الفصل 16 : المرأة التي جاءت بالحرب
كان الليل قد تراجع خطوةً أمام خيوط الفجر الأولى، حين بدأت معالم قبيلة الدهّام تظهر من بعيد. مشاعلُ مضاءة على أطراف الطرق، وأصواتُ حرسٍ يتبادلون النداء، وراياتٌ ملونة ترفرف فوق الأسوار العالية.
ميس… كانت لا تزال مستندةً على ظهر هتّان، غارقةً في نومٍ متقطّع أثقلته الصدمات والتعب والخوف. رأسها كان يميل على كتفه مع كل خطوة يخطوها، وأنفاسها هادئة لكنها متعبة، كأنها استسلمت لجسدها أخيرًا بعد طول مقاومة.
وفجأة…
شقّ سكون الفجر صوتُ الهتاف.
"عاد الزعيم!"
"هتّان… هتّان!"
تتالى الصوت من كل جهة، تعالت الأصوات، وامتد الهتاف كالنار في الهشيم داخل أزقة القبيلة وساحاتها. استيقظت ميس على وقع تلك الأصوات، فارتجف جسدها بخفة، وفتحت عينيها ببطء، مشوشة، كأنها تعود من عالمٍ آخر.
رفعت رأسها عن كتف هتّان بخفة، وراحت تمسح عينيها بكفّها، تحاول أن تستوعب المشهد.
الناس يخرجون من البيوت، رجالٌ ونساء، شيوخٌ وصبية، جميعهم يهتفون باسم زعيمهم الذي عاد من الطريق حيًّا، منتصرًا في نظرهم، سالمًا في أعينهم.
لكنهم… لا يعلمون شيئًا.
لا يعلمون أن المرأة التي عاد بها هتّان ليست "حكيمة" كما ظنّوا.
ولا يعلمون أنها ليست غريبةً عابرة.
بل هي ثريّا… ابنة ناصر بن آل المرجان، زعيم القبيلة المعادية.
ولا يعلمون أن عودتها معه لا تعني نجاة أسيرةٍ وايفاء بالدين فحسب، بل تعني زواجًا قادمًا، وخرقًا صارخًا لبنود الاتفاقية القديمة، وشرارةً قد تشعل حربًا لا يفكر بها الآن أحد… سوى عقلٍ واحدٍ فقط: عقل ابن ناصر.
ميس كانت تتابع الوجوه من حولها، عيون تلمع بالفرح، شفاه تهتف، قلوبٌ تحتفي بزعيمها، وهي وحدها تدرك أن هذا الفرح معلّق على خيطٍ هشّ، خيطٍ واحد قد ينقطع في أي لحظة.
ظلّ هتّان يسير ب "برق" ممسكًا بلجامه بثبات، وجهه متصلّب، عيناه إلى الأمام، لا يلتفت إلى الهتافات، وكأن داخله منفصل تمامًا عن هذا الضجيج.
ميس تشدّ بيديها على ظهر الحصان لتثبت جلستها، ولا تزال بقايا النوم معلّقة على ملامحها، بينما القلق بدأ يتسلل إلى صدرها من جديد.
شقّوا طريقهم بين الجموع، والفرسان خلفهم، حتى بدأت معالم القصر تظهر؛ ذلك البناء الضخم تتقدمه ساحة واسعة مضاءة بالمشاعل. هناك… حيث ستقال الحقيقة.
هناك… حيث ستُعلن الأخبار.
لا خبرًا واحدًا، بل أخبارًا ستقلب هدوء القبيلة رأسًا على عقب.
ميس أحسّت بثقل اللحظة قبل أن تأتي.
قلبها كان يخفق على نحوٍ غير منتظم، ونظرتها كانت معلقة ببوابة القصر الكبيرة التي تقترب منهم شيئًا فشيئًا.
أما هتّان، فكان يمضي في صمته، خطواته منتظمة، وملامحه توحي بأن قرارًا قد اتُّخذ، حتى وإن لم تُنطق كلماته بعد.
ولم يكن أحد من الواقفين في تلك الساحة يدرك…
أن هذه اللحظة، التي يراها الجميع عودة زعيمٍ منتصر، ليست سوى بداية لانهيار توازنٍ دام سنوات طويلة.
_______
انفرجت بوابة القصر الكبيرة ببطء، وخرج إخوة هتّان أولًا، تتبعهم والدته بخطواتٍ متسارعة ، وعيناها معلّقتان به منذ اللحظة الأولى.
ومن خلفهم… ظهرت زبيدة.
جدّته.
تمشي ببطء، ظهرها منتصب رغم السنين، ويدها تضغط بقوة على عكّازها الخشبي، وصوت ارتكازه على الأرض يُحدث وقعًا ثقيلًا في الساحة التي خيّم عليها الصمت فجأة.
توقّفت الهتافات.
وساد ترقّبٌ مشحون.
ترجّلت ميس عن ظهر الحصان ، ثم نزل هتّان بعدها مباشرة، ولحق بهم الفرسان واحدًا تلو الآخر، واصطفّوا في صفٍّ مستقيم، أكتافهم متجاورة، وسيوفهم لا تزال معلّقة على أوساطهم.
ظهر كبار رجال القبيلة من جوانب الساحة، بملامح حذرة متحفزة، يراقبون المشهد بصمتٍ ثقيل، يقرؤون ما بين السطور قبل أن تُنطق الكلمات فقد اجتمعوا منذ مغادرة هتان نحو المرجان بامر من زبيدة لمناقشة الوضع واتخاد اللازم .
اقتربت زبيدة من حفيدها خطوةً خطوة، وعيناها لا تفارقان وجهه.
وقبل أن تتكلم، ألقت نظرة سريعة على ميس، الواقفة إلى جانبه، تحاول أن تبدو متماسكة رغم الشحوب والتعب وآثار الأسر التي لا تخفى.
ورغم ذلك…
كانت ملامح المرجان التي تكرهها زبيدة واضحة فيها:
ذلك الجمال الصارخ، النقيّ بطريقته، الملطّخ هذه الليلة بالتراب والإنهاك.
رفعت زبيدة نظرها إلى عيني هتّان، وقالت بصوتٍ هادئ يخفي حدةً ثقيلة:
"إذن… في النهاية أحضرتها."
ابتلع هتّان ريقه، ولم يجب.
تابعت زبيدة، وهي لا تزال ترمقه بنظرات فاحصة:
"لم أكن أظن أن جلب رهينة من آل المرجان سيكون أمرًا يسيرًا…"
ثم أمالت رأسها قليلًا، وسألت ببطءٍ مؤلم:
"ماذا طلبوا منك؟"
صمتت لحظة، وكأنها تعرف الجواب مسبقًا، ثم همست بثقل:
"الحرب… أليس كذلك؟"
ارتعشت نبرتها في الكلمة الأخيرة.
فكيف لا؟
وهي التي فقدت زوجها في تلك الحرب.
وفقدت ابنها… والد هتّان.
والآن، بعد أن عمّ السلام بفضل الاتفاقية، وبعد أن عاشت الدهّام سنوات من الهدوء، يأتي حفيدها الوحيد… ليخاطر بكل ذلك من أجل امرأة أنقذت حياته.
رفعت عصاها قليلًا وضربت بها الأرض ضربة خفيفة:
"أتعلم ماذا يعني ما فعلت؟"
"تعني أنك وضعت حياة كل فرد في هذه القبيلة على حافة السكين… من أجل امرأة."
ساد صمتٌ خانق.
تنفّس هتّان بعمق، ثم قال أخيرًا بصوتٍ ثابت:
"الأمر أكبر من كونه أسرًا أو فداءً…"
التفتت إليه زبيدة بحدة:
"إذن تكلّم. ماذا أحضرت لنا معك غير الخطر؟"
رفع هتّان رأسه، ونظر أمام الجميع، ثم قال الكلمات التي مزّقت الصمت:
"ميس… ليست مجرد حكيمة."
توقّف ثانية، وكأنه يمنحهم لحظة لالتقاط أنفاسهم، ثم أردف:
"اسمها الحقيقي: ثريّا."
"ثريّا بنت ناصر بن آل المرجان."
كأن ضربةً غير مرئية سقطت على الساحة.
همهمات.
اتساع عيون.
وجوه شاحبة.
وأيادٍ تشدّ على مقابض السيوف دون وعي.
حدّقت زبيدة فيه طويلاً، وكأنها لم تسمع جيدًا، ثم قالت ببطء متشكك:
"ماذا تقول يا هتّان؟"
أجابها دون تردد:
"هي ابنة زعيم المرجان."
شهقت والدته، وتراجع أحد إخوته خطوة إلى الوراء، فيما تعالت همسات كبار القوم.
شدّت زبيدة على عكّازها حتى برزت عروق يدها، وقالت بصوتٍ مرتجف بين الغضب والدهشة:
"وأحضرتها إلى قلب الدهّام؟!"
"إلى وسط قبيلتك؟!"
قال هتّان بصوتٍ منخفض لكنه واضح:
"وسأتزوجها."
انفجر الصمت.
اتسعت عينا زبيدة على آخرهما، وكأن الهواء انقطع عن صدرها:
"تتزوّجها؟!"
ثم اقتربت منه خطوة، وأشارت بعصاها نحوه:
"أما وجدت نساء الدهّام كلهن؟!"
"جئت تختار زوجتك من بين آل المرجان؟!"
تشنّج وجهها وهي تتابع بمرارة:
"أتدري ما يعنيه هذا؟!"
"إن أنجبت لك هذه المرأة ولدًا… فسيكون وارثًا للدهّام!"
"وسيكون في دمه مرجان!"
"وبذلك… تكون قد فتحت للمرجان باب الحكم من داخل قبيلتنا بيدك!"
سكتت لحظة، ثم سألت بانكسارٍ حاد:
"أين كان عقلك وأنت توافق على هذا الجنون؟"
كان هتّان صامتًا، ينظر إليها بثباتٍ موجع، بينما كانت ميس تقف إلى جانبه عاجزة عن الحركة، تشعر بأن كل الأنظار تحولت إليها دفعةً واحدة… كأنها أصبحت فجأة مركز كل هذا الصراع.
قال هتّان أخيرًا، بصوتٍ منخفض يحمل قرارًا لا رجعة فيه:
"أنا أعرف تمامًا ما أفعل."
ارتجف جسد زبيدة غضبًا، وقالت بحزمٍ قاسٍ:
"إذن أنت لا تخاطر بنفسك فقط… بل بنا جميعًا."
وساد الصمت من جديد…
ذلك الصمت الذي يسبق العاصفة.
_______
اقتادتها إحدى نساء القصر عبر ممراتٍ طويلة مضاءة بمشاعل زيتية، تتراقص ظلالها على الجدران الحجرية المزخرفة بنقوشٍ عربيةٍ قديمة.
كانت خطوات ميس ثقيلة، جسدها متعب حدّ الإنهاك، وروحها أثقل من جسدها بأضعاف.
توقّفت المرأة أمام بابٍ خشبي عريض محفور بزخارف دقيقة، دفعته برفق، فانفتح على غرفةٍ فسيحة يغمرها ضوءٌ خافت دافئ.
كانت الغرفة ذات طابعٍ عربيٍ قديم أصيل:
سقفٌ خشبي مرتفع تتدلى منه قناديل نحاسية،
ستائر سميكة بلون الرمال تحجب النوافذ،
سجادٌ عريض تتشابك فيه الأشكال الهندسية،
وسريرٌ عريض ذو أعمدة منحوتة تحيط به وسائد مطرّزة بعناية.
كل شيء في الغرفة كان ينطق بالرفاهية…
أما ميس، فلم يكن في داخلها متّسع لأي إحساس بالترف.
أُغلِق الباب خلفها بهدوء، وبقيت وحدها.
وقفت لثوانٍ في منتصف الغرفة، تتنفّس بعمقٍ متقطع، ثم تمتمت لنفسها بصوتٍ خافت:
"حتى هنا… لا يزال القيد يلاحقني."
كانت تعرف أن الحديث لم ينتهِ بعد،
وأن ما ينتظرها أعقد من مجرد معركة سيوف.
الليلة لن تُحسم بهذه السهولة.
اقتربت من السرير بخطوات بطيئة، جلست على حافته، ثم قالت لنفسها بعنادٍ يُخفي خوفًا عميقًا:
"لن أقبل بهذا الزواج… ولن يحدث."
"سأُمثّل فقط… حتى يقتنع رجال المرجان."
"حتى يفقدوا سيطرتهم على هذا الجسد الذي عاشت فيه روحي رهينة."
"ثم… سأغادر بني الرقاع دون عودة."
لكن العزم كان أضعف من التعب.
لم تمتلك طاقةً للوقوف، ولا حتى للتفكير
ارتمت على السرير بثيابها، استدارت على جانبها، وغمضت عينيها بسرعةٍ كأن النوم كان هروبها الوحيد.
هي بحاجة للنوم…
كي تستطيع غدًا التفكير في نجاتها.
في الجهة الأخرى من القصر…
كانت غرفة المُجمع تضجّ بثقل القرار.
غرفة واسعة دائرية الشكل، جدرانها مكسوّة بالحجر الداكن، يتوسطها بساطٌ كبير، وعلى أطرافها كراسٍ خشبية عتيقة يجلس عليها كبار رجال الدهّام.
في صدر الغرفة، ارتفع كرسي الحكم، ذلك الذي جلس عليه من قبل والد هتّان، وجدّه، وكل شيوخ آل الدهّام.
دخل هتّان أولًا، بخطواتٍ ثابتة، وجلس على الكرسي العالي دون تردد.
جلست جدّته زبيدة على الكرسي المجاور له، لكن ملامحها كانت متحجرة، وكأنها لا تعترف هذه المرة بشرعية القرار الذي جاء من حفيدها.
توافد كبار رجال القبيلة واحدًا تلو الآخر.
رجالٌ أثقلتهم السنين، لكن كلمتهم لا تزال تُدار بها شؤون الدهّام.
هم الطبقة التي تحكم وتقرّر وتزن المصير بالدم والعقل.
ساد الصمت قبل أن يبدأ النقاش.
ثم تكلّم أحدهم أخيرًا بصوتٍ خشن:
"زواجك من ابنة المرجان… كارثة."
قال آخر بحدةٍ أكبر:
"هذا ليس ارتباطا… هذا إعلان خطر."
وأضاف ثالث:
"المرجان لن يروا في هذا زواجًا، بل خطوة للسيطرة."
ارتفعت الأصوات تدريجيًا، وتحولت الهمسات إلى اعتراضٍ صريح:
– "الهدنة ستنهار."
– "سيُعاد فتح ملفات الدم."
– "القبيلة لا تتحمّل حربًا جديدة."
– "المرجان يريدون جسدها فقط… أما روحها فلا تعنيهم."
كانت زبيدة تستمع في صمت، ووجهها مشدود كوترٍ مشدود على حافة الانفجار.
أما هتّان…
فكان صامتًا.
حتى قال أحدهم أخيرًا:
"سيدي… فكر من جديد بأمر هذا الزواج."
رفع هتّان رأسه ببطء، ونظر إليهم جميعًا بعينين جامدتين، وقال بصوتٍ قاطع لا يقبل الجدل:
"أنا أخذتها."
ثم أضاف:
"وانتهى الأمر."
ساد الصمت دفعةً واحدة.
حدّقوا فيه بدهشة، وغضب، وخوفٍ دفين.
قال أحدهم بتحذير:
"أنت لا تتحدث عن امرأة فقط… بل عن مصير قبيلة."
أجاب هتّان بهدوء أشدّ قسوة من الصراخ:
"وأنا زعيم هذه القبيلة."
لم يعلُ صوته،
لم يهدد،
لم يبرّر.
مجرد جملة…
لكنها كانت كافية لتعلن أن قراره قد اتُّخذ،
وأن الليلة، وإن انتهت بالسيوف، إلا أن حرب العقول بدأت لتوّها.
_______
تسلّل خيطٌ رفيع من الضوء عبر شقّ النافذة المزخرفة، وانكسر على وجنتيها كلمسةٍ دافئة أيقظت جسدها المنهك قبل أن توقظ عقلها.
تحرّكت ميس ببطءٍ فوق السرير، وقد شعرت بثقلٍ غريب في أطرافها، كأن النوم لم يكن كافيًا لالتئام ما انهار داخلها ليلة أمس.
ثم جاءها الصوت.
"الآنسة ثُرَيّا…"
كان صوتًا أنثويًا رقيقًا، مترددًا بعض الشيء.
فتحت ميس عينيها ببطء، وشعرت بوخزةٍ في صدرها عند سماع ذلك الاسم.
ثُرَيّا…
اسم الجسد الذي تعيش فيه، لا اسم روحها.
رفعت رأسها قليلًا وقالت بصوتٍ مبحوح:
"ماذا… ما الأمر؟"
تقدّمت المرأة نحوها بخطواتٍ حذرة. كانت شابّة صغيرة السن، لا تبدو أكبر من ثُرَيّا نفسها، أو ربما أصغر بقليل، بعينين واسعتين وملامح بريئة تحمل شيئًا من الخوف والفضول معًا.
أمالت رأسها باحترام وقالت:
"أنا فَدْوَة، يا سيدتي. أُرسِلتُ لأساعدكِ على الاستعداد. السيدة زُبيدة تطلب رؤيتكِ هذا الصباح… وستُدخَلين إلى المجمع اليوم."
كلماتها الأخيرة وقعت على قلب ميس كضربةٍ مباغتة.
المجمع…
مجلس الرجال…
حيث تُصاغ المصائر بلا رحمة.
اضطرب قلبها بقوة، لكنها لم تُظهر شيئًا من ذلك على ملامحها.
جلست على السرير، وأسندت كفّيها إلى جانبيه، ثم قالت بهدوءٍ قاسٍ:
"حسنًا… فهمت."
لكن داخلها كان يعجّ بالصراع.
أنا من جرّت ذلك الزعيم إلى هذا كله…
أنا من أدخلت قبيلته في متاهةٍ مع قبيلة ليست قبيلتي أصلًا، بل قبيلة هذا الجسد الذي أعيش فيه…
تنفّست بعمق، ثم وقفت.
اقتربت فدْوة منها محاولةً أن تساعدها، وقالت بلطفٍ حذر:
"سأعدّ لكِ الماء للاستحمام، وأُحضِر..."
قاطعتها ميس بصرامة مفاجئة:
"لا حاجة لكِ. أستطيع الاعتناء بنفسي."
كانت نبرتها حاسمة، لا تقبل نقاشًا، كأنها استعادت فجأة تلك الصلابة التي غابت عنها تحت وطأة الإرهاق والخوف.
تجمّدت فدْوة لحظة في مكانها، ثم تراجعت بخطوة مترددة.
ارتبكت، وتلعثمت:
"كما… كما تشائين، سيدتي."
رفعت ميس حاجبها عندما لاحظت ذلك الارتباك، ونظرت إليها نظرةً باردة كافية لتدفعها إلى الانسحاب السريع.
أسرعت فدْوة نحو الباب، وقبل أن تخرج التفتت نظرةً أخيرة، وكأنها تدرك في قرارة نفسها أن العمل لدى هذه السيدة لن يكون سهلًا أبدًا، ثم أغلقت الباب خلفها بهدوء.
سادت الغرفة سكينة ثقيلة.
تنفّست ميس ببطء، ثم بدأت تخلع ثيابها بيدين ثابتتين على غير ما في داخلها من اضطراب.
كانت تعرف أن هذا اليوم لن يمرّ بلا أثمان.
اتجهت نحو موضع الاستحمام، والماء الساخن بدأ يتصاعد بخاره في الهواء،
لكن قلبها كان أشدّ سخونة من كل ذلك.
اليوم… عليّ أن أضع حدًا لكل هذا.
إما أن أخرج من هذا القصر حرّة…
أو أغرق أكثر في قيوده.
________
كانت ميس قد انتهت من ارتداء ثوبها حين وقفت أمام المرآة لحظةً صامتة.
ارتدت فستانًا أبيض بلون العاج، منسدلًا بنعومة حول جسدها، مشدودًا عند الخصر، ثم يتسع بانسيابٍ هادئ حتى قدميها. كان صدره مفتوحًا على شكلٍ متقاطع، يبرز التواءات القماش المطرّز بخيوطٍ دقيقة، فيما انسدلت الأكمام الواسعة الشفافة من كتفيها العاريين كأجنحةٍ من ضوء.
حول عنقها استقرّ عقدٌ متعدد الخيوط، تتدلّى في وسطه حجارة داكنة تعاكس بياض الثوب، وشعرها الأسود الطويل انساب على ظهرها في تموّجٍ هادئ، يزيد ملامحها رهافةً وغموضًا معًا.
لم تكن ميس ترى في انعكاسها امرأةً متزينة…
بل أسيرةً بثوبٍ فاخر.
فتحت باب غرفتها، وخرجت إلى أروقة القصر.
كان القصر يعجّ بالحركة.
عاملات يحملن الأقمشة، وخدم يجيئون ويذهبون، وحرس يقفون عند الممرات.
لكن رغم ذلك… كانت العيون كلّها تتجه إليها.
نظرات تخترقها. نظرات خوف. نظرات حقد. نظرات اتهامٍ صامت.
كانت تعلم…
الخبر قد انتشر بالفعل:
المرأة التي جاءت مع الزعيم ستكون سببًا في إدخال الدهّام في حربٍ جديدة.
ابتسمت ابتسامةً باهتة في داخلها.
هذا الجسد بات مكروهًا في القبيلتين معًا.
المرجان يعتبرونها خائنة،
والدهّام يرونها نذير شؤم.
لكنها لم تكترث.
لم يكن يهمّها شيء سوى أمرٍ واحد:
أن تراه… الآن.
قبل المجمع.
قبل أن تتحدث مع زبيدة.
قبل أن يُحسم مصيرها دونها.
استوقفت إحدى العاملات في الممر:
"أين الزعيم؟"
لكن المرأة تظاهرت بعدم السماع، وخفضت رأسها، وتابعت سيرها بسرعة.
ضحكت ميس ضحكةً ساخرة قصيرة، وقالت بصوتٍ منخفض:
"حتى الخدم يتقنون سياسة الصمت…"
واصلت سيرها حتى وجدت بابًا خشبيًا عريضًا نصف مفتوح.
من الداخل، كان ضوء هادئ يتسرّب…
المكتبة.
رأته من خلف الباب:
كان واقفًا، يحمل كتابًا بيدٍ واحدة، ويطالعه بتركيزٍ هادئ.
كان يرتدي ثوبًا داكن اللون، يبرز اتساع منكبيه، وتماسك بنيته القوية.
شعره البني الداكن كان مشدودًا إلى الخلف، كعادته، وملامحه حادّة، جامدة، فيها شيئ من اللين.
هيئة رجلٍ لا يُشبه الهدوء فيه سوى ما يسبق العاصفة.
ابتلعت ميس ريقها.
وضعت يدها على صدرها حيث كان قلبها يخفق بقوةٍ خانقة، لا تعرف إن كان خوفًا… أم شيئًا آخر لم تجرؤ على تسميته.
ثم دخلت وقالت بصوتٍ ثابت:
"أيها الزعيم."
التفت هتّان نحوها ببطء.
وقعت عيناه عليها دفعةً واحدة.
توقف عقله لجزءٍ من الثانية.
ذلك الجمال الذي كان يظنه مختلفًا…
فسّره الآن بوضوح.
جمال نساء المرجان.
قال بهدوءٍ متحفظ:
"لا يزال هناك وقت قبل دخول المجمع."
أجابت وهي تتقدم نحوه بخطواتٍ محسوبة:
"أعلم. ولهذا جئتُ. علينا أن نناقش أمرًا قبل أن ندخله."
رفع حاجبه، وأغلق الكتاب ووضعه فوق الطاولة الخشبية العتيقة.
"تفضّلي."
قالت بوضوحٍ لا يقبل التأويل:
"هذا الزواج… لن يتم."
ابتسم هتّان ابتسامةً باردة تميل إلى السخرية.
"الخبر انتشر، والقبيلة كلّها تعلم. لم يعودوا يرون فيكِ حكيمةً، بل زوجة الزعيم القادمة."
قالت بنبرةٍ حازمة:
"أنا لا أطلب منك معلومات. أطلب أن تسمعني فقط."
نظر إليها طويلًا، ثم قال ببطء:
"حسنًا… يا ميس.
أو… أقول ثُرَيّا؟"
اشتعلت عيناها بحدةٍ مفاجئة جعلته يندهش.
"نادني بما تشاء، لكن اسمع."
تقدّمت خطوة أخرى.
"لتكن خطوبة فقط. ليُعلَن الأمر كما يريد المرجان. ليتيقنوا أنني أصبحت لك.
لكن أنت تعلم أنني لن أبقى في الدهّام. أنا ذاهبة إلى بني الرقاع، ولن أعود.
إذًا، من الأفضل ألا نبالغ في رسمية هذا الرباط الوهمي."
قال ببرود:
"حتى الخطوبة ستغير بنود الاتفاقية."
ثم أردف:
"وهل تظنين أن بن ناصر سيفرق بين خطوبة وزواج؟
هو يسعى بكل قوته لأن يرمي يده داخل الدهّام."
عقدت حاجبيها بدهشة وهي التي ظنت انها فقط من يرى في بن ناصر شكا:
"أنت تعلم نية ذلك الرجل ؟"
رفع حاجبه باستخفاف:
"تسمّينه هكذا؟ ذاك الرجل؟"
لم تعبأ بسخريته، وسألته مباشرة:
"إذًا لماذا وافقت؟
وأنت تعلم أنك تضع قبيلتك في خطر؟"
اقترب منها، ودار حولها بخطواتٍ بطيئة، وذراعاه القويتان معقودتان على صدره.
"لأنني لستُ غبيًا، يا ميس. أنا لستُ مجرد رجل حروب.
أعرف بن ناصر جيدًا… رجلٌ عاشق للدم والسلطة والشرف، لا يترك الفرص تمضي دون أن يغرز أنيابه فيها."
توقّف أمامها وقال:
"هو يريد السيطرة.
يريد أن يدخل ويخرج من الدهّام كما يشاء.
ولا وسيلة له أفضل من تزويج ابنته بي، ثم استغلالكِ لمعرفة نقاط ضعفنا…
ثم يشعل الحرب، ويأخذ كل شيء… ويترك لأبلج شرف الدم."
شهقت ميس بخفوت.
"ولماذا وافقت إذًا؟
هل دينك مهم إلى هذا الحد؟"
قال بشيئ من الكذب :
"نعم… أردّ الدين."
قالت:
"لكن…"
قاطعها وهو ينظر في عينيها مباشرة:
"لكنني أعلم أنكِ لن تكوني أداته."
توسعت عيناها.
تابع بصوتٍ أخفض:
"بن ناصر قد يكون ذكيًا… لكنه ربّى ابنةً أذكى منه."
لانت نظرتها دون أن تشعر.
وكاد هو يقع في ذلك التأثير، لكنه تراجع خطوة وقال بحزم:
"سنقيم خطوبة فقط الآن.
لكن عليكِ أن تساعديني."
"أساعدك؟ كيف؟"
قال:
"أحتاجكِ لأعرف كيف يفكر بن ناصر.
أحتاج ذكاءكِ."
سألته بمرارة متعصبة:
"وماذا سأجني أنا سوى أن أكون لعبة حرب؟"
نظر إليها طويلًا، ثم قال بجديةٍ مطلقة:
"سأؤمّن لكِ الطريق إلى بني الرقاع.
وسأضمن لكِ الحماية هناك عندما ينتهي كل هذا.
وأي شيء آخر تريدينه…"
ساد صمت ثقيل بينهما.
وصوت المجمع من بعيد… كان يقترب.
______
خرجت ميس من باب المكتبة بخطواتٍ هادئة، وأغلقته خلفها بهدوءٍ مقصود، كأنها لا تريد لأي صوتٍ أن يلاحق ما يدور داخل رأسها الآن.
سارت في الممر الطويل المؤدي إلى جناح زبيدة، وخطواتها منتظمة، وكتفاها مرفوعان بثقةٍ تخفي تحتها عاصفة من الأفكار. كان شعرها الأسود يتطاير من حولها مع كل حركة، ينسدل تارة على كتفيها، ويتراجع تارة أخرى خلف ظهرها، وكأنه يعكس اضطرابها الداخلي رغم ثبات مظهرها.
كلمات هتّان كانت لا تزال تتردد في ذهنها… تدور… تتقاطع… تعيد رسم الاحتمالات من جديد.
حتى هذه اللحظة… أثبت أنه أهلٌ للثقة. أوفى بدينه. وحماها عندما كان بوسعه أن يتركها للمصير وحدها.
لكن ذلك لا يعني أن تطمئن تمامًا.
أولويتها القصوى لم تتغير. هدفها لم يتغير. المكتبة الكبرى في بني الرقاع كانت ولا تزال الغاية التي جاءت من أجلها منذ البداية، قبل أن تنقلب الحياة رأسًا على عقب، وقبل أن تبتلعها لعبة القبائل والدم والعهود.
توقفت لحظة عند زاوية الممر، ثم تابعت سيرها وهي تفكّر بعمق:
على حسب معرفتها بالمرجان… هم لا يتركون فريسةً هربت منهم ببساطة.
وإن حاولت الهرب من الدهّام مجددًا، فمن المرجح أن يلاحقوها. وحينها… لن يكون هناك عائق أمام أبلج ليقتلها هذه المرة دون تردد.
لكن… إن بقيت هنا. وإن كسبت ثقة آل المرجان بأنّها أصبحت فعلًا من الدهّام، فسيُجبرون على التريّث، وستحظى بالحماية. وسيكون لهتّان دور في ذلك.
لكن هذه الحماية لن تكون مجانية هذه المرة. هو أوفى بدينه… وانتهى. والآن، الدور عليها.
عليها أن تساعده كما يساعدها. عليها أن تكون جزءًا من خطته كما ستكون هي المستفيدة من نتائجها.
ابتسمت ابتسامة خافتة، لم تكن فرحًا، بل اعترافًا داخليًا بحقيقة مرة:
حسنًا… ستكون هذه هي الوسيلة. الوسيلة التي تُمكّن هتّان من حماية قبيلته، وفي الوقت نفسه تفتح لها الطريق نحو بني الرقاع.
وعندما ينفّذ هو ما يخطط له… وعندما تتضح له حقيقة نوايا بن ناصر كاملة… سيؤمّن لها الطريق.
وحينها… سترحل بعيدًا عن كل هذه القذارة، عن هذه البربرية المقنّعة بالشرف، عن هذه الحروب التي لا تنتهي.
تنفّست بعمق، واستقامت في وقفتها.
والآن… حان وقت مواجهة تلك العجوز.
وصلت إلى الباب الخشبي العريض، كان بابه داكن اللون، محفورًا بنقوشٍ دقيقة تدل على القِدم والهيبة. رفعت يدها، ودقّت مرتين دقًّا خفيفًا لكنه حازم.
جاءها الصوت من الداخل ثقيلًا، متماسكًا: "ادخلي."
دفعت الباب ببطء، ودخلت.
كانت غرفة زبيدة مختلفة عن بقية غرف القصر.
غرفة يغلب عليها الطابع القديم الصارم: الجدران حجرية سميكة، تتخللها رفوف خشبية تحمل لفائف قماش وأدوات خياطة قديمة. نافذة عالية يتسلل منها ضوء النهار بخيوط مائلة. وفي الوسط… كرسي خشبي متين، تجلس عليه زبيدة.
كانت الجدّة العجوز ممسكة بإبرة دقيقة، تحيك قطعة قماش داكنة اللون بخيوطٍ متقنة، ويدها تتحرك بثبات يُناقض سنّها. نظرتها كانت مركّزة على عملها، لكن حضورها كان يملأ المكان رهبة.
لم ترفع رأسها فور دخول ميس. تركت الإبرة تتحرك ببطءٍ متعمّد، كأنها تريد أن تُشعرها بثقل الانتظار، بأنّ هذه الغرفة لا تُدار بعجلة، بل بالسيطرة.
وقفت ميس عند المدخل بهدوء، ويدها متدلّية إلى جانبها، تحاول أن تُخفي توترها تحت قناع من الثبات.
بعد لحظات، قالت زبيدة دون أن تنظر إليها: "تقدّمي… لا تقفي عند الباب."
تقدمت ميس بخطواتٍ بطيئة، حتى وقفت على بعد خطوات منها.
رفعت زبيدة رأسها أخيرًا. عيناها ثاقبتان، حادتان، كأنهما تقرآن ما خلف الوجوه لا ما فوقها.
تأملت ميس طويلًا. ثوبها. وقفتها. ملامحها الهادئة.
ثم قالت ببرودٍ محمّل بسنينٍ من الحروب :
"اقتربي أكثر، يا ابنة ال مرجان."
تقدمت ميس خطوة أخرى، وقلبها يخفق بقوة، لكنها لم تُنزل بصرها.
وهنا… بدأت المواجهة التي ستُحدّد الكثير مما سيأتي بعدها.