الفصل السابع والعشرون
" the writer Aridj "
.
.
.
يا راحِلًا عنّي وقلبي في هواكَ تَعلَّقا
ما زالَ صوتُكَ كلّما مرَّ النسيمُ تَرَنُّقا
يمضي الغيابُ، وتَبقى من خطاكَ رقيقةٌ
تُغني الليالي كلّما فاضَ الحنينُ تَوَسُّقا
يا ليتَ وردَ العمرِ بعد فراقِكَ العاصي
يُزهو، فتُزهِرُ في المدى أنفاسُنا تَعَلُّقا
قد كنتَ لحنًا في فؤادي، حينَ غبتَ تكسّرتْ
أوتارُ شوقي، ثم قامت للهوى تَخَفُّقا
فإذا ذكرتُكَ أقبلَ الشِّعرُ احتراقًا في شفاهي
والشمسُ تُنشدُ: كيف لي نسيانُ عينيكَ إذ بَرقا؟
ولربّما مرَّ الرجاءُ على السَّماءِ مُخاتِلًا
فأضاءَ حلمي ثم عادَ بخافقي مُتَـعَلِّقا
يا من رحلتَ، وما رحلتَ… فكلُّ نبضي همسةٌ
تُبقي هوانا في دمي يهفو إليكَ ويَنْطِقا
ومع محاولات منھكة لا تكاد تفضي إلى شيء تصارع بھا الملل الذي ينھش أطراف صبرھا . جلست أمام ما تراكم من كتبٍ ومراجع، تقلب الصفحات بيدٍ متعبة وعقل أرھقھ التفكير ، فلا معلومة تتشبث بذاكرتها، ولا خيطٌ يفتح بابًا لبحث تَخَرُّجِھا الذي يبدو وكأن الأيام تتدافع مسرعة ليحل ذاك اليوم .زفرت أنفاسًا مثقلة، ثم أغلقت الكتب دفعةً واحدة، كأنها تعلن انتھاء المعركة بالخسارة لصالحھا . نهضت وبيدها هاتفها، تتلمّس دربًا يخرجها من دوامة التفكير، واتجهت نحو الطابق السفلي، تبحث عن شيء يهدّئ ضوضاء الجوع التي أخذت تُغرّد في أحشائها كعصافير ضائعة.
في المطبخ، الذي يستيقظ على رائحة الهدوء، فتحت الثلّاجة وأخرجت ما يلزم لتصنع شطيرتها . رتّبت مكوناتها بهدوءٍ يتقاطع فيه الإرهاق مع الرغبة في الهروب، وحين فرغت أعادت كل شيء إلى موضعھ كأنها تعيد النظام إلى فوضى يومها.
جلست تتناول شطيرتها في سكينةٍ ناعمة، ينسُجُها السكون بخيوطٍ دقيقة، كأنّ العالم خارج حدود المطبخ قد تجمّد.وما إن استدارت، حتى فوجئت بوالدتها تراقبها ... نظرة طويلة لا تُفصح، تحمل من الحنان بقدر ما تحمل من العتاب الهادئ. حدّقت فيها برهةً، ثم حاولت أن تلتقط من صمت العينين ما عجز اللسان عن قوله. ابتسمت في النهاية وقالت ما يشبه الاعتذار وما يشبه الطمأنينة… وإن لم تنطق به شفتاها.
كانت أجواء الاختبارات مشتعلةً بحماسة لا تهدأ، وكأن الهواء نفسه يلهث من سرعة التوتر. بذلوا كل ما في وسعهم خلال الساعات الماضية، ولم يتبقَّ إلا الاختبار البدني ليُسدل هذا اليوم المتعب ستاره الأخير.
وبصفرةِ إنذارٍ واحدة، تجمّع المتقدّمون كتيارٍ بشريٍّ متماسك، بينما كان المشرف يشق الطريق بينهم بثبات رجلٍ اختبر الصعاب حتى صارت جزءًا من ملامحه. كان محنّكًا، ذا بنيةٍ رياضية متينة، ينحدر شعره الأسود على جبهته مع كل هبّة ريح، وتلمع في عينيه تلك النظرة الداكنة الحادّة التي تُشعر المرء أن وجودھ تحتها امتحانٌ بحد ذاته.
اصطفّ الآلاف في خطوط مستقيمة، ومن بينهم كانت أماني، وخالد، ورعد.مرّ المشرف على سير الإختبار بين الصفوف ببطءٍ محسوب، ونظراته تسري فيهم كتيارٍ كهربائي قادر على جعل جدران الجسد ترتعش في لحظة مصدرة صدى العجز المكتوم. تلك النظرات لم تكن مجرّد تفحّص… بل سھام خوف تُربِك النفس، وتُربّيها في الوقت ذاته.قادتھ أقدامھ رعد ليتوقف أمامھ .وقف الأخير بشموخه المعتاد، ثابتًا كمن يعرف قدرھ ولا يغترّ به. رجل في عمر الشباب، لكن اتزانه يُشي بأن الحياة مرّت به بما يكفي لتترك أثرها عليھ .رمقه المشرف بنظرة تبدأ من أسفل قدميه وتصعد ببطءٍ نحو رأسه، نظرةٍ تُحاول أن تقتلع نقاط ضعفه من جذورها. حاول استفزازه، تمامًا كما تقتضي هذه الاختبارات الصارمة؛ فهي ليست لإهانتهم، بل لغرس القدرة على ضبط الغضب… لأنهم، في نهاية المطاف، رجالٌ يحملون سلاحًا، وأي كلمةٍ قد تستفز الكرامة في ظرفٍ خاطئ، قد تفتح بابًا لا عودة منه.
اقترب المشرف من رعد، وقال ببرودٍ لاذع ونبرةٍ تُخفي التحدي بين حروفھا/ لو أدري انو أشكال زيك راح يختبرون كان رفضتكم من الأول .
تجمّدت الكلمات لحظةً في الهواء.استغرب رعد واشتعل في داخله شيءٌ يشبه الغضب، لكنه كان أثقل وأعمق .تجاھلھ ... كأن لا صوت اخترق مسامعه. لن يسمح لكلمة عابرة أن تهدم حلمًا ظلّ يعيد بناءه عامًا بعد عام… حلمه بأن يصبح عميلًا فدراليًا.
اختار الصمت؛ احترامًا لسنّ المشرف، وحرصًا على ألا يخسر فرصته الذهبية بسبب لحظة انفعال .ابتعد المشرف بخطوات واثقة، تحمل وعدًا خفيًّا بأن القادمٌ أشدّ .تدريبٌ أم تعذيب؟ لا فرق… فلا أحدى يدري ....
في الجهة الأخرى، كان خالد يراقب أماني منذ بداية الاختبارات. لم تغب عن مرمى بصره لحظة واحدة، وكأنها شيءٌ ثمين يخاف عليه من ضياعٍ محتمل. حاول كثيرًا أن يتجاهلها، أن يخفي اهتمامه، لكن القلب أحيانًا يعصى صاحبه، ويميل حيث يريد لا حيث يُملى عليه.
وفجأة، دوّى صوت المشرف في أذن الجميع ،صرخةً حادة تشق الهواء / القائد سلطان العيد. بقولها مرّة وحدة… أنا المشرِف على الاختبار البدني، وأي حركة برا نظام الاختبار ترى صاحبها ينشال برّا على طول.استعدااااااد .
انتفض الجميع متجھين نحو مضمار السباق في جوٍ يعزف على أوتارھم سنفونية عنوانھا "حماسٌ متوترٌ".....