الفصل السادس والعشرون
" the writer Aridj "
.
.
.
وھجرت بعض أحبتي طَوْعا
لأني رأيت قلوبھم تَھْوَى فِراقي
نعم يشتاقھم قلبي
ولكن وضعت كرامتي فوق اشتياقي
وليس الھجر يُؤلمني
ولكن جمال الذكريات يَھُزُ قلبي
أُخادع حُزن روحي بالتمني
فأين حنان ذاك القلب عني ؟
رنّ المنبّه للمرة الألف… بل للمرة المليون، كما لو أنّه يصرخ باسمها من وراء جدارٍ من غيم. لكنّ أذنيها لم تلتقطا سوى ألحانٍ عذبة تنساب من أرض الأحلام، كأن الكون كلّه اتّفق على أن يغنّي لها تھويدة نوم لكي لا تستيقظ.
وفجأةً—عند 8:15 تماماً—قفزت من فراشها كمن لُدغ من الزمن نفسھ. تذكّرت امتحان القبول… تذكّرت الحلم الذي أرهقت قلبها من أجله. تأخّرت! كيف سمحت لساعات التدريب أن تتبعثر؟ كيف أفلتت منها ليالٍ طويلة من الدراسة والسهر؟
ذلك السلاح الذي طالما تخيّلته بثقله النبيل على خصرها… وتلك الشاشات التي حلمت أن تجلس خلفها، تقرأ خفايا العوالم وتكشف الأسرار… بدا لها كل ذلك الآن يتلاشى كسرابٍ بعيد أمام لحظة واحدة من الغفلة.
شهقت، واستغفرت، وركضت بخفّة مذعورة نحو الحمّام. توضّأت، ثم وقفت تصلي ركعتين تهمس فيهما بالدعاء… تطلب من الله رحمة، ولطفاً من التوفيق، ومعجزة صغيرة تُصلح ما أفسده النعاس.
ارتدت ملابسها بخفة دون أن تسمح لنفسها بنظرةٍ إلى المرآة، فالوقت يطاردها كظلٍّ لاهث… ومع ذلك، ظلّ في قلبها بصيص أمل بأن شيئاً استثنائياً سيحدث، شيئاً يُوصلها إلى الاختبار قبل أن تُغلق الأبواب.
نزلت الدرج بخطوات متسارعة، وحين بلغت الطابق السفلي رأت عائلتها مجتمعة حول مائدة الإفطار: أمها الهادئة كدعاء الفجر، وأباها الوقور، وأخاها الذي كان يراقبها بفضولٍ .
تقدّمت نحو والدها، وطبعَت قبلةً على جبينه، ثم انحنت نحو والدتها تقبّل يدها، وزرعت قبلةً خاطفة على خدّ أخيها، وقالت بصوت تملؤھ لھفة العجلة /
رسيم يلا قوم بسرعة وديني للكلية راح أتأخر خلاص .
وقف رسيم بسرعة ورفع يدھ الى أعلى حاجبھ في تحية عسكرية وقال /سمعا وطاعة للعميلة الفيدرالية
أماني .
إبتسمت أماني بفخر تحت أنظار عائلتھا الواثقين من نجاحھا ،وكأنھا تعلو سقف توقعاتھم .تقدم رسيم وحمل مفاتيحھ من على الطاولة وسار نحو الباب مناديا لھا /يالعميلة اذا ودك نناديك ھيك فيلا اسرعي .
ركضت خلفھُ بخطوات طموحة وكأن الأمل فرش لھا بساط السعادة .صعدت الى السيارة ووضعت حزام الأمان وبدأت تُراجع بعض المفاھيم التي يمكن ان ترد في الاختبار الكتابي .
بعد دقائق من الصمت، تحرّكت عينا رسيم ليلمح أضواء سيارة رعد خلفه تومض بإشارة آمرة، توحي بأن يركن سيارتھ جانبا . خفّف السرعة، ثم توقّف بمحاذاة الرصيف، ثم ترجل وتقدّم نحو رعد بخطواتٍ متزنة، وكل خطوة تحمل ظلّ سؤال لم يُطرح بعد. كان رعد قد أنزل نافذة سيارته ببطء، ثم انتظر رسيم بنظرة صامتة تُشبه بوابة تُفتح على حديثٍ لم يولد بعد.سرعان ما ارتسمت على وجھھ ابتسامة ھادئة لرؤيتھ ،تبادلا التحية ثم قال رعد بنبرتھ الرجولية /
وش فيك مستعجل يا رجال؟ على كل حال، إذا بتاخذ أماني للكلية، أنا بعد بروح أختبر. نادِها تروح معي، وإنت روح لدوامك.
رسيم مبتسما /تمام ،بس دير بالك عليھا .
رعد /لا تشيل ھم ھي بالحفظ والصون.
تقدّم رسيم نحو سيارته، وأخبر أماني بأن ترافق رعد. ارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة، إذ لطالما أعجبت بمستواه الرفيع، وكانت رغبتها خفية في أن تقتنص جزءًا من معرفتھ وتجربتھ. ودَّعت رسيم بعد أن منحها كلماتٍ دافئة من التحفيز والتشجيع. شعرت بأن الحماس يتدفق بين جدران عقلھا وزوايا قلبھا وهي تتقدّم نحو سيارة رعد. فتحت الباب وجلست في المقعد الأمامي بجانبه.التفتت إليه بهدوء، و بصوت يحمل فضولًا متأنيًا مسكونا بالاحترام والتقدير ألقت السلام .وبعد ان تلقت الرد من رعد .أردف وقال /شلونك ؟؟ان شاء الله متحمسة؟؟.
أماني بھدوء أُرْفِقَ بإبتسامة قصيرة /بخيير مرة والحماس عالي مشاء الله.
ابتسم رعد ثم قال /تعرفين انو ھذا الاختبار ھو ليأھلك لإختبارات 3 شھور بأمريكا .
أماني وعلامات التوتر قد بدت على وجھھا /أدري بس خايفا شوي ،ممكن أغلط بشي ....
رعد مخففا توترھا وخوفھا /إن شاء الله فيھا خير. صحيح الاختبار صعب، بس أنا متأكد إنك راح تجتازينه بامتياز، وأنا معك وخالد بعد. شوي تركيز منك، وبس تخلصي انتبهي لنفسك في الاختبار البدني.
رفعت رأسھا بالموافقة ثم استدارت الى أوراقھا تقرأ بعضًا من ملاحظتھا .
كانت ترفع الملفات الطبية تقرأھا بعناية، كأن كل صفحة تهمس لها بأسرارها، أنهت مراجعتها جميعها. و رسيم لم يصل بعد، وكانت تتوقّع أن توجه له الأسئلة التي راودتها منذ ليلة البارحة، لكن التأخير فرض صمتًا على حماسھا .وقفت بمئزرھا الأبيض المناسب برقة على فستانھا الصوفي المنسوج بالون الوردي الفاتح كأنھ نسيم ھادئ يتناغم معھا ، كانت تحمل في يدها بعض الملفات لتعيدھا الى مكانھا ودفتر ملاحظاتٍ دؤوب تُسجّل فيه كل مهم وكل استفسار بعناية متناهية. لقد نالت تصرفاتها إعجاب المشرفين، ورغم أنّها لم تكتسب بعد الخبرة الكاملة، إلا أنّها كانت تسعى إليها بعزمٍ لا يلين، مستثمرة كل ما وهبها الله من قوة وإرادة.
وبينما أوشكت على صعود الدرج ،التفتت مبتسمة بهدوء حين سمعت أحدهم ينادي باسمها، لكن ابتسامتها تلاشت سريعًا حين لاحظت راكان، المزعج كما عهدته. خطا نحوها بخطوات واثقة وسريعة حتى أصبح أمامها، رفع يده إلى شعره المنسدل على جبينه ودفعھ الى الأعلى ، ثم رمقها بنظرة مليئة والإصرار، وكأنها رسالة صامتة تقول: لن أبرح هذا المكان حتى أحصل على إنتباھكِ.
راكان مبتسما /وعد اقصد دكتورة وعد كيفك ؟؟
وعد بوجهٍ متجهم/بخير… وعن أذنك، عندي شغل لازم أسويه.
استدارت لتصعد الدرج، لكن فجأة سحبها من يدها. صُعقت من هذه الجرأة الفجّة، كيف يجرؤ على فعل ذلك؟ أسقطت الملفات من بين يديها، بينما كانت تتمسك بردائِھ الطبي الأبيض، حين كانت على وشك السقوط.
ابتعدت عنه على الفور، وعيناها تلمعان بالغضب، وكأن شياطين الأرض اجتمعت في تلك اللحظة لتشاركها شعورها. قالت بصوت حاد مفعمٍ بالغضب والاحتقار /اسمع، أنا احترمتك كثييير، لا تتعدى حدودك. لا تحسبني رخيصة مثل اللي تعرفهم، الزم حدودك، أحسن لك… لو تشوف وين بتوديك أفعالك.
انحنت برفق، جمعت الملفات المبعثرة، وكلما حاول مساعدتها، أبعدته بنظرات تحمل استهجانًا وسخطًا، كأنها تضع حاجزًا لا يُجتاز بينهما. غادرت وهي تغلي غضبًا، متوعدة بالعذاب لذلك الراكان.
خبيث كعادته، استغل لحظة انشغالها في جمع الملفات و التقط دفترها من الأرض. أخفاه خلف ظهره، ويبدو أنه وجد ذريعة أخرى لرؤيتھا والحديثِ معھت.
دخل رسيم إلى المستشفى بخطوات هادئة، متجهًا نحو الدرج ليصعد إلى مكتبه، لكنه لم يغفل عن راكان، الذي كان يبتسم بابتسامة توحي بالجنون. تجاهله رسيم، وأخرج هاتفه ليتصل بوعد.
وعند دخوله إلى مكتبه، فوجئ بأن وعد قد سبقته، فابتسم لرؤيتها وهي تعيد الملفات إلى مكانها، لكن الغضب الذي لمع في عينيها حين التفتت إليه أثار استغرابه.
اقترب منها قليلاً ووضع مفاتيحھ على المكتب .و بصوت محمّل بالفضول سألها مستفسرًا، وكأن كلمات السؤال تحمل بين طياتها رغبة في فهم ما يجري خلف هذا الحاجز من الانفعالات.
رسيم /وش فيك معصبة ؟حدا قالك شيء .
صمت واطلقت زفيرا طويل وكأنھا تحاول إعادة ضبط إعداداتھا.
رسيم /ھا ماراح تحكي ؟؟مو من عادتك تعصبين ھيك .
وعد /ھذااك الركان ...
وفي لحظة تغيرت ملامح وجھھ ثم قال /زعجك بشي؟؟وش سوا ھذا ؟؟؟
وعد استحت من ان تروي لھ ماحدث فحاولت ان تغير الموضوع وابتسمت ابتسامة مصطنعة /خلاص لا تشغل بالك.
رسيم منزعجا /وش؟ ما أشغل بالي؟ أنتِ فرايك ليش طلبت تدربين في هالمستشفى؟ عشان أنتبھلك .انت أمانة رعد. وقبل ما تكونين أمانته، أنت أختي، مثل أماني. اللي يزعجك يزعجني.
وعد/مادري وش أقول .
رسيم /مايحتاج تفكير كثير.
وعد / جا يكلمني ولما سحبت عليھ وكنت طالعا فالدرج .....
رسيم /كملي
وعد/سحبني من يدي لعندھ ...بس ماقصرت معھ حذرتھ اذا قرب مني مرة ثانية راح يشوف شر أفعالھ وين توديھ .
أدار رأسھ الى النافذة ومن ثم أعاد النظر اليھا وقال /
شكلھ مايعرف مع مين يتجاوز حدودھ .اسمعي، انتي بالحفظ و وراك جبال ماتنھد .راح اروح لعندھ ولو حاول مرة ثانية وانا متأكد انو بعد اليوم ماعاد يحاول.
اتجه إلى خارج المكتب بخطوات هادئة، وكل حركة منه تحمل صدى حسم وثقة. كانت تعلم يقينًا أن ما سيقوله رسيم لذاك الراكان لن يمر مرور الكرام؛ فالرجل يتمتع بكاريزما فذة وشخصية متينة، واثق من ذاته إلى أقصى حد.كلماتھ تُحفر في الذاكرة قبل أن تُنطق، كل جملة منھ بقيمتها ووزنها تترك أثرًا عميقًا في من حوله.
كان يعلم كيف يسيطر على الأجواء بصمت، وكيف يُلهم احترامًا غير مشروط، وها هي الآن، أمامه، تدرك أن تأثيره ليس مجرد كلمات تتطاير، بل قوة خفية تُحرك مشاعر التوتر والخوف وتغيّر المواقف قبل أن تشعر بذلك.