنت أعدّها بنتي… تهرب؟! وتلحق ورا ذاك الكلب؟! والله ما توقعت تطلع خيييينة لهالدرجة!"
تناثرت الأغراض على الأرض وانكسرت الصحون، كأن البيت كله ينعكس فيه وجعه.
أم زياد كانت واقفة وراه، متكورة على نفسها شوية، صوتها يطلع ويرجع، لكنها تحاول تثبّت نفسها قبل ما تتكلم:
"يا أبو زياد… والله أنا قلتلك، البِنت دي من فترة وأنا مش مرتاحة لها. عليها حركات غريبة… وربنا شاهد عليّا… كنت حاسّة إن تحت السواهي دواهي."
التفت سعود بسرعة، وصوته يتهز من الغضب:
"والله وطلعت كلبة ! هذي بنت أخوي! رافعينها فوق روسنا… مستورينها، ومعتبرينها بنتنا… وتروح تسوّيها؟!"
حط يده على راسه، وصوته صار أثقل، أقرب للوجع من الغضب:
"ما عمري شكّيت فيها… كانت حيل غالية عليّ… ما توقعت تطعنني كذا."
رجّعته أم زياد بصوت متخوّف لكن مستغلة الموقف:
"يا أبو زياد… أصل اللي يِعمِل كده ما بيكونش بيفكّر… البِنت واضح إنها كانت مخططة من بدري. ومش معقول تكون سابت البيت كده لو ما كانش في حاجة مش مظبوطة."
سعود جلس على طرف الكنبة بقوة، يمسح وجهه بقهر، صوته مبحوح:
"قسم بالله… لو وين راحت… لأجيبها. وأعرفها قيمة البيوت اللي تربّت فيها. ولاغسل عارها بيدي "
نظرت له أم زياد، وخطوة صغيرة تراجعت لورا…
كانت شايفة النار تولّع أكثر، وعايشة بنصها…
بس بنفس الوقت، كلامها زاد الجمر جمرتين.