ما وراء انقسام الزمكان - جبل يعانق السماء - بقلم راوي الاسرار | روايتك

اسم الرواية: ما وراء انقسام الزمكان
المؤلف / الكاتب: راوي الاسرار
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: جبل يعانق السماء

جبل يعانق السماء

انقسم الفريقُ مع حلول المساء إلى مجموعتين: مجموعةٌ توجّهت نحو الشاطئ لجلب الإمدادات التي أسقطتها الوحدةُ المركزية، بينما بقيتُ أنا مع البروفيسور غاربن وعددٍ من العلماء لإعداد مأوى مؤقّت يقينا بردَ الليل ورطوبته. كان الهواءُ في الجزيرة ثقيلاً، كأنّه يحمل سرًّا عتيقًا يتربّص بنا بين الأشجار الداكنة. تعاونّا على جمع الحطب من أطراف الغابة، وارتفع لهبُ النار بعد دقائق، يرقصُ في صمتٍ تامّ يُشعر المرءَ أنه مراقَب. قال إسحاق وهو يحدّق في الظلال الممتدة بين الجذوع: > "هذه الليلة ليست عادية… أشعر وكأنّ شيئًا في الغابة يتنفس معنا." لم يُجبه أحد. حتى غاربن نفسه ظل صامتًا، ينظر إلى اتجاه الجبال حيث تكمن تلك البوابة الضخمة التي التقطتها أجهزتنا خلال النهار. كانت الجبالُ في هذا الوقت مجرّد كتلة سوداء، لا يُرى منها سوى خطوط باهتة تعكس ضوء القمر. مع حلول منتصف الليل، عاد الفريقُ الذي ذهب لجلب الإمدادات. حملوا الصناديق الثقيلة ووضعوها قرب المأوى، ثم جلس الجميعُ حول النار لبرهةٍ قصيرة، منهكين من يومٍ طويل لم يتوقف فيه التوتر لحظة واحدة. وبعد ساعات من التعب والقلق، غلب النومُ أفرادَ البعثة واحدًا تلو الآخر… --- وفي ذلك الليل، حدث أمرٌ لم يتوقعه أحد. لقد رأى كل فردٍ منا الحلم ذاته، وكأنّ عقولنا اتّصلت بطريقةٍ غامضة: بوابةٌ عظيمة تقف خلف الجبال، ترتفع عشرات الأمتار، محفورة بصورٍ لكائنات لا تنتمي إلى جنسٍ واحد. عوالم متشابكة، كواكب غريبة، وطرقٌ من نورٍ تمتد إلى مالا نهاية… وكائناتٌ لا يمكن وصفها، تتجاوز في هيئتها ما اعتدناه، تفتح أعينًا مضيئة تراقبنا من وراء الفجوة. ثم ظهر صوتٌ مهيب، لا يُعرف إن كان همسًا أم صدى للفراغ ذاته: > "ما وراء الباب… ليس لكم. عودوا قبل أن تُفتح الطرق من جديد." استيقظنا جميعًا في اللحظة نفسها تقريبًا، نتنفس بصعوبة، والعرق يبلل وجوهنا. نظر كلٌّ منا إلى الآخر بدهشةٍ صامتة، قبل أن يقول البروفيسور غاربن بصوتٍ متهدّج: > "لقد رأيتم ما رأيته… أليس كذلك؟" لم يجب أحد، لكن النظرات كانت كافية. كانت تلك الليلة بداية شيءٍ أكبر بكثير ممّا توقّعناه. ومع انبثاق أول خيطٍ من الفجر، بدأت حرارة الرطوبة تتسلل بين أوراق الأشجار، فأيقظتني قبل الآخرين. كان النومُ ما يزال ثقيلاً في رأسي، لكن شيئًا في داخلي دفعني للنهوض، ربما أثرُ ذلك الحلم المريب الذي رأيناه جميعًا. قرّرتُ أن أستطلع الغابة من نقطةٍ أعلى، لعلّي أجد تفسيرًا أو أشعر بشيءٍ يبدّد ذلك القلق المتجذّر في صدري. تقدّمت بين الأشجار حتى وجدت شجرةً عملاقة، جذعُها يتّسع لخمسة رجال، وارتفاعها يضاهي صوامع المدن. أمسكت بأقرب غصن وبدأتُ التسلق. كلما ارتفعتُ، كان الضباب يخفّ، ويتّسع الأفق أمامي… وحين وصلتُ إلى أعلى نقطةٍ يمكن أن يتحمّلها الغصن، شهقتُ بصوتٍ لم أسمعه من نفسي من قبل. لقد رأيتُ مشهدًا مهيبًا لم يخطر لي على بال: مساحاتٌ لا تنتهي من الغابات المختلطة؛ أشجارٌ استوائية، وأخرى صنوبرية، وكأن عشرات المناخات تجمّعت في جزيرةٍ واحدة. بحيراتٌ صغيرة تتلألأ كالفضة بين الأشجار. سحبٌ منخفضة تلامس القمم الخضراء كأنّها ستسقط عليها. لكن عيناي لم تتوقفا عند هذا كله. كان هناك جبلٌ واحد… جبلٌ يعلو فوق كل شيء، شامخٌ كأنه نُحت من الليل ذاته. ارتفاعه كان يفوق ما يمكن لعقلي تصديقه، ربما أعلى من جبال الهملايا كما قلتُ لنفسي، بل كأنه يخرق السماء برأسه المدبّب. وفي تلك اللحظة، تذكّرتُ الحلم. تذكّرتُ البوابة العملاقة… الضوء… الظلال… والصوت الغامض الذي حذّرنا… وأيقنتُ، بكل ما أملك من حدسٍ ووعي، أن الجبل الذي رأيته أمامي الآن هو ذاته الجبل الذي ظهر في رؤيانا المشتركة. كان واقفًا بشموخٍ يليق بعملاقٍ حجريّ يحيط به الغموض من كل جانب. شعرتُ بقشعريرةٍ تسري في جسدي، ليس من الخوف فقط، بل من المعرفة اليقينية بأن ما ينتظرنا عند ذلك الجبل… ليس أمرًا عاديًا ولا اكتشافًا بسيطًا. إنه شيءٌ يتجاوز حدود العلم، وربما حدود البشر أنفسهم. نزلتُ من أعلى الشجرة بسرعةٍ كادت قدماي تعجزان عن مجاراتها. كانت الأغصان تضرب كتفيّ ووجهي، لكن عقلي كان مشغولًا بما رأيته حتى لم أشعر بشيء. وحين بلغت الأرض ركضتُ نحو المخيم، كأن الغابة كلها تطاردني. وصلت وأنا أتنفّس بصعوبة، قلبي يخفق كطبول الحرب، وملامحي مشدودة كأنني خرجت للتو من كابوس. اقترب البروفيسور غاربن مني، وضع يده على كتفي محاولًا تهدئتي وقال: > "اهدأ يا جيمس… ما بالك؟ ماذا حدث؟" لم أستطع الكلام مباشرة، التقطت أنفاسي بصعوبة، ثم قلت وأنا أشير بيدي المرتجفة نحو الشمال: > "جبل… جبل… لا— ليس جبلاً… بل عملاق!" ساد المخيم صمتٌ غريب. تبادل الجميع النظرات، وكأنهم ظنّوا أن الحرارة أو الإرهاق أثّرا على عقلي. لكن وجهي المرتبك كان كافيًا ليعلموا أنني لست أمزح. تقدّم ستيفن وقال: > "ماذا رأيت بالضبط؟" مسحتُ عرقي وقلت بصوتٍ أكثر وضوحًا، وإن بقيت نبرته مرتجفة: > "شجرة عالية… صعدتُها لأستطلع المنطقة… وهناك، فوق الضباب… رأيت جبلًا لا يشبه أي جبلٍ عرفناه. إنه أطول مما يتخيّله عقل، كأنه يلامس السماء نفسها… تمامًا كما رأيناه في الحلم!" هنا تغيّر وجه غاربن. اختفى الشكّ من عينيه، وحلّ محلّه مزيجٌ من الرهبة والترقّب. أما إسحاق فرديناند فابتلع ريقه وقال ببطء: > "إذن… الحلم لم يكن حلمًا فقط." نظرنا جميعًا إلى الجهة التي أشرت إليها، رغم أننا لم نرَ شيئًا من مكاننا، لكنّ الشعور الذي استقرّ في صدورنا كان واحدًا: ذلك الجبل… ينتظرنا.