الفصل الثالث
~• رسالة لِمن فقدنا.. نحن لم ننسكم لا تزالون تسكنون الذاكرة لزمنٍ طويل.. فمن غاب عن العين بقى في القلب ساكناً.. نحن حقاً نشتاقُ لكم نتمنى لو أن تعودواْ لو أن تُعاد بعض الذكريات الجميلة، تلك التي كُنا بها أطفال أقصى أحلامنا قطعةٌ من الحلوى، وأكبر همِنا عدم الحصول عليها وأكثر ما يُبكينا عدم تلبيةَ طلبنا.. نحن اليوم لم نعد أولئك الأطفال، أصبحت لدينا هموم فوق طاقتنا وأحزانٌ تسكُننا، بات الحصول على ما نريد أمر اشبه بالمستحيل، والسعي لها مُتعب، وبِتنا نبكي على ألآف الجِراح ولم نعد أولئك الذين كنتم ترون دموعهم وتسمعون صُراخهم.. بِتنا ننزوي بأنفُسنا بالخلا كي نُخرج مافي قلوبِنا من حزن، ونتظاهر بالقوة أمام الجميع.. بِتنا نُجيد الإدعاء والنفاق ولكن على من؟.. على أنفسنا.. فحتى إن صدقنا ليس هناك من يهتم ومن سيُزيل عنا أثقالاً حمّلتنا إياها السنين والحياة.. نحن حقاً نفتقدكم يا من كان حُضنكم أمان وقُربُكم دِفئ، وجودكم سدٌ منيع، نحنُ اليوم نواجه هذا العالم لوحدنا نحن حقاً نشتاق إليكم لكن الشوق لا يُعيد من فقدنا.. لذا ستُعيدكم الذكريات التي عشناها وتخلدكم... •~
.......
تجلس على كُرسي متحرك مقابلة للمحققين سعد وخالد وتمسح دموعها التي فرت منها رغماً عنها لما حل بإبنها الذي لم يتجاوز العقد الثاني من عمره فقد كان لا يزال بعمر 28 فحسب..
تحدث خالد بهدوء فسعد لا يحب أن يُحقق مع النساء البته، كونهُن يبدأن بأنزال الدموع وهذا الشيء لا يعجبه ولا يستطيع التعامل والمواساة..
قائلاً:
"هل كان لدى السيد جواد اي أعداء أو أشخاص يُكِّنون له الضغينة والكره؟.. فشخص ناجح مثله لا بد ان يكون له من يحسدوه ويتمنون له الفشل وأيضاً التخلص منه.."
تحدثت والدة جواد وقد بان الحزن على صوتها:
"لا فأبني كان مُسالم جداً وطيب القلب.."
ثم أنهارت بالبكاء.. نظر سعد لكُلِ مكان وهو يحُكُ عُنُقهَ فهو حقاً لا يُحب رؤية أحداً يبكي، وخرج وقال لخالد وهو يمشي:
"عندما تكمل الحق بي."
اكتفى خالد بالصمت وهو لا يزال يضم أصابعه وينظر للأسفل ويعض على شفته السفلية ثم رفع رأسه وقال:
"انا حقاً لا اقصد أن أضغط عليك ولكن هل هناك أي صلة او علاقة كانت تجمع السيد جواد بالكاتِبة الشهيرة يسرى فيصل الفتاة المغربيه؟.."
مسحت والدة جواد الدموع وقالت:
"نعم كَانا صديقين تعرف عليها بفرنسا عندما كان ينهي دراسته الجامعية، وقد حدثني عنها كثير من المرات وقد كان معجب بها ويريد الزواج منها، لكن والده رفض أن يتزوج من غير بنات جنسيته فقد كان يريد أن يزوجه من إبنة عمه، ولكن بعدها توفى والده وكان قد حسم أمر طلب يد يسرى، لكن لا أعلم مالذي حدث وفشل كل شيء، حتى عندما عاد من فرنسا كان الحزن يحيط به وعيناه ذابلة وركز على العمل فحسب، طوال الوقت كان بالعمل ولا يُعطي نفسه حتى وقت للراحة، حتى أنه كان ينام بالمكتب ولم أعد أرى وجهه لأشهر، ولم يحدثني عن أي شيء، لذا إكتفيتُ بالصمت ولم أُحاول أن أساله عن أي شيء، وبعد فترة عاد لطبيعته لكن الحزن لم يختفي من عيناه.."
ثم تنهدت ومسحت دمعه فرت من عينها وأكملت..:
"البارحة كان سعيداً جداً ولم تُفارق الإبتسامة شفتاه، وقد عرفت أن كُل هذهِ السعاده كونه سيرى يُسرى، لا أعلم لِما تركها إن كان يُكِن لها كل هذا الحب لكن فرحته لم تكتمل."
وإنهارت بالبكاء مجدداً..
تنهد خالد بحزن فقد أشفق حقاً على هذهِ المرأة التي فقدت زوجها منذُ أربعة أعوام والان فقدت إبنها الوحيد، حقاً أن الحياة ليست عادلة مع أحد، فرغم كل هذهِ الرفاهية والمال الا أن أصحاب هذا البيت فقدو شيء كبير.. وهو السعاده، يقولون أن المال يُجلب كل شيء، لكن لم يستطع أن يُجلب لهذهِ العائلة السعادة، فهذهِ السيدة رغم كل المال الذي يُحيط بها والرفاهية التي تعيش بها إلا أن الحزن بات يسكن عيناها.. فلن يُعيد لها المال من فقدت، وستبقى وحيدة بدون أحد حقاً أنه مؤسف حالها...لم يستطع خالد أن يُكمل التحقيق معها أكثر فعلا مايبدو انها قد فقدت كل طاقتها ونهض من مكانه ساحِباً سترته للأمام وكأنه يُعيد هندمة ثيابه وقال بهدوء ولباقة:
"أنا حقاً أعتذر على إزعاجكِ سيدتي ولكنها الإجرائات أستسمِحُكي عُذراً."
أكتفت والدة جواد بهز رأسها ابتسم خالد بصمت ثم رحل وقد كان سعد ينتظره بجانب السيارة حيث أنه ساند بجسده عليها ويُدخِن التبغ وينظر للفراغ دون هدف..
ركب خالد السياره بصمت دون أن يقول شيء.. رما سعد لفافة التبغ وداس عليها ولحق به.. لم يتحدث الإثنان طوال الطريق وعندما وصلا للمكتب تنهد خالد وأعاد رأسه للوراء وقال بتعب:
"لا شيء يثير الريبة في حديث والدته كل شيء كان طبيعي ولم أستطع أن أنهي معها التحقيق من أجل حالتها الصحية وبسبب أنها انهارت بشدة، حقاً أسفني حالها يالها من مسكينة، هذهِ الحياة ليست عادلة مع أحد الحمدلله على كل حال.."
ثم عاد برأسه للامام وقال بجديه:
"هيا بنا لا يزال هناك كثير من العمل.."
أنهى كلامه مع خروجه من السيارة، تبعه سعد نحو المكتب كي يُعيدو دراسة كل شيء، وقد طلب سعد مسبقاً من أحد أفراد الشرطة أن يجمع له جميع الملفات الخاصة بالقتلى السابِقين مع جميع المعلومات التي حصلت عليها الشرطة..
.
.
.. بين الخيال والواقع خيط رفيع يُسمى الشعور..
.
.
كان كُلاً من سعد وخالد مُصباً كل تركزهما على الملفات الموجودة امامهم.. وضع خالد الملف الذي بيده وهو يضع إحدى يداه على رأسه ويضغط عليه، فقد بدأ يؤلمه من كثر التركيز لساعات طويلة.. أما سعد فأستمر بالبحث بالملفات وإعادتها المرة تلوّى الأخرى وهو يعيد نظارته للوراء بين الحين والاخر كعادة أعتاد عليها.. أخذ خالد الهاتف وطلب لهم القهوة كي تنشط من تركيزهم ثم نظر لسعد وقال:
"هل وجدت شيء؟.."
سعد وهو لايزال مصب كل اهتمامه بالملف الذي بيده:
"لا، ليس بعد ولكني لاحظت شيء غريب.."
قال كلامه هذا ووضع الملف جانباً..
ركز خالد معه بكامل حواسه، أكمل سعد قائلاً:
"جميع القتلى السابقين إختلفت طريقة قتلهم فمنهم من مات بالاختناق مثل آدم حازم.. الشاب البالغ من العمر 18عام الطالب الجامعي.. عُثر عليه وهو مشنوق في سكن الطلاب وكُتب بجانبه الرقم ثمانيه وعشرين، لم يشك أحد وقتها انه تعرض للقتل وظنو انه قد قام بالانتحار، كونهم لم يجدو أي شيء يثير الريبة، بعدها أتت قضية الآنسة بشرى مالك.. البالغه من العمر 25عام وهي تعمل كممرضة بمشفى المدينة وتم العثور على جثتها وسط المصعد الذي تم العبث به وتعطيله.. وكان سيقرر على أنه حادث لكن الشرطة وجدت نفس الرقم ثمانيه وعشرين من ما أعاد فتح قضية آدم حازم.. التي كانت قد أغلقت على أنه إنتحار بسبب تكرار نفس الرقم، ولكن الشرطة لم تستطع أن تعثر على شيء يدلهم على هوية الفاعل، وظنو انها قد كتبته هي، وأغلقت القضية على انها حادث بسبب عُطل في المصعد، وهي أيضاً ماتت بسبب الاختناق.. ولكن بعدها أتت جريمة السيده تالا البالغة من العمر 50عام.. التي تم العثور عليها وهي مقطعة لأشلاء بطريقة وحشية أبشع من طريقة قتل السيد جواد، وتم العثور على الرقم ثمانية وعشرين أيضاً بجانبها على لوح خشبي مكتوب بدمها بعكس آدم وبشرى الذين كتب الرقم بالحِبر الأسود على حائط غرفة ادم وعلى المصعد الذي توفت به بشرى، لكن هذا ليس بالأمر المهم كونه من الواضح انه يكتب بدم الذين يقتلهم هو بنفسه بدل إستعمال أساليب أخرى للقتل، بعدها تم التأكد أن آدم لم ينتحر وبشرى لم تمت بحادث وفتحت القضيتان مع هاذهِ القضية أيضاً، ثم بعدها عثر على جثة الطفل ثامر الذي يبلغ من العمر 12عام وهو محروق بالكامل وبجانبه الرقم ثمانية وعشرين، من ما أشعل القضية عبر مواقع التواصل لفضاعتها وتم نشر الخبر على العالم كله من ما زاد الضغط على الشرطة التي لم تستطع أن تعثر على شيء يدلها على هوية هذا السفاح المجهول، وقامت بتوكيلنا بهذهِ القضية التي تبدو مستحيلة الحل، والان تم قتل السيد جواد.. جميع طرق القتل مختلفة، ولا يوجد بها اي دليل حتى، سوى الرقم ثمانية وعشرين الذي يتعمد القاتل كتابته ولا أحد يعلم ماذا يقصد به، وأيضاً لا توجد اي صلة بين القتلى البتة، ولو حتى بعيدة، وكما أجرت التحقيقات لم يتم العثور على اي شيء يجمع القتلى معاً، فلم يسبق لأي منهم إن قابل الآخر، لكن يوجد بينهم شيء واحد مشترك.."
وقبل أن يكمل سعد حديثه طرق الباب من ماجعله يصمت.. دخل الشرطي الذي طلب منه خالد إحضار القهوة بعد إن أذن له بالدخول ووضعها على الطاولة، شكره خالد وبعدها ذهب..
ــــــــــــــــــــــــــــــ