الفصل الأول
~•مُنذُ إن كُنتُ صغيرةٍ تساءلتُ: ماذا لو إستطعتُ أن أعيشَ حياةَ غيري وأرى كيف تجري؟! فقد كان لديَّ فضولٌ حول حياةِ كلِّ إنسان، وإلى اليوم لا يزالُ هذا الفضول موجودًا، ظللتُ أراقبُ المارّةَ من شرفةِ غرفتي وأنا أفكّر.. "ماذا لو كُنتُ أستطيعُ أن أعلم ما يَعيشون؟ وهل لهم مشاكلُ أم أن حياتهم هادئةٌ أو سعيدة؟" تساءلتُ: "هل الفرحُ الذي يُظهرونه حقيقي؟ وهل الحزنُ حقيقيٌّ أم أنها مجردُ تعبيراتٍ تظهر على وجوههم لا معنى لها؟" أذكرُ أنني في أحد الأيام سألتُ نفسي:" هل هناك شيءٌ يستحق أن أحزنَ لأجله؟ ولِمَ أساسًا أبكي؟ وهل هناك شيءٌ يستحق الفرحَ من أجله؟ ولِمَ أساسًا أضحك؟" ولكنني لم أجد تفسيرًا لها، فأنا لا أستطيع التحكمَ بمشاعري، لكن ماذا لو كان بمقدوري التحكم بها؟ هل كنتُ سأفرحُ أم سأحزن؟ ولو كان هناك حزنٌ فحسب، هل سنعلم أنه حزن؟ ولو كان هناك فرحٌ فحسب، هل سنعلم أنه فرح؟ على ما يبدو أن الحياة مليئةٌ بالألغاز… وكل إجابةٍ يتلوها آلافُ الأسئلة."•~
.
.
.
دون أن تُعير أحدًا إهتمام، كانت تمشي وكأنها تقول "هذه الأرض لي، وأنا مَن يستحق أن يمشي عليها." إلتفتت لها أنظارُ الجميع وهي تصعد إلى المنصّة كي تحصدَ ثمارَ مجهودها الذي جاهدت لينمو منذ سنين، واليوم تُكرّمُ بهذه المناسبة فيعلو منصبها أكثر، وتُتوَّج بكلماتِ التهنئة والمديح الذي يُرضي غرورها ويزيد من فخرها بذاتها، تُمسكُ بوسام الشرف وإبتسامةُ فخرٍ رزينةٍ واثقةٌ تُشرقُ بها ملامحها لتزداد بذلك ثقةً وشموخًا. لوهلةٍ لمعت عيناها ببريقِ الحزن، ذاك الذي يختبئ خلف تلك الثقة العظيمة… عندما التقت عيناها بعيناه، توقف الزمن كما لو أنه لم يبقَ سواهما على تلك المنصة.
ولكنها استعادَت رِباطَ جأشها ونظرتْ له ببرود، ثم صافحتهُ وأولتْه ظهرها وعادت من حيث أتت، تمشي بكلِّ كبرياء دون أن تُظهر على ملامحها أي إرتباك. أما ذاك الواقف.. فبقيت نظراتُه معلّقةً بها، تتبعها بين الشوق والحنين، آلافُ المشاعر التي لم تُصرّح بها الألسنة فنطقت بها العيون، لتظهر سرًّا كان قد دُفن في الخفاء. عاد ليُكمل عمله بتكريم بقية الكُتّاب، لكن كل حاسةٍ منه بقيت معها، هي وحدها تلك التي أسرتهُ منذ زمن وأبقته أسيرَ عينيها اللوزيّتين ذاتِ اللون العسلي الذي يُشبهُ ببريقه ولمعته شمسَ الغروب.
جلستْ في مكانها المخصص وداخلها يتخبّطُ من الإرتباك، وهي تحاول أن تُخفي مشاعرها خلف قناعِ البرود الذي إرتدته منذ زمن، شعرتْ بقلبها يكاد ينفجر، وأن كل شيءٍ صامتٌ ما عدا صوتُ ضرباته، وكأنها أصبحت مسموعةً للجميع بوضوح، وبعد عشر دقائق من تكريم أفضل الكتّاب لهذا العام إجتمع المعجبون حول كُتّابهم ليطلبوا منهم التوقيع، وكلٌّ منهم يحملُ الرواية التي يريد من كاتبها أن يوقّعها.
إبتسمت بلطفٍ لتلك المراهقة التي أبدت إعجابها بها وبأسلوبها الكتابي، كانت تتكلم بحماسٍ وطريقةٍ محببةٍ تُجبرك على الضحك.
قالت يُسرى بلطفٍ ظهر في نبرة صوتها الهادئ:
"ما إسمُكِ عزيزتي لأكتبه لكِ في التوقيع؟"
قالت المراهقةُ بحماسٍ ورجاء:
"أريد منكِ أن تكتبي لي إسمكِ أنتِ إذا سمحتِ."
ابتسمت يُسرى على حماس الفتاة وقالت:
"حسنًا، كما تشائين عزيزتي."
وقّعت لها وهي لا تزال تبتسم بلطفٍ وهدوء، كما لو أنها ليست تلك الفتاة التي كان يحيطها الغرور، شكرت الفتاةُ الكاتبةَ يُسرى بعد أن أبدت إعجابها بكتاباتها وبمدى روعة أسلوبها، احمرّت وجنتا يُسرى بلمعةِ الخجل وهي تستقبل هذا الكم من المديح، تحرك شيءٌ داخلها أشبهُ بشعور الفخر والاعتزاز بأنها وصلت إلى هذه المرحلة، كانت تظنُّ أنه مجرد حلم، لكن اليوم الحلم بات واقعًا تعيشه، ولا تكاد تصدّق أنه حقيقي..
رغم كل شيء تستطيع أن تقول إن هذا هو أجملُ يومٍ مرّ عليها، ظلّت تستقبلُ المعجبين واحدًا تلوَ الآخر، وإلتقطت معهم الصور، ولم تفارق الإبتسامة وجهها الدائري المحاط ببعض النمش مما يزيدها جمالًا فوق جمالها.
ولكن سرعان ما إختفت تلك الابتسامة عندما رأته يُراقبها وكأنه يخترقها بنظراته، حاولت أن تتظاهر بعدم الإهتمام وأن تتجاهل نظراته لكنها لم تستطع التركيز، ذهبت من المعرض نحو الحمامات النسائية كي تختفي عن مرأى عينيه، لكنه تبعها دون أن تدرك، كانت تمشي بسرعة، وشعرها الحريري شديدُ السواد يتحرك خلفها المربوط على شكل ذيلِ حصان، ورغم إرتباكها بقيت مشيتها واثقةً مليئةً بالرقّي والثبات، دخلت الحمّام وأغلقت الباب وراءها، وتنفست الصعداء وهي تضع يدها على صدرها، خلعت السترة الخاصة بالبدلة الرسمية ذات اللون الأبيض والأسود، حيث إن البنطال والسترة باللون الأسود والقميص باللون الأبيض، ثم وضعته جانبًا وغسلت وجهها، ثم نظرت في المرآة وقالت بتحدٍّ وكأنها تُشجّع نفسها:
"كلُّ شيءٍ قد انتهى… ما كان في الماضي دُفن فيه. أنتِ قوية. لا تُعيريه أي اهتمام. جواد صفحةٌ إنطوت من حياتي يستحيل أن أعيد فتحها"
ثم نشّفت وجهها من الماء، وأخذت سترتها ووضعته على كتفها وخرجت. وقبل أن تخطو خطوةً واحدة وجدت يدًا تُمسك معصمها. التفتت نحو الشخص الذي أمسك يدها… ولم يكن أحدًا سواه. همست باسمه بصوتٍ خفيض غير مسموع:
"جواد..!"
لكن سرعان ما تغيرت نظراتها من الدهشة والاستغراب الممزوج بالحنين، إلى الصلابة والقوة. سحبت يدها بقوة منه محررةً إياها، وأولتْه ظهرها معاودةً المسير، لكن صوته أوقفها وهو يقول بنبرةٍ طغى عليها الحزن:
"ليس لي ما يغفر لي عندكِ…"
التفتت له وقالت بابتسامةٍ للحظةٍ أفرحته، لكنها إختفت
وتلاشت إبتسامته عندما قالت بهدوءٍ لم يفارق ملامحها:
"المعذرةُ منك… سيدي، هل أنا أعرفك؟! على ما يبدو أنك قد أخطأتَ بيني وبين شخصٍ آخر. أستسمحك عذرًا، عليّ الذهاب… لديّ الكثير من العمل."
ورحلت بكل شموخ.
لكمَ جوادُ الجدارَ بكل غيظٍ وقال بنبرةٍ يملؤها الغيظ:
"تريد أن تَجلطني هذه الفتاة…"
ثم تنهد بحزن… وذهب في الاتجاه المعاكس الذي ذهبت منه يسرى.
وبينما هو يمشي رُميت كرةُ صوفٍ أمامه، أخذها ونظر للجانب الأيسر منه وذهب نحوه كي يرى ما هناك، وقبل أن يدرك، ظهر أمامه شخصٌ يرتدي الأسود بالكامل، غارسًا سكينه وسط بطنه، ثم نزَعها بقوة وقطع عنقه. سقط جواد غارقًا بدمائه ميتًا، بعد أن قام هذا الشخص بقتله، أخرج إبرةً من معطفه وشفط دمًا من ضحيته حتى امتلأت، ثم نهض بعد أن وضع إصبع يده المغطاة بالقفازات وكتب على الجدار:
"28/5"
ثم رحل… ولم يكن يظهر من جسمه شيء، حتى عيناه تغطيهما نظارة سوداء.. وإبتدأت مأساة تلك الابتسامات… من فرحٍ وتكريم، إلى دماءٍ وأحرفٍ متقطعة…
مرَّ أحدُ العمال الخاصين بالمعرض، فرأى جوادًا وهو ميتٌ أمامه بشكلٍ وحشي ومنظرٍ فظيع. صرخ بأعلى صوته وهرب من المكان مفزوعًا وهو يرتجف، وما هي إلا دقائق حتى علم الجميع بشأن الجثة، وانتشر الصخب بالمكان بين الحضور والخوف والقلق. تم تبليغ الإسعاف والشرطة من قِبل المسؤول عن الحفل التكريمي. وبسبب وجود الصحافة إنتشر الخبر بشكلٍ سريع.
إستغربت يُسرى من الهَرْج والمَرْج الذي ملأ المعرض، وسألت أحد العمال.
قالت يسرى ببعض القلق:
"ما الذي حدث؟ لماذا الجميع متوتر وخائف؟"
قال العامل بخوف:
"لقد تم العثور على السيد جواد… وهو مقتولٌ بشكل وحشي وفضيع."
نزل الخبر على يسرى كالصاعقة، وشعرت بأن الأرض تدور بها، وقدماها لم تعد تحمِلانها من هول ما سمعت. حاولت أن تُنكر… أرادت أن تقول:
"لا، هذا مستحيل.. "
أن تغضب على العامل، أن تصرخ… لكنها لم تستطع قول شيء، بدأت أنفاسُها تخفُّ، وجسدها يرتجف بشدة، وسقطت على ركبتيها في حالةِ عجزٍ كامل، ولم تشعر سوى بالدموع الحارّة تبلّل خدّيها وهي تتساقط دون توقف.
خاف العامل من حالتها وقال بقلق:
"هل أنتِ بخير سيدتي؟ انتظري لحظة… سأجلب لكِ بعض الماء."
وذهب كي يُحضر لها ماءً وهو يركض بسرعة.
حاولت يسرى أن تقف على قدميها وهي ترتجف، وجسدها قد شُلّ بالكامل، وبالكاد إستطاعت الوقوف كما لو أنها طفل بالكاد يستطيع المشي، تحركت نحو المجهول وهي تكذّب ما سمعته أذنها، وعندما وصلت إلى مكان الجريمة رأته… وقد كان الإسعاف قد وصل وأيضًا الشرطة، وأخذوه على نقالة، والكاميرات تُصوّر كل شيء، مرّ من أمامها، لم تُصدق ما رأت… وسقطت مغشيًا عليها…
---
ــــــــــــــــــــــــــــــ