الفصل الثاني
كانا ينظران إلى التلفاز حيث تحدثت المذيعةُ قائلةً:
"لقد تم اليوم العثور على السيد جواد حسين، مالك دار النشر الدولي للكتب والروايات، في المعرض الذي أقامه من أجل تكريم الكتّاب، وترجّح المصادر أنه تم إستهدافه من قبل السفّاح المجهول الذي لم تستطع الشرطة القبض عليه إلى الآن، ولا يزال يرتكب جرائمه بأبشع الطرق الوحشية، بسبب أنهم وجدوا الرقم 28 وبجانبه رقم 5، حيث إنه يصرّح بهذا أنها الجريمة الخامسة له، ولكن ما السرُّ وراء الرقم ثمانيةٍ وعشرين؟ وماذا يقصد به؟ وهل هو يقتل من أجل التسلية؟ أم هناك سببٌ آخر لا أحد يعلمه؟.."
أغلق التلفاز ولكم الجدار بقهر وقال:
"مثل كل مرة ونفس الرقم… إلهي أكاد أجنّ.."
تكلم الآخر وهو يجلس بجانبه:
"لا أعلم لِمَ أنت مُصِرٌّ على أنها توجد رابطة بين القتلى السابقين وهذه الجريمة رغم أنه لا علاقة لأحد بالآخر."
إلتفت إليه وقال وهو ينظر له وقد كتّف يداه:
"وماذا تفسّر سبب كتابة رقم 28 يا سيد سعد؟"
نطق إسمه بشكل ساخر ثم أكمل قائلاً:
"وكل مرة بجانبه رقم مختلف، حيث إنه يصرّح بعدد الذين قتلهم بكل فخر، ونحن لا نستطيع أن نفعل له شيئًا. هو لا يقتل بعشوائية… أنا موقنٌ من هذا، هناك سرّ أو خيطٌ بسيط نحن لا نراه."
سعد بعدم إكتراث وهو يشرب من كأس الخمر الموجود أمامه:
"بجديةٍ أنا لست مهتمًّا، ربما يفعله لأجل التسلية، أو أنه يقصد بهذا أنه سيقتل ثمانيةً وعشرين شخصًا، وكل مرة يضع رقمًا بجانب الرقم ثمانيةٍ وعشرين يقصد به أنه اقترب من هدفه."
أمسكه من كتفه وهو يبتسم:
"نعم، كيف لم أفكر بهذا؟ أنت حقًا عبقري.. "
ثم أكمل بأستهزاء:
"لم أكن أعلم… الجميع يعلم يا ذكي أنه يريد أن يقتل 28 شخصًا."
وسحب الكأس من يده وقال:
"توقف عن تناول هذا السم الذي أذهب عقلك."
ورماه بعيدًا، نظر سعد للكأس المحطم وقال بغضب:
"لا شأن لك بي. أنا حرّ أفعل ما أريد، لستَ والدتي لذا لا تتدخل بما لا يعنيك يا خالد، كونك سترى مني ما لا يسرك."
أمسك به خالد من ياقة عنقه:
"تريد مني أن أتركك تتناول هذا السم وتدمر نفسك؟ دعنا من صحتك… ماذا عن دينك؟ ألا تخاف الله؟ ألا تخشى عقابه؟؟!"
سعد بضيق:
"خالد، لا أريد أن أفتح هذا النقاش مرةً أخرى، كوني لا أريد أن أتعارك معك كما المرة السابقة. هي ليست إلا حياة… اليوم فوق التراب وغدًا تحته. لذا لا يهمّ."
خالد بحزن على حال صديقه:
"قلتها بنفسك… اليوم فوقها وغدًا تحتها… اليوم دنيا يا سعد وغدًا نار. "
سعد بضيق:
"هذا يكفي يا خالد… أنا لا أستحق أن أفكر بالجنة حتى، شخص رائع مثلك لا يجب أن يكون معي. أنا مسخ شيطان… أسوأ شخص قد تعرفه، إبتعد عني فحسب واهتم بحياتك ومستقبلك."
لمعت الدموع في عيني خالد وقال بصوت مخنوق:
"جنةٌ ليس بها سعد لا أريدها… نارٌ بها سعد أفضلها…"
نظر إليه سعد بصدمة، فهو لا يصدق أن خالد يحبه لهذه الدرجة… هو حقًا لا يستحق هذا الحب كله… قال سعد مغيرًا للجو وهو يخرج هاتفه من جيب سترته ويضحك بحقارة:
"يا سلام! خالد يريد أن يبكي… لحظة لا تُفوت، دعني أصوّرك كتذكار هههههه…"
أراد خالد أن يسحب منه الهاتف لكنه أخذه وهرب، فلحق به وهو يقول:
"أنا لم أبكِ يا أحمق، توقف عن الضحك، حقًا إنك وغد وحقير.. "
سعد وهو يرفع حاجبه لإغاظته ويقول باستفزاز:
"بلا… بكيت."
إنقض خالد عليه يضربه بقهر كونه إستفزه حقاً، وهو يضحك ويقول:
"خالد يبكي. "
وخالد يزداد غيظًا ويضربه…
توقف الاثنان عن العراك بعد أن رن هاتف خالد.
أجاب خالد وقال في آخر حديثه:
"حسنًا أنا قادم…"
ثم أغلق الهاتف ووجه حديثه لسعد قائلاً:
"هيا بنا، يريدوننا بمكتب التحقيقات. "
نهض سعد من على الأريكة بثقل وقال:
"هذا العمل لا ينتهي… أفكر أن أقدم استقالتي وأرتاح. "
خالد بسخرية:
"وتعِيش على التراب؟ حقًا إنك أحمق… تعال فحسب."
.
.
.
فتحت عيناها ببطء وهي تنظر للغرفة البيضاء باستغراب، وضعت يدها على رأسها، لكن سرعان ما عادت أحداث الأمس لذاكرتها، ونهضت بسرعة من على السرير، وبدأت بالمشي بترنح نحو الباب.
لكن قبل أن تصل وتفتحه، فُتح…
هرع الشخص الذي فتح الباب إليها وقال بقلق وهو يمسك بجسدها الذي بالكاد يحملها:
"ما الذي تفعلينه؟ عودي إلى السرير، أنت لا تزالين متعبة…"
يسرى والدموع تتلألأ في عينيها بصوت مخنوق:
"أرجوك يا مجد، خذني إليه… أرجوك.."
وانهارت بالبكاء.. …
ضمّها مجد وهو يربت على شعرها ويهدئها كطفل…
هدأ جسد يسرى واسترخى، فعرف مجد أنها فقدت الوعي، حملها ووضعها على السرير، ومسح على رأسها بحنان…
.
… الحب لعنةٌ لا بد أن تُصيب الجميع. لا أحد يؤمن به رغم أنه موجود، نخشى الوقوع به كوننا نخاف على قلوبنا من الخذلان، نعشق الكذب على أنفسنا بأننا لا نحب كي نحافظ على شيء يُدعى الكبرياء…
.
جلس على طاولة المكتب يقلب الملف الذي أمامه ويعيد التسجيلات التي تظهر السيد جواد وهو ميت، ولا تُظهر من الذي قتله، فقد قام بتعطيل الكاميرات، مما صعّب الأمر وزاد الطين بلة…
وسعد يجلس على كرسي مقابله يُدخن التبغ وهو شارد الذهن بين مدينة أفكاره التي يتمنى لو يرحل عنها للأبد…
"لكل منا مدينة تملؤها الأفكار، لكن هناك بعض المدن تملؤها الوحشة… ورغم أنها سيئة… منا من يعشق بها الألم… ومنا من لا يستطيع الهروب… ومنا من لا يمتلك حق النسيان حتى… أمّا عشاق الألم فهم من يظنون أنهم يستحقون ما حدث لهم ولا يحقّ لهم أن يحلموا… فقد فقدوا الأمل وباتوا يعشقون تعذيب أنفسهم… يرون أن هذه هي الطريقة المثلى للاستمرار، ورغم أنهم محطّمون من الداخل، هم لا يحبون الألم، لكنهم آمنوا أنه واقعهم، وأنهم يستحقون ما يحدث لهم… وباتوا يعشقون شعور الألم ليس من الحب بل من الكسرة. ويظنون أنهم بهذه الطريقة يتعايشون معه. ومن يخافونه يخشون مواجهة أنفسهم على حقيقتها، فيخسرون حتى حق التعبير… ودائمًا ما يميلون للوحدة والانطواء، وحتى إن اجتمعوا بالناس تظهر عليهم رجفة بسيطة وارتباك في الصوت وإفراط بالكلام كي يبدوا أنهم يسيطرون على الوضع، مما يزيد الطين بلة ويدمر نفسيتهم، ويزيد خوفهم من التجمعات أكثر… ومن أن يكونوا أنفسهم… يظنون أن أفكارهم جنونية وفوضوية، وأن العالم لن يتقبلهم، وسيكونون كما النكرة في مجتمع يجيد ادعاء المثالية…
أما من يتمنون النسيان، فهؤلاء يخشون الوحدة والخلو بأنفسهم… يخافون أن ينزووا وحدهم، أن لا يكون بجانبهم أحد، أن يواجهوا أنفسهم على حقيقتها، أن يتذكروا الماضي… يخشون الوحدة بشكل كبير… لذا دائمًا ما تراهم يضحكون، يتظاهرون بأنهم بخير… هؤلاء لا يميلون للسهر لأنهم لا يستطيعون حتى تحمل التفكير إن خلوا بأنفسهم… وبزحمة أفكارهم… فيهربون للنوم خوفًا من التفكير… وتجدهم يملؤون المواقع ليسِدّوا فراغ الوحدة…"
وضع الملف وأنزل الحاسوب من حضنه ووضعه جانبًا وهو يضع يديه على رأسه، ثم مال بهما على طاولة المكتب كي يسنّدهما، وعاد بظهره للخلف ونظر لسقف الغرفة وقال:
"لم أجد ما يثير الريبة في ملف السيد جواد… كل شيء طبيعي، وحياته عادية كأي شخص. ولا يوجد بينه أي صلة هو والقتلى السابقين. يكاد رأسي أن ينفجر… لم أعد أفهم شيئًا… حتى بالكاميرات لا يوجد شيء، سوى أنه قبل أن يُقتل تحدث مع الكاتبة يسرى، وقد كانت آخر من قابله، ومما وجدنا في سجله وسجلها، أنهما تعرفا على بعض في فرنسا، فقد كانا زميليّ دراسة، وعلى ما يبدو أنهما كانا صديقين…"
خرج سعد من شروده ونظر نحو خالد الذي لا ينظر له ولا يزال على وضعه، عيناه للسقف وجسده مائل للوراء.
قال بهدوء وقد وضع لفافة التبغ جانبًا:
"لا تجهد نفسك بالتفكير… وأيضًا لا يزال لدينا الكثير من العمل لكي نقوم به."
ونهض من على الكرسي آخذًا سترته ذات اللون البني من الجلد…
نهض خالد من على الطاولة ولحق بسعد وقال وهو يمشي وراءه في الممر:
"سنذهب للمشفى للتحقيق مع الكاتبة يسرى أولًا… أو لمنزل المجني عليه كي نحقق مع أهله؟.. "
أجابه سعد وهو يمشي بخطى سريعة:
"الكاتبة ليست بحالة صحية جيدة، لذا سنذهب لعائلته أولًا. وأيضًا سنجري بعض التحقيقات مع أصدقائه ومن يعرفه، ولكن سنستدعيهم إلى هنا، ولكن حالة والدته الصحية لا تسمح لها بالقدوم… سنذهب نحن…"
ثم تنهد وأكمل قائلاً:
"على ما يبدو أنه سيكون يومًا متعبًا جدًا… لا أعلم لماذا اختارونا نحن بالتحديد لهذه القضية المعقدة."
خالد وقد أصبح بجانبه بعدما كان خلفه:
"نحن لها، أنا متأكد أننا سوف نقوم بحل هذه القضية مهما كانت صعبة بإذن الله…"
لم يجب سعد وإكتفى بالصمت.
خرج الاثنان من مكتب التحقيقات وركبا السيارة الخاصة بخالد، وتولى القيادة سعد، حيث أن المفاتيح لا تزال معه من الأمس، فقد استعارها منه…
في الطريق شغل سعد الراديو كي يستمع للموسيقى الأجنبية فهو من عشاقها…
أما خالد فقد كان مصبّ كل اهتمامه على القضية… وماذا يقصد هذا السفاح بما يفعل…
كل شيء يدل على أنه يقتل بلا هدف، كونه لا توجد أي صلة بين جميع المغتالين، ولكن سرعان ما يظهر الرقم ثمانية وعشرين، مغيرًا لكل شيء، جاعلًا الأمر يبدو مدروسًا… وكأن القاتل لا يقتل من أجل التسلية…
يكاد عقله ينفجر… هو حقًا يحاول أن يفكر بطريقة السفاح، ويخرج من عقليته هو، لكنه يصل لطريق مسدود.
وهناك أيضًا نظرية أخرى… بأن يكون قاتل السيد جواد ليس هو نفسه الذي قام بقتل الآخرين، وقام بوضع الرقم ثمانية وعشرين كي يرمي التهمة على السفاح المجهول…
---
ــــــــــــــــــــــــــــــ