💧الفصل الرابع💧
أولى خطوات النقص
كانت قطرة الماء العفوي قد جفت على حافة نبع الدمع الأول، لكن أثرها ظل يتردد في الجو كصوت همس قديم.
ناي لم تعد ساكنة. لم يكن ذلك انجذابًا سريعًا كالذي يجرف الآخرين في سهل الأشواق، بل كان اهتزازًا خفيفًا في مركز جسدها، سحب بطيء يشدها نحو تلك الرؤية التي خلقتها: الكائن الغريب الذي يدير ظهره ويمشي مبتعدًا. كانت تلك أول مرة يستجيب فيها جسدها لقانون كُوانسيرا.
لم يكن شعورًا مريحًا. كانت الصدمة هي أول إحساس يغزوها، صدمة ممزوجة بـ الفضول القاسي. طوال حياتها كانت ملاذًا للسكينة، الآن أصبحت هدفًا. وكلما تحرك جسدها ميليمترًا واحدًا نحو الكائن، شعرت بأنها تتخلى عن طبقة من جلدها القديم، كأن الشوق يفرض عليها ثمنًا فوريًا: البعد عن نفسها.
على مقربة من النبع، كان يقف أرين. لسنوات قضاها في قاعة العيون المغلقة كـ مُنْعَكِس، أصبح خبيراً في قراءة الخواء. لكن الظلام الساكن في عين ناي كان استثناءً يمزق كل ما تعلمه.
لم يكن أرين يشاهد ناي في عين الشوق الخاصة به، بل كان يرى اشتياق الحاضرين الآخرين. وفي تلك اللحظة، رأى شيئًا لم يكن موجودًا قبل دقيقة:
رأى اشتياقًا جديدًا، كثيفًا وعميقًا، يتشكل فجأة في نسيج كُوانسيرا.
هذا الاشتياق كان يخص ناي، ولأنه يرى اشتياق الآخرين، أدرك أن ناي خلقت رؤيتها. شعر بالخوف على مصيرها، وبـ الفضول الذي يمزق وعيه: كيف لخاوٍ أن يخلق شوقًا؟
اقترب أرين بحذر، وجسده لا ينجذب. بصفته منعكسًا، كان يرى اشتياقات الآخرين، وهذا يجعله يقاوم الانجذاب الشخصي.
"ناي..."
لم يكن الصوت يُنطق، بل كان سلسلة من الـ دموع الباردة تتدفق من عين أرين اليمنى. (الدمع البارد = فقد بسيط).
كانت دموعه تقول: أعتذر عن مقاطعتك، لقد فقدت التركيز قليلاً. (لكن المعنى الحقيقي كان: أنا أراقبكِ، وأرى ما رأيتِ، لكنني أتواصل ببرود خوفًا من أي رد فعل).
ناي، التي اعتادت الصمت الأبدي، لم تكن تعرف كيف ترد. لغة شِريالا كانت جديدة عليها. حاول جسدها أن يتبع إحساسه بالبكاء، لكن العضلات كانت متشنجة. وبعد جهد، تجمعت قطرة واحدة...
سقطت دمعة باردة من عينها اليسرى.
كان معناها حسب لغة شِريالا: أنا أعتذر عن فقداني لبصيرتي/لا أعرف كيف أرد.
كان ردًا بليغًا ومربكًا. إنها تعتذر عن فقدها لـ "اللا-شوق" الذي عرفته طوال حياتها.
أرين، الذي فهم المعنى المزدوج، شعر بارتجاف. حاول الرد بـ دمع ساخن (شوق عميق) لكنه خشي أن يُظهر لها اهتمامه فيجذب انتباه الأنفار الباكية التي ربما تكون قد استشعرت الشوق الجديد.
رد بدمع بارد آخر، لكنه أضاف إليه سرعة في التدفق: ما الذي رأيته للتو؟ (دمع بارد + السرعة = سؤال حذر).
ناي، وهي تشعر بسحب جسدها نحو الغريب الذي يدير ظهره، لم تستطع الرد بالدموع. وبدلاً من ذلك، نظرت مباشرة إلى عين أرين، وعينها، التي لم تعد ساكنة، كانت تومض بضوء خافت.
هذا الضوء كان يصرخ بـ الصدمة والفزع. كان كائنها الجديد الذي خلقته يبتعد، وجسدها يستجيب له، بينما عقلها يصرخ بـ الخوف من قانون البعد عن النفس.
أدرك أرين أن ناي تتواصل بلغة ما وراء شِريالا، بلغة الضوء غير المرموش، وربما تكون هذه هي لغة الشوق الخالص الأسطورية.
ابتعد خطوة، واختار أعمق وأبطأ دمعة باردة يمكنه بثها، دمعة حملت معنى: لا تخافي من الانجذاب. كلنا ننجذب هنا. لكن... احذري من الأنفار.
لم يكن هذا وعدًا (دمع يمنى)، بل كان تحذيرًا باردًا.
وبينما كانت ناي تركز على كبت خوفها لتقاوم الانجذاب، شعر أرين بلمسة غير مرئية على كتفه. التفت بسرعة، لكنه لم يرَ شيئًا. لكنه رأى دمعة صغيرة، حارة جدًا، تتدحرج على الأرض على بعد خطوات.
كانت دمعة من عين يمنى، تسللت من الظل. دمعة تقول: وعد.
كانت إيلفا تراقبهما، وتؤكد لنفسها: ناي هي العين الثالثة، وأرين أصبح مرتبطًا بها الآن.