✦ الفصل الثامن ✦
《لعبة التسلل》
في مكان لا يرحم الفضول، حيث كل خطوة قد تفتح بابًا لا يمكن إغلاقه، كان زين ونورا يلاحقان ظلاً لا يعرفان شكله.
المدرسة التي يعرفانها تحولت فجأة إلى متاهة صامتة، والممرات التي اعتادا عبورها بدت وكأنها تتنفس أسرارًا ثقيلة.
لم يكن أمامهما سوى خيار واحد… التقدم، ولو أن كل خطوة قد تكون الأخيرة.
في صباح يوم عطلة مشرق، كانت الشمس قد تسللت بخجل عبر ستائر نافذته، تنثر نورها الفاتر على أرضية الغرفة. جلس زين على حافة سريره، يتأمل السقف كأن فيه إجابات، فيما عقله يغلي من التفكير.
ما زال تصرف المديرة في الليلة الماضية عالقًا في ذهنه، يدور حوله كدوامة لا تهدأ. نظراتها، الكلمات المبتورة التي قالتها، الطريقة التي خرجت بها من الغرفة دون أن تودّع أحدًا... كل شيء فيها كان مريبًا، ومثيرًا لفضوله المفرط الذي لم يعرف النوم طريقًا له.
كان يحاول تحليل الأمور كعادته: "هل هي فقط متعبة؟ أم تخفي شيئًا أكبر؟ هل كانت تحاول إرسال رسالة مبطّنة؟" وبينما كان غارقًا في هذه الأسئلة، قاطعه صوت رنين حاد لهاتفه، مزّق الصمت من حوله كصفعة مباغتة.
نظر إلى الشاشة. رقم غريب. لا اسم. لا صورة.
تردّد لحظة، ثم ضغط زر الرد بفضول يشبه التورط.
وصوت غريب، أنثوي، خافت لكن واثق، قال:
"زين... أنا أعلم أنك لم تنم الليلة. كنت تفكر بالمديرة، أليس كذلك؟ تصرفاتها الغريبة تُشعلك من الداخل، تثير تساؤلاتك... ما رأيك أن نبدأ التحقيق؟ ليس بدافع الفضول فقط، بل بدافع كشف شيء... قد يثير الجنون."
ثم... صمت. لا تحية، لا وداع. أُغلق الخط كما بدأ: فجأة، وبكل وقاحة.
جلس زين يحدّق في الهاتف، حاجباه مرفوعان، فمه نصف مفتوح.
"حسنًا..." تمتم وهو يمطّ جسده: "هل هذه... تلك الطفلة المجتهدة؟ تدعوني للّعب معها؟"
ضحك بهدوء، ثم وقف، نظراته تشع ذكاءً وتحديًا.
"حسنًا... وأنا قبلت الدعوة."
عاد زين يتأمل شاشة هاتفه، يتردد، ثم ضغط على زر الاتصال، مستسلمًا لفضوله المشتعل. ما إن بدأت الرنّة الأولى حتى جاءه صوتها مباشرة، كأنها كانت تنتظره:
"لكنك لم تخبريني بالموعد... ولا المكان."
جاءه ردها سريعًا، بنبرة واثقة كأنها لم تحتج إلى تأكيد، بل شعرت بموافقته بين سطور صمته:
"حسنًا، غدًا عندنا دروس، ومن ضمنها حصتين رياضة، أليس كذلك؟"
رفع حاجبه، ونفخ بهدوء:
"صحيح، لكن... ما دخل الحصص؟ لا تقولي لي أن الفتاة المجتهدة المثالية ستتغيب عن حصة الرياضة من أجل التحقيق؟"
كان في صوته سخرية خفيفة، لكنها مزيج من الإعجاب والدهشة. لم يكن يتوقع أن تُقدِم على شيءٍ خارج قواعد دفترها المدرسي المثالي.
فجاءه صوتها، هذه المرة أكثر جديّة، خالٍ من أي تردد:
"لست أمزح يا زين. نلتقي عند البوابة عندما يرن جرس حصة الرياضة. كن هناك، ولا تتأخر."
تنهّد، ثم ابتسم وهو يهز رأسه. كانت الأمور تسير بطريقة غريبة، لكنه لم يكره ذلك.
"حسنًا، حسنًا... حاضر أيتها القائدة، كما تأمرين."
أنهى المكالمة، وبقي لوهلة يحدّق في السقف مجددًا، لكن هذه المرة، لم يكن يخطط أو يحلّل... بل كان ينتظر الغد، كأن شيئًا داخله استيقظ.
في صباح اليوم المدرسي، بدت الأروقة كأنها تنسخ نفسها بتكرار ممل. نفس الوجوه، نفس الحصص، نفس خطوات الأحذية على البلاط البارد. الطلاب يمشون وهم نصف نائمين، يجرّون حقائبهم بملل، كأن الروتين قد سحب منهم الحياة.
لكن لم يكن اليوم عاديًا للجميع...
على عكس البقية، كان الزمن يمشي ببطء خانق لاثنين فقط: زين... ونورا.
بالنسبة لهما، الساعات لم تكن تمر، بل كانت تتسلل كسلحفاة متوترة، كل دقيقة ثقيلة كأنها اختبار نفسي.
نظرات زين تتنقل بين الساعة على الجدار ودفتره المفتوح، بينما كانت نورا في مكان ما، تراجع خطتها في رأسها، ربما للمرة العاشرة.
وأخيرًا... جاء الوقت المنتظر.
رن جرس بداية الحصة الرياضية، بصوته العالي المعتاد، لكنه بدا اليوم كأنما دق ناقوس شيء آخر... شيء غير مألوف.
تجمع الطلاب في الساحة الخارجية، ضجيجهم يتناثر في الجو، والهواء يحمل رائحة العرق والعشب اليابس.
وقف المعلم أمامهم، يمسك دفتراً صغيراً ويبدأ بمناداة الأسماء كأنه يعلن قائمة الناجين:
"سامر..."
"حاضر."
"زهرة..."
"حاضرة يا أستاذ."
"نورا... نورا؟! … نورا؟"
صمت. التفت برأسه نحو الطلاب، يبحث عنها بين الوجوه المتشابهة.
"أستاذ... يبدو إنها ما حضرت... يمكن... يمكن تأخرت للمرة..."
ثم تلعثم الطالب، وكأن الكلمة خانته:
"للمرة الأولى..."
الهمسات بدأت تدور بين الطلاب، بعضهم يضحك، آخرون يتبادلون النظرات بدهشة. نورا... تتغيب؟ مستحيل.
وفي الجهة الأخرى من الساحة، حيث طلاب الصف الآخر ينتظمون على غير انتظام، كان معلمهم يضغط على حاجبه وهو ينادي أحد الطلبة.
"روح شوف زين، أكيد كالعادة متأخر... أو ناسي الحصة."
ركض الطالب باتجاه المبنى، يعرف الطريق إلى زين عن ظهر قلب، لكن...
عاد بعد دقائق، يلهث، ووجهه شاحب:
"أستاذ... دورت في كل مكان... ما لقيته."
صمت مفاجئ نزل على المكان، كأن المدرسة ابتلعت أنفاسها.
للمرة الأولى... زين ونورا، كلاهما... مفقودان.
أو هذا ما كانوا يظنّونه...
فالواقع أن زين ونورا كانا قد التقيا بالفعل عند البوابة الخلفية للقاعة، تلك التي تحدّثت عنها المديرة مسبقًا بنبرة لم تَخْلُ من التحذير.
لكن المفاجأة كانت أن البوابة كانت مغلقة بإحكام، بأقفال معدنية توحي بأن الأمر ليس مجرد إجراء روتيني.
ويبدو أن المديرة لم تكن تمزح حين قالت بصرامة في اليوم السابق: "هذه القاعة مغلقة من جديد."
وقفا أمام البوابة، وكلٌّ منهما يحمل في عينيه أسئلة لا إجابة لها، حتى قَطَع زين الصمت بنظرة جانبية إلى نورا، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة مائلة إلى التفاخر.
قال بصوت نرجسي، كأن النصر قد كُتب له وحده:
"ما دمنا قد وصلنا إلى هنا... فالدخول أصبح واجبًا، أليس كذلك؟"
نظرت إليه نورا بتردّد، صوتها خرج منخفضًا كمن يخشى ما بعد هذه الخطوة:
"وإن فعلنا... فماذا بعد؟"
أجابها دون تردد، وكأن الإجابة جاهزة منذ دقائق:
"نتسلّل بسرعة... وبخفة."
بدأ زين يدور حول القاعة، عيناه تبحثان عن نقطة ضعف، عن فتحة، عن وسيلة للدخول. نظر إلى الأعلى، حيث تمتد النوافذ العريضة، لكنّها كانت مرتفعة، ولا يمكن الوصول إليها بسهولة.
قاطعت نورا تفكيره، وقد رفعت حاجبيها بسخرية خفيفة:
"لكنها عالية، يا ذكي."
لم يبدُ على زين أنه أُربك، بل أشار بإصبعه نحو زاوية القاعة حيث كان هناك سلم حديدي صغير مهمل إلى جانب الجدار، وكأنه خُلق لأجل هذه اللحظة.
"أنظري هناك... أليس ذلك سلّمًا؟"
لم تنتظر نورا كثيرًا. ركضا معًا نحو الزاوية، وتسلّلا بخفة.
تقدّم زين أولًا، وساعد نورا في الوصول إلى النافذة، ثم دخلا القاعة بخفة قطتين تعرفان ماذا تفعلان.
داخل القاعة، كان الصمت سيد المكان.
ابتسم زين، وكأنّه اقتحم قلعة مهجورة، ثم قال بفخر وهو ينفض يديه:
"ها قد فعلناها... من جديد."
نورا لم تقل شيئًا، لكن في عينيها لمع شيء بين الحذر والإعجاب.
وما لم يكن يعرفانه هو أن المدرسة بأكملها... في تلك اللحظة، كانت في حالة استنفار، تبحث عنهما كما يُبحث عن كنز ثمين ضاع فجأة.
المعلمين، الطلاب، وحتى موظف الإدارة... الجميع يتهامس ويتساءل:
"أين اختفوا؟ كيف؟ ولماذا؟"
لكن في مكانٍ ما خلف الجدران، كان هناك من يسمع تحركاتهما بصمت…