جرأة
وصل كل من إدوارد وألكسندر برفقة أنجلينا إلى القصر، وحكوا لرافاييل وبقية من هم بالبيت ما حصل. ضحك الجميع على ما فعلته أنجلينا، بينما هي كانت في غرفتها تبكي لأنها فشلت في قتله.
أنجلينا (وعيناها مظلمتان بالحقد وتنظر للبندقية التي أصابت بها فرانك): "نجوتَ مني هذه المرة أيضًا. لن يريح فؤادي إلا فصل رأسك عن جسدك المدنس بالخطايا. فقط انتظرني."
انشغل الجميع بترميم البيت الذي تحول لكومة من شظايا الزجاج المتناثرة في كل زاوية من زوايا البيت إثر الهجوم المسلح الذي شنه فرانك وأتباعه عليهم. خيّم الظلام وهرع كل واحد إلى غرفته. كان ألكسندر قلقاً على أنجلينا لأنها لم تخرج طوال اليوم من غرفتها.
وبينما إدوارد جالس بالشرفة يتأمل ندف الثلج ويدون ما حصل معه في مذكراته، يسمع صوت فتاة تغني:
Спустилась тьма, улетели голуби
(خيّم الظلام، وطار الحمام.)
Взошла луна, и ночь легла на мир
(طلع البدر، وخيّم الظلام)
Пора уж спать, настал твой час
(هيا للنوم، ها قد آن الأوان)
إدوارد (وهو مستغرب ويكلم نفسه): "ماذا؟ ما هذا الصوت؟"
وإذا بأنجلينا تسمع صوت خطوات من فوق شرفتها.
أنجلينا: "ها؟ إدوارد، منذ متى وأنت تقيم بالجناح الثانوي؟"
إدوارد: "آه، هذه أنتِ! لقد غيّرت الغرفة بعد أن تحولت غرف الجناح الرئيسي إلى خراب بعد الهجوم."
أنجلينا: "هكذا إذًا."
إدوارد: "معذرة، لكن ماذا كنتِ تغنين قبل قليل؟ إنها أغنية غريبة بعض الشيء وكأنني سبق وسمعتها."
أنجلينا: "مجرد أغنية نغنيها عندما يتساقط الثلج. ربما الغريب بها هو اللغة، إنها لغة قديمة. ويمكن أن تكون قد سمعتها لأن لحنها معروف."
إدوارد: "آه حسناً. هل أنتِ بخير؟ عيناك مُحمّرتان ووجهكِ كذلك، وكأنك كنت تبكين..."
أنجلينا: "لا شيء، فقط بسبب برودة الجو. تصبح على خير."
إدوارد (وهو مستغرب): "وأنتِ بخير."
دخل إدوارد ولا يزال صدى غنائها يتردد بين أذنيه.
إدوارد (وهو يكلم نفسه): "كيف من الممكن أن تكون أغنية لتساقط الثلوج وكلماتها توحي بأنها تهويدة نوم؟ ومالي أفهم هذه اللغة القديمة؟"
حاول إدوارد تناسي الأمر لكنه لم ينسَ، وأوى إلى سريره وأغلق باب الشرفة لأن البرد قد اشتد. بقي يردد كلمات الأغنية حتى نام.
وما إن أشرقت الشمس...
الخادمة ليريا: "يا ألكسندر، انظر، الحديقة تحولت للون الأبيض إثر تساقط الثلج البارحة!"
ألكسندر (وهو يحرك الملعقة في فنجان القهوة وشارد الذهن ولا يرد): "..."
الخادمة ليريا: "أنت أيها الولد، هل تسمعني؟"
ألكسندر: "عفواً، ماذا قلتِ؟"
الخادمة ليريا: "هل يمكن التوقف عن تحريك السكر بتلك الملعقة؟ منذ الصباح وأنت على هذه الحال، لقد بردت القهوة وذاب السكر. ما الذي شغلك؟"
ألكسندر: "أعتذر. ما ذلك الصندوق الذي هناك ولماذا كُتب عليه اسم أنجلينا؟"
الخادمة ليريا: "آه ذلك، لا أدري، أتوقع أنه من ضمن هدايا عيد ميلادها. طلبوا أن يُحتفظ بالصندوق بمكان بارد، لا أدري لماذا..؟"
ألكسندر: "سأوصله لها، لا تقلقي."
الخادمة ليريا: "ما به هذا؟"
استيقظ ألبرت أخيراً بعد نوم عميق كأنه دب في سبات شتوي بسبب الرصاصة التي أصابته.
رافاييل: "ألبرت، هل أنت بخير؟"
ألبرت: "كم الساعة الآن؟"
رافاييل: "السابعة والنصف."
ألبرت: "يبدو أنني أطلت النوم، ما الذي حصل؟"
رافاييل: "عندما كنا بعيد ميلاد أختك أنجلينا هجم علينا فرانك وأتباعه."
ألبرت (وهو غاضب): "كم مرة أخبرتك أن لا تنعت تلك الغريبة بأختي؟ ليست سوى جالبة للمصائب!"
رافاييل: "ألا يمكنك أن تتفهم ما أقوله مراراً وتكراراً؟ أنت تراها فقط عندما تحصل الكارثة، هي رأيت ما تفعله لأجلك. أَوَ هل تعرف ماذا فعلت عندما علمت بإصابتك؟"
ألبرت (وهو يضحك ساخراً): "وماذا بيدها أن تفعل ها؟"
رافاييل: "لقد أطلقت النار على فرانك."
وإذا بألبرت يجلس سريعاً بهول الصدمة.
ألبرت (وكتفه يؤلمه بسرعة جلوسه): "آح، كتفي!"
رافاييل: "أنت بخير؟ هل أستدعي الطبيب..."
ألبرت: "دعك مني الآن. ماذا تقصد بأن المتهورة أطلقت النار عليه؟ لن يسلم لك الأمر منها الآن!"
رافاييل: "كلا، إنه بخير، إصابته في قدمه. لا تخف، تدخل الأمير إدوارد شخصياً، والآن الكرة في ملعبهم."
ألبرت (وهو يضحك): "ها؟ كيف فعلت هذا؟ جنونية حقاً!"
رافاييل: "عندما تقرر فعل الشيء تفعله. والآن هل تغيرت نظرتك عليها أم لا؟"
ألبرت: "لا يهم، أين هو إدوارد؟"
رافاييل: "استيقظ قبل قليل، ربما يستحم."
ألبرت (وهو ينادي): "أنتِ، لا تبقي مختبئة خلف الباب وتتنصتين هكذا، ادخلي."
أنجلينا: "المعذرة، لم أكن أنوي التنصت عليكم، لكنني أتيت لأطمئن عليك. كيف أصبحت يا أخـ... أقصد ألبرت؟"
ألبرت: "أبي، هل يمكنك الانصراف، أريد أن أتحدث معها على انفراد لو سمحت."
رافاييل: "حسناً، لا تفتعلا المشاكل. سأذهب لأتفقد عمتك."
وما إن انصرف رافاييل وأغلق الباب وراءه، بدأت أنجلينا تحس بالتوتر.
ألبرت: "أنتِ، هل ستبقين واقفة أمامي هكذا كتمثال حجري؟ خذي لك كرسياً واجلسي، لا تبقي واقفة."
أنجلينا (وهي مستغربة): "حسناً."
ألبرت: "بالكاد تتساءلين لماذا طلبت منك أن نتحدث على انفراد. لماذا، ما الذي جعلك تذهبين له ببندقية كالخرقاء؟"
أنجلينا: "لا شيء، فقط كنت غاضبة وتصرفت بلا تفكير. آسفة إذا سببت المشاكل مرة أخرى."
ألبرت: "كلا، أنا الذي يجب أن أعتذر منك عن معاملتي السيئة لك. أنا آسف."
أنجلينا: "تعتذر مني أنا؟ هذا غريب بعض الشيء. لا بأس."
ألبرت: "توقفي عن فرك يديك وخدشها، وما تلك الحروق التي بيدك؟ عادت حليمة لعادتها القديمة ها؟"
ظلت صامتة وتتجنب النظر إليه والدموع في عينيها. وإذا بألبرت يحتضنها ويربت على رأسها.
ألبرت: "لا تبكي، أنا آسف بحق."
وإذا بطرق على الباب.
ألبرت: "من بالباب؟"
إدوارد: "هذا أنا."
ألبرت: "تفضل بالدخول يا صديقي."
أنجلينا: "سأذهب الآن."
ألبرت: "حسناً، لكن عديني أن لا تؤذي حالك يا أختي."
أنجلينا: "أعدك يا أخي."
وفتحت الباب لإدوارد وغادرت ولم تلتفت لإدوارد ولم تلقِ التحية عليه حتى.
أنجلينا (وهي تتكلم داخل عقلها): "ما بال ألبرت أصبح لطيفاً معي لهذا الحد؟ أيُعقل أن إصابته خطيرة واقترب أجله ويتسامح معي؟ ههه، ما هذه الأفكار! أياً كان يجب أن أحذر منه. وإدوارد ذاك، ما باله يخرج لي من كل مكان أذهب إليه؟ اللعنة عليه! أليس ذلك ألكس؟ ماذا يفعل هناك ولماذا يحفر بالحديقة؟!"
أنجلينا (وهي تنادي): "أوّي ألكس! ماذا تفعل هناك؟"
ألكسندر (وهو يحاول إخفاء ما كان يفعله): "لا شيء، فقط كنت أريد أن أبني رجل ثلج، لأن كل الحديقة مغطاة بالثلج."
أنجلينا: "ألكس، ليست علي! ماذا كنت تفعل؟ تنحَّ ودعني أرَ."
ألكسندر (وهو يحاول اعتراض طريقها وإيقافها): "ليس هنالك داعـ..."
وإذا بها تتعثر وتقع.
ألكسندر: "أنتِ بخير؟ أنا آسف."
أنجلينا (وهي راكعة على ركبتيها ومصدومة من ما كان يفعله ألكسندر): "هذه القلادة... صنعتها بنفسي. إنها لهما... ألكس، ماذا يوجد بهذا الصندوق..؟"
ألكسندر (وهو لا يدري كيف يرد): "من المستحسن أن لا تريه..."
وما إن كاد أن يكمل جملته، فتحت الصندوق وإذا بها تجد كلاً من قطيها ليو وبلانكا مقتولين، وكل أطرافهما مبتورة وحتى رأسيهما مفصولين عن جسديهما. بقيت متيبسة مكانها من هول صدمتها من الطريقة البشعة التي قُتلا بها، وإذا بها تلمس رأسيهما المغطى بالدماء بأصابعها والدموع تملأ عينيها. بقي ألكسندر فقط واقفاً لا يدري ما يجب أن يفعله.
أنجلينا (وهي تتكلم وتَشْهَقُ): "أ-ألكس، من الذي فعل هذا؟"
ألكسندر (وهو يرد بصوت بارد وكأنه يقر بعجزه): "فرانك... أرسل هذا البارحة بعد أن وصلنا. تلقته ليريا، لكنك كنت نائمة. ووصل هذا مع رسالة مفادها أن الرصاصة التي أصبتِه بها تسببت له بعطب دائم، لقد أصبح أعرج. قال هذه هدية لعيد ميلادك، وأنه يعدك أنك لن تحتفلي مرة أخرى بعيد ميلادك."
أنجلينا (وهي تبكي): "يريد قتلي ها؟ هههه يا لها من دعابة لطيفة!"
وصمت ألكسندر لأنها بدت كالمجنونة أو فاقدة لعقلها، وأخذت الصندوق ودفنته. ثم استلقت على الثلج وربتت عليه وتُدَنْدِنُ.
ألكسندر (وهو يرى ما تفعله): "أنجلينا، هيا بنا للأعلى، الجو بارد ستمرضين."
أنجلينا (وهي تتصرف كالمجنونة): "اشش، سوف توقظ قططي، دعني معهم، إنهم يخافون البقاء وحدهم."
ألكسندر (وهو ينحني ويصرخ عليها): "أنتِ كفى! لقد ماتوا، لن يوقظهم أحد. توقفي عن التصرف كالبلهاء، ارجعي لصوابك."
أنجلينا (وهي تبكي وتضحك): "أجل، أنا بلهاء. كل شيء بسببي. ربما تراني كثيرة الضحك والبكاء، لكنني لا أدري كيف أعيش أكثر ومن حولي يتأذون بسببي. تعبت بحق... أريد الموت والخلاص لكن لا يزال الطريق طويلاً أمامي."
ألكسندر (وهو يائس): "أنا آسف على ما قلته..."
أنجلينا (وهي تبكي): "ليس بسببك، إنني تعبت حقاً من العيش في هذه الحياة يا ألكس."
ألكسندر: "هل تريدين أن تموتي؟"
أنجلينا: "أجل."
ألكسندر: "أ... أنتِ واثقة؟ فكري جيداً، ربما هنالك من يحبونك ويريدون أن يروكِ بخير."
أنجلينا: "متأكدة."
وإذا بألكسندر يشهر سيفه ويحاول إصابتها، وهي تحاول حماية نفسها بيدها.
ألكسندر (وهو يصرخ): "ألا تريدين الموت؟ لماذا أنتِ خائفة منها؟ لماذا تحاولين حماية نفسك؟ استسلمي فقط وسأغرس هذا السيف في قلبك وستموتين في لحظة واحدة، لن تعاني صدقيني. هيا أجيبي!"
أنجلينا (وهي واقعة على الأرض وتحمي نفسها بيديها وتبكي): "مـ... ما الذي تفعله أنت؟"
ألكسندر (وهو يغرس سيفه بجانب رأسها ويثبت يديها ويحكمها بالأرض): "ما الذي أفعله مثلًا؟ ألم تقولي إنكِ تريدين الموت؟ فقط أنفذ رغبتك هذه. قولي إنك لا تريدين، وسأتركك."
أنجلينا (وهي تبكي وترتجف): "هل جننت؟!"
ألكسندر (والدموع في عينيه): "على أساس أنتِ بعقلك! ببساطة سئمت من محاولاتك البائسة لقتل نفسك. قلت على الأقل لأقتلك أنا وأنام براحة وأعرف أنك ميتة، وإلا لا يمكنني النوم وخائف أن تقتلي نفسك. دعيني أحقق رغبتك هذه لأنه ليس لديك الجرأة لتفعليها بنفسك."
أنجلينا: "أنا... أنا لا أريد."
ألكسندر: "ما الذي لا تريدينه؟"
أنجلينا: "لا أريد الموت."
وإذا بألكسندر يفلت يدها ويرخيها وأخذ سيفه ورماه بعيداً، وهي لا تزال مرتجفة من تصرفه الأرعن الذي فاجأها به.
ألكسندر (وهو ليس قادراً على النظر إليها بعد ما فعله): "آسف على تخويفك بهذه الطريقة..."
لكنها لم ترد. كانت لا تزال مرتعبة منه وتمسح دموعها وتريد الذهاب إلى غرفتها، لكن قدماها واهنتان وليستا قادرتين على حملها. وإذا بألكسندر يحتضنها دون أن يقول أي حرف. بقيت ترتجف بالخوف والبرد وتبكي إلى أن فقدت وعيها، ونقلها ألكسندر إلى غرفتها.