صوت الحضارات
تابعنا السير داخل الغابة ببطء، نراقب كل شجرة كأنها تحمل سرًّا مدفونًا.
كانت النقوش تزداد غرابة، وتزداد معها تساؤلاتنا.
حتى وقف ستيفن سايمر فجأة، كأن صاعقة ضربته.
وضع يده على جذع شجرة ضخمة، وقال بصوت مرتجف قليلاً:
> "يا إلهي… هذه أعرفها.
هذه… هيروغليفية فرعونية."
أحطنا الشجرة من كل جانب.
كانت الرموز محفورة بدقة لا تشبه أي نقش رأيناه سابقًا.
ضغط ستيفن على نظارته، واقترب أكثر، ثم بدأ يقرأ بصوت مسموع:
> "هنا… يُكتب تاريخ الأسلاف…
ميلاد رع… صعود حورس… عهد أوزوريس… ثم…"
تسارع صوته وهو ينتقل بين السطور:
> "هذا يتحدث عن الأسرة الأولى… ثم الرابعة… ثم عصر المجد العظيم… ثم انهيار الدولة الوسطى… ثم…"
توقف لبرهة، مذهولًا، ثم قال:
> "إنه يروي كامل التاريخ الفرعوني… من بدايته إلى… سقوط آخر ملوكهم!"
نظرتُ إليه مصدومًا:
> "كيف يُعقل أن تاريخ حضارة كاملة… محفور هنا؟ في جزيرة لم يعرفها البشر قط؟"
لم يجب، بل تابع القراءة بنهمٍ أكبر.
إلى أن وصل إلى الرموز الأخيرة في الأسفل.
تغير وجهه فجأة… كأن الدم جفّ فيه.
سألناه:
> "ماذا هناك؟ ماذا تقول السطور الأخيرة؟"
بلع ريقه، ثم قرأ ببطء، وكأنه يخشى الكلمات نفسها:
> "نحن مجردُ قطرةٍ في محيطٍ واسع…
لكن ما وراء الباب… أفقٌ لا يعرفه بشر."
سادت لحظة صمت ثقيلة.
حتى البروفيسور غاربن نفسه قال بصوت منهك:
> "الباب؟ أيّ باب؟ هل يقصدون البوابة؟"
هززت رأسي وأنا أدوّن بسرعة:
> "إذا كانت هذه الحضارة — أو من نقل لغتها — تركت هذا التحذير هنا…
فما الذي واجهوه خلف ذلك الباب؟"
نظر ستيفن إلينا بعينين لا تخفيان الخوف:
> "العبارة… ليست مجرد تحذير.
إنها اعتراف… بأن حضارتهم، بكل عظمتها، لم تكن سوى شيء صغير جدًا مقارنة بما ينتظر هناك."
اهتزت الأرض تحت أقدامنا فجأة، هزة خفيفة… لكنها كافية لتوقظ الرعب في صدور الجميع.
رفع غاربن رأسه إلى أعماق الغابة وقال:
> "أعتقد أن الباب… أقرب مما نتصور."
وبينما كان ستيفن ينهي قراءة التحذير الفرعوني الغامض، انطلق صوت حاد من جهاز الاتصال على حزام البروفيسور غاربن، تقطّع لثوانٍ ثم استقرّ:
"هنا البرج المركزي… هل تستقبلون؟"
تبادل الفريق النظرات بسرعة، ثم ضغط غاربن على زر الإرسال:
"نسمعكم بوضوح، تفضل."
جاء الردّ هذه المرة واضحًا وحاسمًا:
"الإمدادات وصلت. تم إسقاطها بالقرب من موقع السفينة. من المفروض أنها تكفيكم لمدة شهر كامل. إعادة التأكيد: لا تتوغّلوا كثيرًا داخل الغابة حتى تصل الفرق الأخرى… هذا أمر."
ساد صمت ثقيل بين أعضاء الفريق.
ستيفن رفع رأسه عن الشجرة الفرعونية وقال:
"هم يشعرون أننا سنقع في مشكلة لو توغلنا… لكن ما قرأته الآن… يشير أن الخطر ليس داخل الغابة بل خلف الباب الذي يتحدثون عنه."
إيرن دافيد، الذي كان لا يزال يتأمل الأشجار المحيطة، نفخ بقوة وقال:
"غابة تمتد لأكثر من سبعين كيلومتر، ورموز بكل لغات البشر، وتحذيرات من حضارة اندثرت منذ آلاف السنين… وبرج مركزي يقول لنا لا نتوغل… شيء ما ليس طبيعي هنا."
غاربن أغلق جهاز الاتصال ووضعه على خصره ثم قال بجدية غير معهودة:
"علينا استلام الإمدادات أولًا… وبعدها نقرر الخطوة التالية. لكن… شيء واحد أصبح مؤكدًا الآن…"
اقترب الجميع منه بترقّب.
"هذه الجزيرة لم تُصنع للضياع فيها… بل لِكَي نجد شيئًا محددًا."